المستشار بهاء المري - زَيف البطولة...

ارتبطت فكرة البطولة في الوعي الجمعي بالدفاع عن ‏الأرض والعقيدة غير أن التاريخ حين يُقرأ بعين العقل لا بعاطفة ‏الشعارات، يكشف أن كثيرًا من الجرائم ارتُكبت باسم الوطن ‏والدين، وأن القاتل كثيرًا ما تحوّل - بفعل التضليل - إلى "فدائي" ‏أو "شهيد"، بينما هو في حقيقته مجرد أداة لتنظيم سريّ، أو رهينة ‏لفكرة منحرفة.‏
في القانون القاتل مجرم وفي أدبيات بعض الجماعات ‏القاتل فدائيّ. هذه المفارقة هي أصل الداء، حيث تُغلف الجريمة ‏بغلاف القَداسة، ويُروَّج لها كأنها طاعة دينية أو بطولة وطنية.‏
كم كشفت التراث القضائي عن قضايا قُتِل فيها الأبرياء ‏بدعوى "نُصرَة الدين" أو "خدمة الوطن"، بينما الحقيقة كانت ‏انتقامًا سياسيًّا، أو تنفيذًا لأجندة جماعة، أو نتيجة تحريض مُمنهج.‏
لو كان القتل سبيلًا للنهضة، لكانت دماء الخصوم في ‏أي بلد قد أنبتت تقدمًا واستقرارًا. لكن الحقيقة أن كل رصاصة ‏طائشة، وكل عبوة ناسفة، لم تُنتج إلا الفوضى، وزعزعة الثقة، ‏وتآكل هيبة الدولة.‏
ما الذي جناه الوطن من اغتيالات مثل النقراشي، وأحمد ‏ماهر، والقاضي أحمد الخازندار؟ ألم نخسر رجال دولة وقضاء ‏وعقل؟ ألم تنفتح أبواب العنف الممنهج بدلًا من أبواب الحوار؟
كثير من جرائم القتل السياسي كانت تحمل شعارات ‏دينية أو وطنية، لكنها في حقيقتها خطط تنظيمية خالصة، لا علاقة ‏لها بالإيمان ولا بالإخلاص الوطني.‏
لم تقف جريمة القتل باسم الدين أو الوطن عند حدود ‏التاريخ المحلي، بل امتدت في عصرنا الراهن مع جماعاتٍ عابرةٍ ‏للحدود كداعش والقاعدة، حيث اختُزل الإيمان في تفجير، ‏والجهاد في ذبح، فصار الدين مطيّةً للسلطة، والوطن ساحةً ‏للخراب.‏
تاريخنا الحديث ملئ بالأمثلة: بطرس غالي (1910) ‏قُتل بدعوى "الخيانة"، بينما أظهرت الوثائق أن قاتله كان ضحية ‏دعايات حزبية بلا وعي قانوني. النقراشي باشا (1948) قتله أحد ‏الإخوان لأنه حلّ الجماعة والمفارقة المؤلمة أن النقراشي هو من كفل ‏تعليم قاتله. القاضي أحمد الخازندار اغتيل لأنه حكم ضد متهمين ‏ينتمون للجماعة نفسها. فرج فودة (1992) قتله شاب لا يقرأ ولا ‏يكتب، لمجرد أنه "سمع" أنه كافر. السندي وفايز: قادة في تنظيم ‏واحد، أحدهما أرسل للآخر صندوق حلوى مفخخ فقتل أسرته. ‏هل بعد كل هذا يُقال إن القتل دفاعٌ عن الحق؟
رغم ما حدث، فإن القضاء المصري كان في كثير من هذه ‏القضايا شاهد عدل، وضميرًا حيًّا. لم يكن قاسيًا ولا متعجلًا، بل ‏بحث، وواجَه، وكشف التزييف وبعض الاعترافات بفساد "الجهاد ‏المزعوم" جاءت من داخل الجماعات نفسها. منهم من وصف ‏القتل بــ "العبادة"، ومنهم من حمّل الضحية مسؤولية موته، في ‏منطق مقلوب لا يعرفه دين ولا عقل.‏
الخطورة الكبرى ليست في القتل، بل في تحويل القاتل ‏إلى "رمز". حين يتحوّل حسين توفيق قاتل أمين عثمان إلى بطل ‏سينمائي، كما حدث في رواية "في بَيتنا رجل"، فإن الوعي الجمعي ‏يُصاب بالعمى، وتُزيف الذاكرة الوطنية.‏
الكلمة قد تقتل. الصورة قد تضلل. والفن، حين يُجمّل ‏القاتل، يصبح شريكًا في الجريمة.‏
لسنا نحاكم أفرادًا، بل نحاكم الفكرة القاتلة. الفكرة ‏التي تخلط بين الجريمة والبطولة، وبين الخيانة والفضيلة، وبين ‏الحق والمصلحة التنظيمية.‏
إننا في أمسّ الحاجة إلى إعادة قراءة تاريخنا بعينٍ ناقدة، ‏وكتابة الحاضر بضميرٍ حيّ، وتربية الأجيال على قداسة الكلمة لا ‏قداسة الرصاص.‏
وليعلم كل من سوّلت له نفسه أن يغتال باسم الله أو ‏الوطن، أن هناك قضاءً يُنصف، وشعبًا يُبصر، وذاكرةً لن تنسى.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى