علجية عيش.. بين جيل "زاد" وجيل "الكتاتيب" وإمكانية التواصل بينهما

الأسباب التي أدت إلى إفراز ظاهرة التطرف والإرهاب في العالم الإسلامي

إن تكوين جيل قرآني ربّاني و ربطه بالتراث متوقف على عنصر واحد يجب تفعيله هو تحسين الخطاب، على المختصين أن ينزلوا إلى الشارع للتقرب من الشباب الذين تاهت بهم السبل لمحاورتهم و التبادل معهم في الأفكار لنصحهم و إرشادهم و لا يظلون حبيسي القاعات المغلقة، إن الصراع اليوم هو صراع أجيال، فهل من سبيل لجمعهما و إحداث التواصل بينهما

habous.jpg
يرى نقاد أن ما عمّق مصيبة الأمة العربية و الإسلامية هو مصادرة الخطاب الديني من قبل الجماعات و الأحزاب الإسلامية سواء كانت مقصودة أم غير مقصودة و مصادرتهم كذلك للرأي دون السماع للرأي الآخر، و محاورته أو مناظرته، ذلك ما قاله أحد النقاد و هو يعالج إشكالية تتعلق بتجديد الحطاب الديني، قد يسأل سائل لماذا يتكرر الحديث و الكلام عن الخطاب الديني الجواب لأن تجاهل الخطاب الديني الصحيح و استعمال الخطاب الذي يغلط العقول و يغير النفوس هو سبب ما عاشته الشعوب من حروب أهلية، فهناك من يُصادر الخطاب و أغلق باب الاجتهاد بعد غياب العلماء الأكفاء و الدعاة العقلاء ، و قد ساهمت الخروب الأهلية في إفراغ الساحة فلم يعد هناك مصدر اصلي للمعلومة الإسلامية أو الفكرة الدينية، بعد غياب أصحابها الذين نظّروا لها في ملتقيات الفكر الإسلامي، إن هذا الغياب أو الانقطاع جعل غياب المرجعية العلمية و الدينية أمرا واقعا، و حتى المرجعية الفكرية، و إن وجد بعضها ، فإما متعارضة أو متضاربة، و أخرى تريد احتكار الساحة لها وحدها دون فتح الأبواب امام الذين يحملون أفكارا نيّرة يريدون بها خدمة المجتمع و الإنسانية، لا لشيء إلا لأنها محسوبة على اتجاه إيديولوجي، لا حِسَّ له و لا روح.

لقد عانت الشعوب العربية الإسلامية التي عاشت الحرب الأهلية كل أنواع الحصار و القمع ، و إن كانت أسباب هذه الحرب سياسية هدفها الوصول إلى الحكم أكثر ما هي دينية لكنها أعطت لها صفة الدين، تذكرنا هذه الحرب بحرب المصحف حين وقاع صراع دموي بين شيعة علي و شيعة معاوية و حمل هذا الطرف المصحف الى الرمح ، و كأن الحرب بين دولة مسلمة و دولة كافرة، حيث دخلت الشعوب في دوامة من المتناقضات، و لم تعد تعرف من هو الجاني و من هم المجني عليه ، لأن الذي يدعو إلى الخير و بالرغم من أنه مظلوم، استعمل وسيلة تهدم و اصبح هو و الجاني في كفة واحدة ، كانت مرحلة غابت فيها كل القيم الدينية و الإنسانية و كأن دم الإنسان رخيص، ، أجواء تعششت فيها الأفكار الفاسدة ، سوّقها أصحابها في كتب و بعناوين مختلفة، و يكفي ان نقف على المكتبات و معارض الكتاب، نجد الكم الهائل من الكتب، تبهرنا عناوينها المكتوبة بالبنط العريض، لكن محتواها مجرد "عنعنة " لا تجد للكاتب رأيا خاصا به أو موقفا يبديه من الإشكالية التي هو بصدد الوقوف عليها.



فبعض الكتب تخلق في رؤوس القارئ و بخاصة الشباب ازدحاما و فوضى في الأفكار ، و هذا بسبب اختلاف في الآراء و تناقضاتها بيت كاتب و آخر، و بدون خلفية..، إن الذين جعلوا أنفسهم أربابا للفكر و الثقافة و يمنعون غيرهم من الإسهام فيها ، و يرفضون من يناقشهم أو حتى من يطرح أسئلة بغية إثرائها ( أي الفكرة) يتحوّل في نظرهم إلى خصم أو عدوّ، فالتعددية الفكرية كما يقول النقاد لها أثرها الخطير على عقول الناس لاسيما الشباب منهم، هذا الشباب الذي كان منبهرا بحركات العلمنة و موجات التغريب، وحتى الشباب المسلم الذي ما يزال حبيس الجماعات والحركات الإسلامية التي صنعت خطابا دينيا على مقاسها و تريد زرعه في عقول الناشئة التي نهضت على حضارة تعكس الحضارات السابقة ، هي حضارة الفيسبوك و التكتوك، و الروبوت، فجيل "زاد" لم يعد ذلك الجيل الذي تربىَّ في الكتاتيب ( اللوحة) ، فلكل عصر زمانه .

هي شريحة واسعة تؤمن بالملموس، و قد جعله هذا النوع من الخطاب الديني يعاني من انفصام في الشخصية فلا هو مسلم و لا هو ينتمي إلى مجتمع غير إسلامي، لا هو حرٌّ و لا هو متمذهبٌ، حياته منازعة و مخاصمة حتى مع نفسه و أهله، لعل من الأسباب التي أدت إلى إفراز ظاهرة التطرف و الإرهاب في العالم الإسلامي كما يقول الدكتور محمد نعيم محمد هاني ساعي (مختص في الفقه و أصوله) هو ما أصاب المرجعية العلمية الدينية من تغييب و إضعاف و هذا بسبب الخطاب الديني الذي تسبب في جرح الأمّة و انهيارها، و هو اليوم بحاجة إلى تصحيح و تجديد و تحرّر ، لإخراجه من الحفرة المظلمة و إيصاله إلى العامة و الجمهور من الناس، و هذا مرهون بربط التراث الإسلامي بفقه الواقع ، لأن لكل زمان جيل له فكره الخاص به و لغته و رؤيته للحياة ، و كما يقال: " لا يظلم ظالم و يستشري في ظلمه إلا بظلم من العامة، إن الأمة العادلة فيما بينها لا يستطيع ظالمٌ مهما أوتي من قوّة و بطشٍ أن يسوسها أو يحكُمَها".

علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى