يحيى بركات - المؤثرون الألف: حين أدرك الكيان أن ظله لم يعد يخيف العالم

بين الرواية والحقيقة، بين الدين والسرد، بين الضوء والظل.
منذ اللحظة الأولى التي تخيّل فيها المشروع الصهيوني نفسه، كان يعرف أنّ القوة لا تُبنى بالسلاح وحده، بل بما هو أعمق وأكثر خفاء: السردية. تلك التي تمنح الاحتلال قداسة لا يملكها، وتخلق للجلاد قناع الضحية، وتحوّل النصوص الدينية إلى صكوك ملكية، وتحيل أساطير الأسلاف إلى خرائط سياسية. كل شيء يمكن تزويره حين تكون الرواية بيد واحدة: الأرض، التاريخ، الحكايات، وحتى فكرة “المختار” التي لا تنتمي للجغرافيا بل لمخيلة تريد شرعنة القوة.
ومئة عام تقريبًا ظلّت الكاميرا في يد واحدة، حتى جاء اليوم الذي انكسرت فيه القبضة. لم تنكسر بسبب بيان سياسي، بل بسبب لقطة خرجت من قلب الدمار: طفل يحمل غبار الركام على وجهه، يد صغيرة ترتجف، صرخة أم تبحث عمّن يجيبها، دمعة أب يركض نحو الظلام. لحظة واحدة فقط كانت كافية لإسقاط جدار كامل من الأكاذيب. وما إن أفلتت الصورة من بين أصابعهم حتى بدأ الذعر الحقيقي… ليس في غزة، بل في المكان الذي يحرس سرديتهم منذ عقود: الولايات المتحدة.
هناك بدأت الهزة. الجامعات التي كانت صامتة صارت تهتف، النقابات التي كانت توازن مصالحها صارت تنحاز للدم، الفنانون الذين كانوا يخشون اللوبي صاروا يعلنون الحقيقة دون خوف، وجيل جديد—حتى بين اليهود أنفسهم—صار يقول بصوت واضح: هذا ليس باسمنا. المحتوى الرقمي مزّق احتكار الصوت الواحد. لم يعد سيف “اللاسامية” يخيف أحدًا، ولم يعد بوسع أحد أن يبرر القتل بنص ديني.
حينها فهم الكيان أنه يخسر أهم معاركه: معركة الوعي.
لم يكن أمامه إلا أن يستدعي ما يظنه سلاحه الأخير: الدين.
وهكذا بدأت رحلة “الألف مؤثر وقسّ”،
أضخم حملة دينية–إعلامية في تاريخ إسرائيل الحديث.
لم تكن زيارة، بل استنفارًا روحيًا سياسيًا، جيشًا من المنابر جُمع على عجل لإنقاذ السردية.
طائرات تهبط، حافلات تنتظر، مراسيم استقبال مُحكمة، كاميرات جاهزة لالتقاط مشاهد منتقاة،
ومؤثرون—بعضهم يملك جمهورًا بعشرات الملايين—يُساقون عبر مشاهد مكتوبة بدقة.
بدأت الجولة من وزارة الخارجية، حيث قيل لهم إنهم جزء من “معركة الوعي”، وإن حضورهم هنا ليس سياحة بل تكليف، وإن العالم بدأ يفلت من القبضة، وإنهم قادمون ليعيدوا إحكامها.
ثم انتقل المشهد إلى مقبرة جبل هرتزل، حيث تُعرض دموع العائلات الإسرائيلية كما لو أنها المدخل الوحيد للفهم، ثم إلى موقع مهرجان “نوفا”، حيث تُعاد كتابة قصة 7 أكتوبر وكأنها بداية الزمن ونهايته.
ثم إلى جولات في القدس القديمة، حيث يزرعون في الوجدان أن هذه الأرض وعدٌ لا يناقش، وأنّ أي صوت يقول غير ذلك هو خطر على الإيمان ذاته.
ثم إلى المستوطنات، حيث يُقدَّم لهم المستوطن بوصفه حارس النبوءة، لا غاصب الأرض.
وفي قاعات مغلقة، كانوا يخضعون لدروس مركّزة:
كيف يردّون على الطلاب الأمريكيين؟
كيف يهاجمون النقابات؟
كيف يقلبون النقد إلى “لاسامية”؟
كيف يكتبون خطبًا تُدخل غزة خارج الكادر؟
كيف يصنعون رواية لا يظهر فيها قتل ولا حصار ولا جثث؟
كيف يروّجون لفكرة أنّ إسرائيل ضحية مسكينة، وأنّ ما ترتكبه ليس جريمة بل خلاص؟
لم يكن هذا حجًا دينيًا، بل معسكرًا لتدريب السرديات.
وكان المشهد الأكبر:
تجمع الألف عند الدرج الجنوبي قرب المسجد الأقصى–حائط البراق،
أذرع مرفوعة، صلوات متزامنة،
صورة جماعية مُعدة بدقة لتكون مادة خام لحملات إعلامية ضخمة في أمريكا.
مشهد صُمّم ليقول للمؤمنين هناك:
إنقاذ إسرائيل… هو إنقاذ الإيمان.
ولم يكن غريبًا أن يتفاخر نتنياهو، في لقائه مع مؤثرين أمريكيين قبل أسابيع فقط، بأن “السوشال ميديا هي السلاح الحقيقي”، وأن شراء منصة مثل تيك توك هو “مصلحة قومية لإسرائيل”، وأنّ الحرب اليوم تُخاض على الشاشات قبل الحدود.
الرجل يعرف أن السيطرة على الوعي أهم بأضعاف من السيطرة على الأرض.
وفي الظل، تواصل الوحدة 8200 عملها…
وحدة لا تحمل السلاح بل تحمل القدرة على إعادة تشكيل وعي شعوب كاملة.
تفتيت هنا، تضليل هناك، حملات رقمية، حسابات وهمية،
محاولة هندسة عقول لا جبهات.
لكن الحقيقة هذه المرة لم تكن نصًا يمكن تزويره…
كانت صوتًا وصورة ودمًا، وكانت أكبر من قدرتهم على الإخفاء.
ومع كل هذا البناء الضخم للرواية، يبقى السؤال: لماذا الآن؟
لأن العالم في سنة واحدة تغيّر.
لأن الطلاب في أمريكا رأوا غزة بلحمها، بلا وسيط.
لأن الفنانين تخلّوا عن الخوف.
لأن بعض اليهود قالوا صراحة: لسنا جزءًا من هذا الظلم.
لأن فكرة “المختار” لم تعد تقنع أحدًا.
لأن الإنجيليين الشباب أنفسهم بدأوا يشكون في الرواية التي دُرّسوا بها.
صارت إسرائيل تشعر بالعزلة الأخلاقية،
ولأول مرة تخاف.
تخاف من سؤال بسيط:
ماذا لو لم يعد العالم يرى فينا الضحية؟
والإعلام الأمريكي اليميني
من فوكس نيوز إلى ترامب
لم يهاجم هذه الحشود الدينية،
لم يقل إنهم متطرفون،
لم يقل إنهم يخلطون الدين بالسياسة،
بل خصّص كل هجومه لليسار، للجامعات، للطلاب، للمثقفين،
لأن هؤلاء هم من قلب الرواية رأسًا على عقب،
ولأن هذه الحملة كلها جاءت لتواجههم هم بالذات.
كل ذلك يقود إلى الحقيقة الأعمق:
إن ما يحدث ليس حملة دعائية، بل عملية إعادة هندسة ضمير.
الألف مؤثر ليسوا مجرد زوّار؛ إنهم “مصفاة” جديدة يريدون من خلالها إعادة تصفية الوعي الأمريكي بعد أن تلوث بالحقيقة.
يريدون إعادة تشكيل الذاكرة قبل أن تستقر في ضمير جيل جديد رفض أن يُخدع.
وسط كل ذلك، يواصل الاحتلال فعلته الأكثر فجاجة: إخفاء السياق. التركيز على يوم واحد، وكأنّ التاريخ يبدأ منه وينتهي إليه، وتغريق الشاشات برواية الضحية الإسرائيلية، بينما يُمحى كل ما قبله وما بعده. سنوات الحصار، المدن التي تُجرف، البيوت التي تُحرق، الزيتون الذي يُسرق، الأطفال الذين يُنتزَعون من أحضان أمهاتهم، المرضى الذين تُقصف مستشفياتهم، الأصوات التي لا يسمعها أحد.
كل هذه التفاصيل تُرمى خارج الكادر، لأن إظهارها سيُسقط القصة من جذورها. الكاميرا المتحكمة تريد مشهدًا واحدًا فقط، وتُطفئ الضوء على البقية.
وفي المقابل، يقف الطلاب، النقابات، الفنانون، اليهود الأحرار،
يقفون بلا ميزانيات، بلا برامج رسمية، بلا رحلات ممولة،
ورغم ذلك أثبتوا أن الحقيقة حين تخرج من غزة تستطيع إسقاط أطول الجدران.
ومع ذلك، يبقى السؤال:
هل ينجحون؟
يمكن للآلة الدعائية أن تربح بعض الجولات، وأن تُسكت أصواتًا، وأن تُربك جماهير، لكنها لم تعد قادرة على حبس العالم داخل مرآتها.
الرأي العام تغير، والسردية انفلتت، والصورة لم تعد ملكًا لأحد.
جيل جديد يشاهد الحقيقة ولديه مناعة ضد الخوف، ومن الصعب أن يعود إلى ما قبل اللحظة التي انكسر فيها الجدار القديم.
لكن كل هذا يقود إلى سؤال واحد: ماذا نفعل نحن؟
كيف نمنع هذه الموجة الأخلاقية التي تجتاح العالم من أن تخفت؟
كيف نصون السردية التي ولدت من تحت الركام؟
كيف نحوّل هذه اللحظة إلى مسار مستمر لا يقف؟ الرواية مسؤوليتنا. الصورة مسؤوليتنا. توثيق الإبادة، إعادة كتابة السرد، تقديم القصة الفلسطينية بوصفها قصة إنسان يسعى إلى الحرية والكرامة والانتماء إلى أرضه؛ هذه هي أدوات المعركة.
لا بد من إعلام مستقل لا يخضع لحكومة ولا لوهم الحياد، ومن تحالف عميق مع جيل الجامعات العالمي، ومن إنتاج سينمائي ووثائقي يعيد الاعتبار للقصة التي حاولوا محوها، ومن شبكة مؤثرين لا تقل قوة عن تلك التي أرسلوها لتثبيت روايتهم، ومن كشف مستمر لعمليات التزوير التي تقوم بها 8200 وغيرها.
في النهاية، كل ما يفعلونه اليوم ليس إعلان قوة بل اعتراف بالخوف. الخوف من الحقيقة التي لم تعد قابلة للإخفاء، الخوف من الوعي حين يتحرّر، الخوف من الشعوب التي لم تعد تقبل أن يُفرض عليها معنى جاهز لما ترى. السردية حين تسقط، يسقط معها صاحبها، والاحتلال اليوم يشعر بأن ظله لم يعد يخيف أحدًا، وأن غزة المدينة التي احترقت ثم أضاءت العالم كانت الشرارة التي لن تنطفئ.
الجواب يبدأ من الصورة والشهادة والذاكرة،
من الرواية الفلسطينية التي تُكتب بلغات العالم،
من إعلام مستقل لا يرتجف أمام قوة،
من تحالف مع الجيل الذي أعاد تعريف العدالة في الجامعات،
من شبكة مؤثرين فلسطينيين وعرب قادرين على مواجهة هذا الجيش الروحي الجديد.
لأن ما يجري الآن ليس صراعًا على الأرض فقط،
بل صراع على معنى العالم نفسه.
على الحق، على الضمير، على ما تبقّى من إنسانية في هذا الكوكب.
والكيان يعلم أنّه إن خسر هذه المعركة،
فلن يبقى له ما يحتمي به،
لا الدين، ولا الإعلام، ولا الأسطورة.
ولهذا جاء بالألف.
ولهذا ارتجف الظل.
ولهذا لم يعد العالم يخاف منه كما كان.
ولأن غزةبالنار التي التهمتها
وبالضوء الذي أطلقته
أعادت تعريف معنى الحقيقة،
فلن يعود العالم إلى ما قبلها،
ولن يعود الظل ظلًا…
حين تُشرق الحقيقة.
لأن الحقيقة،حين تخرج من بين الركام، لا يعود أحد قادرًا على إعادتها إليه. ولأن غزة، رغم الألم، علّمت العالم درسًا لم ينسه منذ اللحظة الأولى: أن الضمير، مهما تأخر، يعود.

يحيى بركات

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى