يحيى بركات - فلسطين بين تشخيص البنية وسؤال الحامل: لمن هذه اللحظة؟

ليس السؤال اليوم إن كانت البنية السياسية الفلسطينية مأزومة، فهذا بات بديهيًا إلى حد الإشباع.
ولا السؤال إن كان نموذج الحكم الذاتي قد بلغ مداه، فذلك لم يعد موضع جدل جدي.

السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه بعد الطوفان، وبعد هذا الانفجار الأخلاقي العالمي غير المسبوق لصالح فلسطين، هو سؤال أبسط وأخطر في آن:

من يحوّل هذه الشرعية إلى سياسة؟
ومن يحملها؟
وبأي أداة؟
وفي أي توقيت؟

ما بين تشخيص د. غانية ملحيس، الذي يضع إصبعه على جوهر الأزمة كنموذج حكم ذاتي وظيفي صُمّم لإدارة الحياة لا لتحريرها، وبين قراءة خالد عطية، التي تكشف كيف تحوّل الانقسام نفسه إلى بنية وظيفية مستقرة تمنع تشكّل مركز سياسي فلسطيني جامع، تتضح صورة قاسية لا يمكن تجاهلها:

نحن نمتلك اليوم أعلى رصيد أخلاقي وشرعي منذ عام 1948،
لكننا لا نمتلك حاملًا سياسيًا قادرًا على استثماره.
غزة وصلت إلى ذروة الشرعية الرمزية، لكنها محاصَرة ماديًا ومكبّلة سياسيًا.
الضفة تمتلك بنية إدارية مستقرة نسبيًا، لكنها بلا شرعية شعبية حقيقية.
الشتات يمتلك طاقة عالمية ضاغطة، لكنه بلا قناة وطنية مؤسسية.
قوة بلا حامل.
شرعية بلا بنية.
سردية بلا مؤسسة.
وهنا يتقدّم السؤال الذي لا يمكن تأجيله أكثر:
هل نحن أمام لحظة تأسيس حقيقية، أم أمام ذروة رمزية أخرى ستُستهلك، ثم تُعاد هندستها داخل البنى نفسها؟
قبل القفز إلى الإجابات، لا بد من التوقف عند شرطين غالبًا ما يُتجاوزان في النقاشات النخبوية، رغم أنهما يحددان كل شيء على الأرض.

الشرط الأول هو الظرف الذاتي: المجتمع الفلسطيني نفسه.
هذا المجتمع المُنهك اقتصاديًا، والمفتّت جغرافيًا، والمثقَل بخيبات متراكمة، هل أصبح جاهزًا اليوم للالتفاف حول قطيعة بنيوية حقيقية مع النظام القائم؟
هل يمتلك القدرة، لا الرغبة فقط، على تحمّل كلفة انتقال سياسي عميق، في ظل شبكة رواتب وخدمات ومصالح تشكّلت على امتداد ثلاثة عقود؟
قد يكون الوعي النقدي قد نضج، وقد يكون الإيمان بالقيادات القديمة قد تآكل، لكن السؤال الأهم يبقى معلّقًا:
هل وُلد البديل في المخيال الجمعي؟
وهل يثق الناس بأنهم لن يُتركوا في فراغ، إذا اهتزّت البنى التي، رغم عطبها، ما زالت تؤمّن الحد الأدنى من الحياة اليومية؟

أما الشرط الثاني، فهو الظرف الموضوعي: المحيط العربي والإقليمي.
في زمن اصطفاف تطبيعي رسمي، وخوف إقليمي عميق من أي انفجار جديد، كيف يمكن لمشروع تحرري فلسطيني أن يتقدّم دون أن يُخنق منذ لحظته الأولى؟
هل يُراهن على الأنظمة؟
أم على المجتمعات؟
أم على توازن دقيق بين الضغط الشعبي العربي والدولي، وبين إدارة الصدام دون انتحار سياسي؟
إذا اتفقنا أن القطيعة الفورية غير واقعية، وأن إعادة تدوير النظام القائم لم تعد ممكنة، فإننا نصل إلى السؤال الذي يتجنّبه الجميع، رغم حضوره في كل نقاش:

ما هو الحامل السياسي لهذا التحوّل؟
هنا بالضبط، تصبح قراءة ما كتبته د. غانية ملحيس وما كتبه خالد عطية ضرورية، لا كمرجعيات نظرية، بل كمرآتين تعكسان المشهد من زاويتين مختلفتين.
غانيه تقترب من البنية من الداخل.
لا تبحث عن أشخاص ولا عن نوايا، بل عن الفكرة التي حكمت المسار طويلًا.
تقول، ببساطة صارمة، إن الحكم الذاتي لم يفشل لأنه أسيء استخدامه، بل لأنه صُمّم أصلًا ليكون إدارة للحياة تحت الاحتلال، لا أداة للتحرر.
في هذه القراءة، لم تنحرف السلطة عن دورها، بل استقرّت داخله، وأتقنته، حتى صار هو الواقع الوحيد الممكن.
هذا التشخيص يضع القارئ أمام سؤال لا مفر منه:
إذا كان النموذج نفسه محدود السقف، فإلى أي حد يمكن إصلاحه؟
وهل تغيير الوجوه يكفي، إذا بقيت القواعد كما هي؟
من جهة أخرى، ينظر خالد عطية إلى الانقسام لا كخلاف سياسي عابر، بل كحالة استقرار سلبي.
واقع تعلّم أطرافه التعايش معه، كلٌّ ضمن مجاله وحدوده.
الضفة تدير حياة الناس بحدّها الأدنى الممكن.
غزة تحمل عبء المواجهة والرمز تحت حصار خانق.
والشتات يرفع الصوت عاليًا في العالم، لكنه لا يجد بابًا يدخل منه إلى القرار.

بهذا المعنى، لا تكمن الأزمة اليوم في غياب الشرعية، بل في تشتتها.
لدينا تعاطف عالمي واسع، وحضور فلسطيني غير مسبوق في الشارع الدولي، لكن كل ذلك يبقى معلقًا، بلا جهة قادرة على جمعه وتحويله إلى مسار سياسي واضح.
وهنا، يعود القارئ تلقائيًا إلى السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المقال منذ بدايته:
من سيحمل كل هذا؟
ومن يستطيع أن يحوّل التعاطف إلى سياسة، والغضب إلى قرار، والشرعية إلى أفق؟

هل تكون هذه الأفكار أساسًا لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كنظام تمثيلي ديمقراطي حقيقي، يضم الداخل والشتات عبر انتخابات شاملة؟
أم يُنتظر أن تتبنّاها قوة سياسية قائمة، بكل ما تحمله من قيود تاريخية ووظيفية؟
أم أن المرحلة تفرض التفكير بجرأة في إنشاء حامل سياسي جديد: حزب أو تيار وطني تحرري مدني، ببرنامج واضح، يستقطب الوطنيين من مختلف الخلفيات، ويخوض معركة التمثيل لا كغاية سلطوية، بل كأداة ضغط لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني؟

لماذا الخوف من هذا السؤال؟
ولماذا يُنظر إلى فكرة الحزب الجديد كتهديد، لا كاستجابة طبيعية لحالة انسداد تاريخي؟
أليس التاريخ الفلسطيني نفسه سلسلة من ولادات سياسية كبرى، جاءت حين عجزت الأطر القائمة عن الاستجابة لمتطلبات اللحظة؟
ثم يبقى سؤال التوقيت، وهو الأخطر:
هل هذه لحظة طرح المشروع، أم لحظة التمهيد له؟
هل نبدأ بالقطيعة، أم بالانتقال؟
هل نبني الأداة أولًا، أم ننتظر توافقًا قد لا يأتي؟
هذه ليست أسئلة نظرية، ولا ترفًا فكريًا.
إنها أسئلة حياة سياسية يومية، يعيشها الناس في تفاصيلهم الصغيرة، لا في المؤتمرات فقط.
ولا يملك الإجابة عنها كاتب واحد، ولا ورقة واحدة، ولا نخبة معزولة.
لهذا، قد يكون هذا النص نفسه دعوة للنقاش لا إعلان موقف.
محاولة لفتح نافذة، لا لرسم خريطة جاهزة.
واختبارًا لمدى جاهزية المجتمع الفلسطيني، أفرادًا ونخبًا وشبابًا وشتاتًا، للخروج من دور المتفرّج على التحولات، إلى دور الفاعل الذي يسأل:
ماذا نريد؟
وكيف؟
وبأي ثمن؟
ومع من؟
فلسطين اليوم ليست فقيرة في الشرعية،
ولا في العدالة،
ولا في التضحية.
فلسطين فقيرة فقط في الحامل السياسي.
والسؤال مفتوح.
والإجابة… يجب أن تكون جماعية.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
14 / 12 / 2025

لمن يرغب في تعميق النقاش وقراءة النصوص المرجعية:
🔹 رابط ورقة د. غانية ملحيس
من أزمة نموذج الحكم الذاتي الذي وصل مداه إلى تأسيس مشروع تغيير وطني جديد: مسودة للنقاش
🔹 رابط مقال خالد عطية
فلسطين بين الانقسام الوظيفي وصعود الشرعية الرمزية بعد الطوفان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى