رحم الله صديقي وأخي وأستاذي سيدي محمد داني رحمة واسعة، وأسكنه الفردوس الأعلى.
غادرنا إلى دار البقاء، وترك في قلبي وجعًا لا يشبه غيره، جرحًا غائرًا لا يبرأ، لأن الفقد حين يكون لفارس هادئ، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يخلّف فراغًا لا يُملأ.
كان نعم الصديق، ونعم الأخ، ونعم الإنسان. رجلًا شهما، معطاءً، عفيف النفس، واسع الثقافة، عميق الاطلاع، لكنه ـ على سعة علمه ـ كان متواضعًا إلى حد الإدهاش. لا يميل إلى البهرجة، ولا يسعى إلى الأضواء، ولا يطرق الأبواب العالية. كان يشتغل في صمت، كراهبٍ يعشق عمله، ويؤمن أن القيمة الحقيقية فيما يُنجز لا فيما يُعلَن.
كانت تجمعني به مكالمات طويلة، تدور حول الأدب والإبداع، حول هموم الكتابة وأسئلتها. كان يقرأ بإنصاف، ويشجّع بصدق، ويؤمن بالكلمة حين تُكتب من القلب. كان يُقدّر كتاباتي، وينبّهني إلى ما فيها من إمكان*، ويدفعني دائمًا إلى إخراجها إلى الورق، وكأنه يرى في نصوص الآخرين ما قد لا يرونه في أنفسهم. وكان يؤلمه، بعمق، ما يلقاه من بعض المبدعين من برود، لأن قلبه كان أوسع من أن يقبل القسوة أو الإقصاء.
وكان كريمًا في أدبه كما في إنسانيته؛ يكتب عن بعض الكتّاب، ويجمع دراساته في كتب، ثم يهدي نسخًا منها لأصحاب الأعمال أنفسهم. أيّ أخلاق هذه؟ وأيّ نقاء في التعامل مع الفكر والكتابة؟ كان يؤمن أن المعرفة عطاء، وأن الكلمة لا تكتمل إلا حين تُعاد إلى صاحبها بمحبة.
قال لي مرة: هي البلية، فلا بلية لي إلا إياها..
حتى في التفاصيل الصغيرة، كان نبيلًا. حين أتصل به وينقطع الاتصال، كان يعاود الاتصال فورًا ليكون على حسابه، ويطمئنني بابتسامة صوته أن لديه حسابًا مفتوحًا، حتى لا أقلق. تفاصيل بسيطة، لكنها تكشف معدن الإنسان حين يكون صادقًا في لطفه.
وقد كتب عن حواراتنا في أحد مؤلفاته، وهو كتاب يتحدث فيه عن علاقته بزوجته المرحومة. كانت تعرف مع من يتحدث فقط من نبرة صوته. يا لرقّة هذا المعنى، ويا لسمو تلك العلاقة. ذلك الكتاب شهادة حب ووفاء، وعلامة على إخلاص نادر في زمن تُقاس فيه العلاقات بالمصلحة لا بالمحبة. كانا وفيين لبعضهما، متكئين على المعنى لا على المظاهر.
وكان، إلى جانب كل هذا، بارًا بوالديه، عطوفًا على أبنائه، حاضرًا في حياتهم بإنسانيته قبل سلطته، فكان نعم الزوج، ونعم الابن، ونعم الأب. كان متقشفًا، زاهدًا، لبيبًا، يرى في البساطة غنى، وفي القناعة رفعة، وفي الصمت حكمة.
رحيله خسارة كبرى للأدب العربي عمومًا، وللأدب المغربي خصوصًا. فقد كان صاحب قلم سيّال، كتب في مجالات متعددة، يجمعها خيط ناظم واحد: انشغاله الصادق بقضايا أمته، وحرصه على أن تكون الكتابة موقفًا لا زينة، ومسؤولية لا استعراضًا.
أغنى المكتبة المغربية والعربية بأعماله الكثيرة والنفيسة وذات الجودة العالية.
نعم المثقف كان، ونعم الكريم، ونعم الرجل الشامخ، الذي مرّ في حياتنا بهدوء، لكنه ترك أثرًا عميقًا لا يُمحى، ماديا ومعنويا.
أسأل الله، من القلب، أن يرحمه ويغفر له، وأن يجعل مقامه في الفردوس الأعلى، وأن يجعل ما قدّمه من علم ومحبة في ميزان حسناته.
*_ قدم المرحوم سيدي محمد داني شهادة شفوية في حق كتاباتي، وكانت أجمل وأعمق شهادة، سكنت قلبي وجوارحي، وكان ذلك يوم استضافني سيدي عبد الله البلغيتي في برنامجه الرائع "مقامات"،
غادرنا إلى دار البقاء، وترك في قلبي وجعًا لا يشبه غيره، جرحًا غائرًا لا يبرأ، لأن الفقد حين يكون لفارس هادئ، لا يُحدث ضجيجًا، لكنه يخلّف فراغًا لا يُملأ.
كان نعم الصديق، ونعم الأخ، ونعم الإنسان. رجلًا شهما، معطاءً، عفيف النفس، واسع الثقافة، عميق الاطلاع، لكنه ـ على سعة علمه ـ كان متواضعًا إلى حد الإدهاش. لا يميل إلى البهرجة، ولا يسعى إلى الأضواء، ولا يطرق الأبواب العالية. كان يشتغل في صمت، كراهبٍ يعشق عمله، ويؤمن أن القيمة الحقيقية فيما يُنجز لا فيما يُعلَن.
كانت تجمعني به مكالمات طويلة، تدور حول الأدب والإبداع، حول هموم الكتابة وأسئلتها. كان يقرأ بإنصاف، ويشجّع بصدق، ويؤمن بالكلمة حين تُكتب من القلب. كان يُقدّر كتاباتي، وينبّهني إلى ما فيها من إمكان*، ويدفعني دائمًا إلى إخراجها إلى الورق، وكأنه يرى في نصوص الآخرين ما قد لا يرونه في أنفسهم. وكان يؤلمه، بعمق، ما يلقاه من بعض المبدعين من برود، لأن قلبه كان أوسع من أن يقبل القسوة أو الإقصاء.
وكان كريمًا في أدبه كما في إنسانيته؛ يكتب عن بعض الكتّاب، ويجمع دراساته في كتب، ثم يهدي نسخًا منها لأصحاب الأعمال أنفسهم. أيّ أخلاق هذه؟ وأيّ نقاء في التعامل مع الفكر والكتابة؟ كان يؤمن أن المعرفة عطاء، وأن الكلمة لا تكتمل إلا حين تُعاد إلى صاحبها بمحبة.
قال لي مرة: هي البلية، فلا بلية لي إلا إياها..
حتى في التفاصيل الصغيرة، كان نبيلًا. حين أتصل به وينقطع الاتصال، كان يعاود الاتصال فورًا ليكون على حسابه، ويطمئنني بابتسامة صوته أن لديه حسابًا مفتوحًا، حتى لا أقلق. تفاصيل بسيطة، لكنها تكشف معدن الإنسان حين يكون صادقًا في لطفه.
وقد كتب عن حواراتنا في أحد مؤلفاته، وهو كتاب يتحدث فيه عن علاقته بزوجته المرحومة. كانت تعرف مع من يتحدث فقط من نبرة صوته. يا لرقّة هذا المعنى، ويا لسمو تلك العلاقة. ذلك الكتاب شهادة حب ووفاء، وعلامة على إخلاص نادر في زمن تُقاس فيه العلاقات بالمصلحة لا بالمحبة. كانا وفيين لبعضهما، متكئين على المعنى لا على المظاهر.
وكان، إلى جانب كل هذا، بارًا بوالديه، عطوفًا على أبنائه، حاضرًا في حياتهم بإنسانيته قبل سلطته، فكان نعم الزوج، ونعم الابن، ونعم الأب. كان متقشفًا، زاهدًا، لبيبًا، يرى في البساطة غنى، وفي القناعة رفعة، وفي الصمت حكمة.
رحيله خسارة كبرى للأدب العربي عمومًا، وللأدب المغربي خصوصًا. فقد كان صاحب قلم سيّال، كتب في مجالات متعددة، يجمعها خيط ناظم واحد: انشغاله الصادق بقضايا أمته، وحرصه على أن تكون الكتابة موقفًا لا زينة، ومسؤولية لا استعراضًا.
أغنى المكتبة المغربية والعربية بأعماله الكثيرة والنفيسة وذات الجودة العالية.
نعم المثقف كان، ونعم الكريم، ونعم الرجل الشامخ، الذي مرّ في حياتنا بهدوء، لكنه ترك أثرًا عميقًا لا يُمحى، ماديا ومعنويا.
أسأل الله، من القلب، أن يرحمه ويغفر له، وأن يجعل مقامه في الفردوس الأعلى، وأن يجعل ما قدّمه من علم ومحبة في ميزان حسناته.
*_ قدم المرحوم سيدي محمد داني شهادة شفوية في حق كتاباتي، وكانت أجمل وأعمق شهادة، سكنت قلبي وجوارحي، وكان ذلك يوم استضافني سيدي عبد الله البلغيتي في برنامجه الرائع "مقامات"،