المستشار بهاء المري - جَدليَّة اللغة في صناعة العدالة ‏

في الفضاء الصامت لقاعات المحاكم، حيث يتحدَّث القانون بلغةٍ ‏صارمةٍ، تَتسرَّب من بين الكلمات نَبرة خفية... إنها نغمة الضمير الإنساني.‏
‏ هنا، لا يقف القاضي كصوتٍ للقانون فحَسب، بل كراوٍٍ لتراجيديا ‏بشَرية لا تخلو من الألم. وحين يكتُب حكمه، يتحول إلى كاتب أدبي خاص: ‏يروي وقائعَ، يصفُ شخصياتٍ، يحللُ دوافعَ، ثم يختمُ بحكمٍ هو خاتمةُ ‏السردِ. ‏
وعلى الجانب الآخر يقف المحامي كأديب في محراب العدالة، يُتقن ‏الحَبكة، ويُحسِن اختيار المفردات، فيوقظ الشك، أو يزرع اليقين. يبدأ بمشهد ‏افتتاحي (الوقائع)، ثم يخلق توترًا دراميًا (التكييف)، ويبلغ ذروته في طلب ‏الحكم (الخاتمة). بل إنه في تحليله للنصِّ القانونيِّ لا ينفصلُ عن أدواتِ النقدِ ‏الأدبيِّ.‏ ‏
كم من مرافعةٍ، شَعرنا بها كقصيدةٍ نثرية مُشبَّعة بالمنطق والعاطفة، ‏بالحُجّة والرحمة؛ كأنها تُدوِّن بين سطورها شهادة للتاريخ.‏
وبين تلك السطور، يُولد وجعٌ يصلح أن يكون أدبًا؛ حيث يتعانق ‏العدلُ مع القهر، وتتوارى الحقيقةُ في حِضن الظن، وتصرخُ المرافعةُ، فيما ‏يَهمسُ الاعترافُ بصوتٍ مكسور.‏
يتجلى التوازي بين الأدبَ والقانونَ في سرد الحالةِ الإنسانيةِ في ‏‏أقسَى لحظاتها وأعقد مفاصلها: فَقاعةَ المحكمة تغدو مَسرحًٍا مُكثَّفًا للحياةِ، ‏حيث لا تُروَى العدالةَ بنصوصِ القانونِ وحدها، بل بقصصِ الناسِ، ‏وتُكتبُ بلغةِ ‏الحياةِ.‏

ومن هنا، أقول: إنَّ النصوص القضائية من مرافعات وأحكام، ‏ومذكرات دفاع، وصِيغ تشريعية تفسيرية، هي (أدب) بل أري أن يُصطلح ‏على تسميتها بــ (الأدب القضائي). ‏
فالأحكام القضائية الجيّدة، والمرافعات المتميزة، حين تُكتَب ‏بوعيٍ لغويٍّ وإنسانيٍّ، لا تُمثّل مجرد فصلٍ في نزاعٍ قانونيّ، بل يُمكن أن تُقرأ ‏بعد سنوات بوصفها وثائق أدبيةً، وتاريخيةً، واجتماعية؛ إذ تُجسّد لحظةً ‏من ضمير العدالة، وتُضيءُ جانبًا من النفس البشرية، وتُوثّقُ واقعًا كان محل ‏خلاف وصراع. وبهذا، تُصبح بعض الأحكام نصوصًا حيّة، شاهدة على ‏زمنها، ومرآةً لثقافة العدالة في سياقها الاجتماعي.‏
وهذا الفن من الأدب، الذي يَزخر به تُراثنا القضائي - القديم ‏والمعاصر - أدعو إلى توثيقه، ونشرِه، وتدريسهِ. أمَّا إهماله اليوم، فهو فَقدٌ ‏معرفي وثقافي. ‏
لذلك، أطالبُ بتدريس مادةُ «اللغةِ والعدالةِ» في كلياتِ الحقوقِ، ‏وإقامة ورشٌ ‏لتدريبِ الطلبةِ على الكتابةِ القانونيةِ البلاغيةِ، وصياغة ‏المرافعات الأدبية. بل إنَّ من الأوْلى برجال النيابة العامة، والقضاء والمحاماة ‏‏- لا سيما الشباب منهم - أن يُدرَّبوا على ذلك، فالكفاءة اللغوية استثمار ‏مباشر في جَودة العدالة.

فالعدلُ لا يسكُن الكتبَ وحدَها، بل يسكُن اللغةَ أيضًا. والعدالة ‏ليست حكمًا يُنطَق، بل حكاية تُروَى بلغةِ نابضة بالحياة.‏

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى