طارق حنفي - {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ....} خواطر حول الآيات الكريمات من سورة العلق

{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}

أجمع العلماء على أن أول ما نزل من القرآن أول خمس آيات من سورة العلق، وعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث (يتعبد) فيه الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقرأ فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)}.... (الحديث)..
حتى أتى السيدة خديجة فأخبرها بما جرى،
وقال لها: (لقد خشيت على نفسي)..
وغطني: أي ضمني إلى صدره بقوة.

والأسئلة هنا كثيرة ومنها:
كيف يقول سيدنا جبريل (ع) لسيدنا محمد ﷺ اقرأ ولم يكن معه مصدر - صحيفة أو شيء ما - ليقرأ منه؟
وما نوع خطاب سيدنا جبريل (ع) لسيدنا محمد ﷺ في هذه الآيات (اقرأ) هل هو أمر، هل هو طلب، أماذا؟
ولماذا كان يضمه إلى صدره بهذه القوة حتى يبلغ الجهد منه مبلغه؟

قال السعدي:
هذه السورة أول السور القرآنية نزولا على رسول الله - ﷺ، فإنها نزلت عليه في مبادئ النبوة، إذ كان لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان، فجاءه جبريل (ع) بالرسالة، وأمره أن يقرأ، فامتنع، وقال: (ما أنا بقارئ) فلم يزل به حتى قرأ، فأنزل الله عليه: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) عموم الخلق، ثم خص الإنسان، وذكر ابتداء خلقه (مِنْ عَلَقٍ) فالذي خلق الإنسان واعتنى بتدبيره، لا بد أن يدبره بالأمر والنهي، وذلك بإرسال الرسول إليهم، وإنزال الكتب عليهم، ولهذا ذكر بعد الأمر بالقراءة، خلقه للإنسان. ثم قال: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ) أي: كثير الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من كرمه أن علم بالعلم.. و(عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) فإنه تعالى أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد، ويسر له أسباب العلم..
فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها على جزاء ولا شكور، ثم من عليهم بالغنى وسعة الرزق.

ويزيد الشعراوي:
أي استفتح يا محمد القراءة بذكر اسم الله.. والقراءة تكون إما من شيء يحفظه فيتلوه، أو أمامه شيء مكتوب ليقرأه.

وتوطئة لكلام الشعراوي، والله أعلم نقول :
إن سيدنا محمد ﷺ لم يكن معه أو أمامه شيء مكتوب يقرأ منه، والدليل رده ﷺ (ما أنا بقارئ)، إذا فالمراد هنا أن يقرأ سيدنا محمد ﷺ من شيء يحفظه! لكنه ﷺ لم يكن يحفظ شيئًا - أيضا - ليتلوه..
ثم كررها معه ثانية وثالثة، في كل مرة يضمه إلى صدره بقوة ثم يفلته..
حتى ليبدو وكأنه ميقات تلاوة سيدنا محمد ﷺ ليس من صحيفة ولا من عقله، بل من فطرته وقلبه! والضمة القوية من سيدنا جبريل (ع) لكسر حاجز الخلقة البشرية الذي يغطي على نور الحبيب ﷺ وفطرته، الإذن ليبدأ التلاوة مما هو موجود بالفعل في فطرته.

كما نجد في سورة الرحمن ﴿الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، وفي تفسير السعدي (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) أي: التبيين عما في ضميره، وقال ابن كيسان (خَلَقَ الْإِنْسَانَ) يعني: محمدًا صلى الله عليه وسلم..
وكأن تعليم الحبيب ﷺ القرآن جاء على مرحلتين، الأولى: عندما خلق الله سبحانه نور الحبيب، وحينها وضع الرحمن في فطرته العلم بمفهوم ومعاني ومطلق القرآن الذي هو كلام الله..
ثم كانت المرحلة الثانية: التي أتت بعد إعطاء سيدنا محمد ﷺ الخلقة والصورة الإنسانية، وهي مرحلة البيان (عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) وميقات بدئها مجيء سيدنا جبريل (ع) إليه وهو يتعبد في غار حراء، ونطق بالكلمات بعد الضمة، وكأنها بمثابة إذن من الله ليبدأ سيدنا محمد مهمة التبيين فقال له (اقرأ): أي آن الأوان لتبين للناس جميعًا.

لكن لماذا وضع علم القرآن في فطرته ﷺ؟ وهنا تظهر أهمية الإجابة على هذا السؤال للرد على من قالوا: أن القرآن مخلوق وليس كلام الله، وعلى من قالوا أن القرآن كلام الله، لكنه نزل على سيدنا محمد ﷺ بمعناه، وأنه ﷺ هو من جاء بألفاظه من عنده، سواء من قال: وكأنه كانت توجد شفرة بين المرسل وهو الله ﷻ وبين المستقبل وهو سيدنا محمد ﷺ بواسطة جبريل (ع)، فيعكف ﷺ معه (ع) على فك تلك الشفرة، ثم يتلفظ ﷺ بالقرآن من مخزونه اللغوي، وبما يناسب عصره، أو لأي من قال كلاما مشابهًا!

لهؤلاء جميعًا أقول:
القرآن هو كلام الله ﷻ قولًا واحدًا..
وسيدنا محمد ﷺ أشرف خلق الله، أتمهم نورًا وأكملهم علمًا وخلقًا، رؤوف رحيم، رباه الله وعلمه، طهر قلبه وروحه، هو خاتم المرسلين وحامل اللواء..
من كانت هذه خصاله كان قلبه الأتم والأصح والأصلح بين الخلق أجمعين، قلبه المعيار والمقياس، الذي يقيس عليه الله درجة ظهور كلامه في عالم الشهادة؛ فيظهر كلام الله ﷻ في الدنيا بالدرجة التي يتحملها أتم قلب بشري (قلب الحبيب ﷺ)، ولا يزيد عنها، فيبقى معجزًا للبشر، وفي نفس الوقت قابلًا أن يفقهوا بعضه بدرجات وأحوال، ثم يخرج على هذا الحال بلسان عربي مبين، وهو معنى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)﴾..
فكان الحبيب ﷺ محيط به، ولبقية الخلق معجز، يستطيع البشر أن يفقهوه بدرجات، يفقهون بعضه وليس جميعه، نعم كان مقياسه قلب بشر لكنه ليس ككل البشر فهو أكمل البشر.

يرسل الله ﷻ سيدنا جبريل (ع) بالقرآن، فيحمل نوره وحروفه وكلماته في روحه، ليقابل روح سيدنا محمد ﷺ في عملية تلاق بين عالمي الغيب والشهادة، عملية لا يطيقها بشري سوى أشرف الخلق أجمعين، فتقرأ روحه ﷺ ما يحمله الروح الأمين (ع) من كلام الله، تقرؤه بما وضع الله في فطرته ﷺ من علم القرآن، ويفقهه قلبه..
ولكي يعيه عقله ﷺ كان لا بد من أن يمر عبر قلبه ويخرج بلسان عربي مبين، يخرج في صورة حروف وكلمات هي من جنس حروف وكلام البشر لكنه كلام معجز لكل البشر..
يمرر فيها الروح الأمين (ع) كلام الله ﷻ على قلب أشرف الخلق أجمعين ﷺ ليظهر كلام الله في عالم الشهادة بأقصى درجة إعجاز يطيقها البشر ولا يزيد عنها، وإلا لو زاد لاستُخدم القرآن في تسيير الجبال وإنزال المطر، بل والسيطرة على الأسباب جميعا! وكيف لا وهو كلام الله ﷻ.

هي عملية ليس لسيدنا جبريل(ع) يد فيها إلا قوته وأمانته، وليس لسيدنا محمد ﷺ يد فيها إلا تمام فطرته وسلامة قلبه، بل هي عملية جميعها في يد الله ﷻ.

وصل اللهم وسلم وبارك على كامل الأنوار، صاحب القلب الأسلم والفطرة الأصح، محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى