إبراهيم محمود - خاصية المسمار ومتعة التخفّي والألم فينا

1.jpg


قيل كما كُتِب الكثير حول كوجيتو ديكارت وعنه" أنا أشك إذن أنا موجود ". ما يهم هو ما أُخِذ منه وجرى تركيبه عربياً هنا، ولصلته بنا واقعاً، وهو " أنا أشك إذن أنا دبوس ". في هذه المقولة ثمة الكثير من الطرافة، وفيها الكثير مما يستدعي الممكن تبيّنه حقيقة. وما يصلنا جميعاً بالتأكيد، ودون استثناء، بهذا الذي نعلم عنه الكثير في حياتنا اليومية، وفي مجالات مختلفة، أي " المسمار ". الدبوس رديف مسماريّ، كما هو " البرغي "، بما أن كلاً منهما يجري دقه أو تثبيته في جسم ما، ربطاً بين جسمين مركَّبين، أو لغرض آخر.

بقدْر ما تكون المقولة هذه مذكّرة بمقولة ديكارت الفلسفية ذات الشهرة التاريخية،وتتحرك على تخومها، وبصيغ شتى، تكون مفارِقة لها ، بعيدة عنها. في مقولة ديكارت توجد الحركة في الشك المعتمَد بصيغته الفلسفية تلك، والنظر هنا وهناك، بعيداً وقريباً، عالياً ودانياً وعميقاً، سعياً إلى معرفة جواب عن سؤال عالق ويتكرر، يخص وجود كلّ منا إنسانياً. في مقولة " الدبوس "الشكية المعرَّبة، ثمة التثبيت لحقيقة بناء على الفعل الذي يكون سارياً بحركة من نوع آخر، ومحسوس في أثره، حيث يجري تثبيت الدبوس، وينتهي الأمر هنا.

تثبيت الدبوس محمول شكّي. فالشك هنا يستحضر" الدق " وليس ما يصلنا بالفكر وتبعاته، والوجود وأبعاده وإشكالاته بالمقابل. لكن طرافة القول وبدعته ومتعته كذلك تتمثل في صلة الشكّاك" الجكاك هذا" بما يقوم به عملاً وفعلاً، وبإرادة معينة، كما هو المسمار، والمسافة الفاصلة، بلائحة دلالاتها الذهنية والممارساتية على أرض الواقع، وتجليات العلاقة المرتسمة بين الفاعل ونفسه، بينه وبين المحيطين، ومدى انعكاس هذه الخاصية المسمارية على هذه الملَكة الطبيعية الخاصة فينا: النفْس بحضوراتها المختلفة والمعتبَرة .



في مساءلة المسمار:

المسمار في الأصل سليل معدنيّ، موجود في الطبيعة، في الحديد بدرجاته، وهو خام أصلاً، ويجري استخلاصه صناعياً. فلز الحديد، كمعدن له نفاذ فعل في الطبيعة عينها وفي تكويننا العضوي، ينبّهنا إلى حقيقة لا يُلتفَت إليها كما يجب، حقيقة أعتبرها أو أراها مسمارية، وهي أن ما نقوله ونقوم به نظير هذا المسمار المستخلص مما هو طبيعي صناعياً، بأشكال وأحجام ونوعيات مختلفة طبعاً، ولا داعيَ هنا للتفاصيل .

من خلال المسمار هناك أو هنا ما يصلنا بما جرى التفكير فيه وتدبيره واقعاً، عبْر المسمار. إن أهلية أي منا، ودون استثناء، والتي تتمثل في سلوكاتنا المختلفة، شفاهة وكتابة، أو نظرياً وعملياً، تتأتى من خلال هذا الملفوظ ، هذا الذي الملموس الحسي باليد، والتصرف به لأمر ما، ليكمون ترجمان فعل شاهد على مكانة ما لنا.



كيف يُنظَر إلى المسمار؟

ينظَر إلى المسمار في أداء مهمتين:

مهمة تنحو إلى الداخل، بحيث يجري دق أو غرز المسمار، تبعاً للمتوخى، في الخشب خصوصاً، بعمق معين، لثتبيت جسم، أو الوصل والربط بين جسماً، وإطباقهما على بعضهما بعضاً، حصيلة عمل يُخطَّط له.

ومهمة ذات امتداد عمقي نافذ إلى الداخل، ولكن هناك ما يبقى من المسمار خارجاً، ليُعلَّق عليه جسم ما، حيث يُدق في خشب أو جدار أو حائط، ليعلَّق عليه ثوب، أو أي جسم ما يخص شئوننا الحياتية في البيت وخارجه.

من المؤكد أن ذلك دون وجود جسم لا غنى عنه: المطرقة، وتبعاً لنوعية المسمار، تكون المطرقة بالتالي قوةَ طرق أو دق، أي تأثير فعل، وتردد صدى ذلك ؟

هنا أو هناك" في أداء المهمتين " ثمة التثبيت الكلّي، حيث بالكاد يُرى المسمار أحياناً" النجار ، أو من تكون مهنته النّجارة يعرف ذلك، وفي مجال الموبيليا خصوصاً" أو الجزئي، حيث تكون الكفاية في الحالة الثانية.

لا يعود المسمار مجرد جسم معدني معزول عن حركة اليد التي لا تكون بدورها مجرد عضو خارجي في الجسم، دون انتقال مؤثرات داخلاً وخارجاً" ما يصل اليد بالدماغ وعملها المطلوب". لا يعود المسمار مطروحاً خارجاً، كسلعة فقط، أو جسم منفصل عما يعني أياً منا في موقعه الاجتماعي أو الحياتي عموماً.

لا يعود المسمار مفعلاً فيه، أو رائي فعل فقط، وإنما فاعل أثر، ومحك اختبار لمن يعنى به فكراً وعملاً!

في حركة المسمار، وفي أصل صنعته، أو تكوينه العملي، " ينبض " تاريخ كامل، هو حصيلة توأم الخارج والداخل للجسم" الجسد الإنساني "، يجري استناداً إلى العلاقة المفصلية هذه، تباين أو تفعيل أثر القيمة المحصَّلة عبر المسمار الذي يتجاوز أو يتعدى خاصيته المعدنية العادية، أو بوصفه مجرد جسم مادي من جهته، إنه بداية ونهاية شاهد عيان وجودي، مرئي ولامرئي ليس على ما تُعرَف به أقوالنا أو أفكارنا، وإنما أفعالنا وأقعمالنا، وتشهد عليه أيدينا وأرجلنا، استغراقاً للجسم بكامل قواه، ومدى تجلي القوة ونوعيتها فيه.

من المؤكد أن الآخذ بالمسمار، أبعد من كونه مسماراً، يستطيع الإصغاء إلى صمته البليغ، والمحمَّل به قيمياً.

لا تعود اللغة من هذا المنظور بعيدة عما هو علائقي، تمثيلي، وتوصيفي بخاصية مسمارية، وصحبة المطرقة.

يجري تمثيل الكلام الذي يعني الفرد، الشخص، وخاصيته في طريقة التعبير والتمايز، من خلال المطرقة التي تشير إلى الناطق هنا، وتمثيل اللغة، بنسَبها الجماعي المعتبَر، بكامل ذاكرتها الجماعية وتنوع أبعادها، في هذا المنتقى " المسماري" وكيفية التعامل معه، جهة " شكه: دقه، أو طرقه " في جسم وبه وعليه يكون المحكّ.

في تينك العلاقة القائمة بين أي منا، جهة كلامه، وفعله، جهة قراءته أو كتابته، يكون للمسمار هذا المحسوس المتداول أو الممكن ملاحظته، حيث يحيل الخفي أو الغياب إلى حضور، إلى وثيقة إثبات لوجود شخصي، فردي، مهما أشيرَ إليه جهة الجماعي، إلا أن المتميز/ المائز فردياً، كإبداع، كابتكار هو المدشَّن تاريخياً.

أن يكون للطرْق صدى، هو أن يكون لهذا الصدى ما يفصح عنه حيوياً، ما يجري الاعتراف به، أو نزع الاعتراف، تبعاً لنوعية العمل، ليكون المسمار فارداً" ظلَّه " وناطقاً بمستخدمه وطارقه ونوع أثره ومأثرته.

ليس في المسمار ما يخفيه عن الآخر، وليس فيه ما يخفيه، ليكون تمويهاً أو حجباً للمردود في القول والفعل.

المسمار مطروق أو مدقوق أو مغروز بقوة معينة، تحت مأثور دافع ورغبة وغاية معينة" الدافع والرغبة المرفقة بشعور والغاية ثالوث يصل ما بين الجميع، دون تغييب البصمة الخاصة لكل منا.

ولا بد أن أهل الفكر، أهل الحياة، بمعنى أوسع، هنا وهناك، محاطون علْماً بهذا الاسم الفرد اسماً الجمع شأناً!

المسمار يُطرق، فيغيب تحت تأثير الطرْق في الجسم" الخشبي " وغيره، وكمثال مقرَّب كثيراً، وبسرعة لها حسابها الدال على مهارة مرئية، وتقدير، ولفت نظر إلى المعتاد أو المغاير تماماً. إن سيرورة المسمار، إن جاز التعبير جهة الحركة دون تلكؤ، وبسوية لافتة، أي حركة مستقيمة لا يخطئها النظر، تكون له علامة تمرئي شخصية الطارق من الداخل، نوعية أهليته، وحتى تفرده كذلك، وفي صيرورته، ما يكون التحول، ما يكون التنويع، في المسمار طبيعة معدن" من الحديد الرخيص إلى الفولاذي اللافت بمؤثره النافذ"، ما يكون الجاري احتسابه واكتسابه على صعيد القيمة، ورد الفعل وصدى المنجَز بالمقابل.

من السهل في الحالة هذه يكون المسمار الذي يفلت من طارقه" ازززز" وقد يصيب أحداً أو يصيب حامله" صاحبه " بأذى معين، أو يفلت ويذهب بعيداً ويضيع، أو يعوج، أو يعلق في الجسم ويعصى فيه..

إن مقاربة أو مكاشفة تبصيرية، هذه المرة، لهذه العلاقة هي التي توسّع دائرة الصورة الفعلية للمسمار، لمكانته، لما هو سيميائي فيه، ما يكون قابلاً للتفسير، في المرئي أو الخارجي فيه، وللتأويل ، حين يغيب كلياً في الجسم، واختبار متانة كل من المسمار والجسم نفسه، حال الخشب، مثلاً، واليد الحاملة والطارقة، ليكون المشهد الثالوثي مستغرقاً وجوداً بكامله، على صعيد المهن أو الحِرف جميعاً، وإمكانية التقويم والتقدير .



استقصاءات المسمار

في حركية المسمار، يمكن قراءة تاريخ أفراد وجماعات، تاريخ شعوب وأمم، تاريخ مجتمعات ومعاينة أنظمتها الاجتماعية والسياسية، وكيف تتعامل مع بعضها بعضاً داخلاً وخارجاً، استناداً إلى هذا المقوّم المسماري.

المسمار لا يثبت في مكانه، أعمى البصيرة، أصم، وأبكم، إن جاز التعبير، إنه في حركته منه، من جهة يد ما، سرعان، ما يُسجَّل باسمه، وما ينعطف قيمياً، أو علائقياً على ما هو فردي ومجتمعي، وما يصل ويفصِل .

المسمار حامل اختباري لقوى أو قدرات، لحسابات دقيقة، كما هو الميزان الدقيق" ميزان الذهب" أو تبعاً لنوعية العمل، ليكون المسمار مختلفاً بطبعه، وشاهد إثبات على مقدرة المعني بأمره أو الداخل في علاقة له.

في الحديث عن وجود ثابت، وجود محكوم بقدرات وتقنيات، وجود مفاهيم مبتكرة ، بشهية فلسفية، أو معية تقنية صناعية، أو فنية، وكل ما يُفكَّر فيه بالنسبة إلينا كبشر، في مختلف أنشطتنا ومردود أفعالنا وأقوالنا، يكون المثبَت تاريخياً، الممكن تحرّي حقيقته، أو اقتفاء أثر هذا المتجذر، أو المتفعّل، أو المستدام بصورة رمزية له هنا وهناك، لنكون هنا إزاء صنافة علاقات، تنوع أدوار ومهام، بين آفاق مستقبلية، وقواعد كاشفة ومكشوفة.

يحضر المسمار هنا، وهو في حالته هذه أكبر مما يُسمَّى به، أطول أو أعرض مما يُقاس به، أنفذ داخلاً وخارجاً، مما يُنظَر إليه، لأنه يتبع حركة مركَّبة: أفقية وعمودية، لتكون الثقافة عينها معهودة دلالة بما هو مسماري، في النوعية وليس الكمية، ولتكون الحضارة المرفقة والمختلفة معنونة بمسمار وحمولته أو ثقَله.

ثمة المسمار مغيَّباً في الداخل، كما تقتضي الحالة، أو ظاهراً ببعض منه، كما يقتضي المطلب، وثمة ما يُشد إليه أو حوله، ما يكون خيطاً، والقوة الفاصلة، وثبات كل منهما في الرهان والبروز ترجيحاً.

يمكن للمسمار النافذ أثراً أن يعلّمنا كثيراً جهة ما نتجاهله، أو نجهله من مظاهر قائمة، بنشاط مسماري، ومن خلال قدراتنا وتكويننا، كما هي الإصبع، بمقرّبها المسماري، كما هو كامل الرجْل، والدخول في تحدّ. يبقى المسمار معلّماً دون طلبة، سبورة تضيء بصورة ناطقة بكلمة هي صورة لمن يدقق فيها: المسمار. يمكن معايشة فعل المسمار في الجهات الأربع، لمن يمتلك القدرة على موائمة كل من القلب والعقل، والدفع الرباعي، إن جاز التعبير، وهو في صعود وصعود، بما هو روحي، إن أراد لإنسانيته قيمة مسمارية لا تنفد طبعاً..

بعيداً عن ذكر أي مثال حسي، والاكتفاء به، في مقدور أي كان، أن يوسّع أفق رؤيته في الحياة والتاريخ، وفي التمييز بين الفرد والآخر، الثقافة وخلافها هنا وهناك، ليتحقق من القيمة الفعلية وتقديرها رصيدها، ومدى صلاحيته للاستخدام، كما هو الحديث الجاري عن مجتمعات حية ومنفتحة، ومجتمعات خاملة وعالقة في عراء التاريخ. في الحالة الأولى، يكون المسمار حامل يقين معرفي، ومجسّد قوة يؤتنس به، ويطمأن إليها، ويكون المرجع، لأن ثمة حياة لا تتوقف تحولاً وتغيراً وتجدداً، وفي الحالة الثانية، ثمة المسمار الصدىء، الخردة، والذي يترجم بؤس المردود، ومأساة المفقود، ولا أكثر من مجتمعات مسنودة إلى " مسامير " دون إسناد.

مسمار في الرأس، مسمار في اليد، المسافة نوعية، ولكن المسمّي هو المسمار. مسمار عالق وناتىء في حذاء ونافذ في أخمص القدم،ومسمار مدقوق في تابوت، أو في نعل حصان، ومسمار يمثّل جسارة يد تفكر وتعمل...إلخ، فيكون مجسّد تفاؤل بعكس السابق عليه.

الكلمة عينها مسمارية، مسمار من جهة التنوير للمعنى في المبنى، كحصيلة لما جرى النظر فيه حتى الآن. ما أكثر الذين يستعينون بمسامير الآخرين، اتكالاً أو استهلاكاً، أو تطفلاً، وللمسمار مغزاه ومعناه ولسان حال يُسمي صانعه وبائعه، وفي وضع كهذا، من اليسير جداً توقع الآتي المؤلم، وتصور الماضي المفجع.

بالطريقة هذه، تكون الخاصية المسمارية في تنوع حدودها، في أسمائها ومسمياتها، في جلبها لإهانات تترى، أو سعادات تترى. لا ذنب للمسمار، فإنه يقدّم بما أؤتي به على وجه التحديد.

المسافة الفاصلة بعائدها الرمزي، تضمَن اعترافاً صريحاً ببنية العلاقة القائمة بين أي منا، وما يُعرَف به واقعاً، في القول والفعل، ليس بحساب تاريخ آني، وشبهة التمويه أو التلاعب بالاسم والمسمى، وإنما بحسب تاريخ لا يُحتكَر، ولا يفوَّض أمره إلى أي كان بقوة جانبية معينة، تاريخ قادم ينبش ما دفِن فيه وتستر عليه.

تكون القيمة الهندسية هذه المرة، بمأثرتها النوعية، من خلال صلابة الموقف، وجرأة المبادهة، ورباطة الجأش في التفكير والتدبير، والرهان على المجهول والمستجد الواهب لحياة أجمل. إنها القدرات القائمة موصولة بتلك الخفية أو الكامنة، والتي تجد فرصتها في الحضور والائتمان والاهتمام والتحفيز والمكافأة كذلك.

وفي هذا المنحى والاستشراف على عالم لا يحاط به، يمكن النظر في حقيقة متعة التخفي والألم فينا، حين يتحدث أي منا عن المسمار، فلا ينظَر إليه إلا في حدوده مسماراً، وليس مسباراً لقوة قائمة، لحياة مختبَرة .

يبقى المسمار في ضوء المسطور حتى الآن مجهول الاسم، ولا بد أن يكون ويستمر مجهول الاسم، ليس لأنه مجرد مسمار، ويسهل وزنه أو لمسه وتقديره مادياً، ليس صنيع المنغلق على نفسه، المكتفي بالهباب، المستقيل فكراً وتفكراً على وجه الدقة، وحده الذي يقدّم جديداً، ويعيش متعة المختلف، يعرف ما يكونه المسمار، إنما يشغله التفكير فيما يكون مسمارياً في نوعيته، وما يصله بالمجهول، وجماليات المنشود فيه.

هل يمكن القول: قل لي أي مسمار تحمل أقل لك من أنت؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى