1-
د. غانية ملحيس
المقال قراءة عميقة تقدم تشخيصا شجاعا لاستنفاد النموذج السياسي الفلسطيني، ويضع الإبادة في مكانها الصحيح بوصفها لحظة انكشاف تاريخي لا يمكن تجاوزها بالترميم أو إدارة الخسارة. أتفق مع الفكرة المركزية بأن السياسة الفلسطينية لم تعد قادرة، بصيغتها الحالية، على إنتاج معنى تحرري أو مواجهة بنية الاستعمار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التشخيص الدقيق هو: كيف ننتقل عمليًا من استنفاد الحامل السياسي القائم إلى بناء حامل جديد دون الوقوع في فراغ تمثيلي أو فوضى؟ هل يكون ذلك عبر مسار تراكمي شبكي يبدأ من المجتمع والمبادرات المحلية، ويتحوّل تدريجيًا إلى إطار وطني جامع؟ أم عبر إعادة تفكيك منظمة التحرير وإعادة تأسيسها بوظيفة مختلفة، غير سلطوية، وغير احتكارية؟
ربما التحدي الحقيقي ليس فقط إعلان القطيعة كأفق، بل تصميم سيناريو انتقالي واضح: يربط بين الصمود المجتمعي وبناء الفعل السياسي، ويحوّل الأخلاق إلى أداة تنظيمية، ويعيد الشعب إلى مركز القرار. في هذا المعنى، يفتح المقال نقاشًا ضروريًا لا حول نهاية السياسة فحسب، بل حول شروط ولادة سياسة فلسطينية جديدة قادرة على البقاء والمعنى معًا.
نائل التونسي
6/1/2026
*****
2-
الاستاذ نائل التونسي
أشكرك على هذه القراءة العميقة للمقال، وأقدّر ملاحظتك القيمة، وأشاركك القلق من الانزلاق إلى فراغ تمثيلي أو فوضى باسم القطيعة. في تقديري، هذا التخوّف مشروع، وهو ليس اعتراضًا على القطيعة بقدر ما هو تحذير من قطيعة غير مُدارة.
منظمة التحرير الفلسطينية، كما نراها جميعا، ليست مجرد إطار سياسي، بل وطن معنوي جامع للفلسطينيين، تشكّل تاريخيًا بوصفه تجسيدا رمزيا للهوية الوطنية الجامعة، وللوحدة والتمثيل، بعد سلب الوطن المادي. والتمسك بهذا الوطن المعنوي ضرورة وطنية، حتى استعادة الوجود المادي للوطن، وتزداد أهمية حمايته، لا سيما في لحظة يهدد فيها الوجود والمعنى معا.
غير أن الإشكال، كما أراه، ليس في منظمة التحرير كإطار جامع، فقد تحققت بفضل تضحيات الشعب الفلسطيني على مدى أجيال، وراكمت منجزات وطنية مهمّة يتوجب حمايتها والبناء عليها. وعليه، فهي ليست المشكلة بحد ذاتها، وإنما المشكلة في السطو الذي تعرّضت له، وتحويلها من حامل سياسي لمشروع تحرري وفضاء تمثيلي جامع، إلى بنية مغلقة تُدار بمنطق السلطة والاحتكار، وتُعنى بإدارة الواقع تحت الاستعمار عوضا عن مواجهته.
من هنا، فإن ما أقصده بـ«الحامل السياسي الجديد» لا يعني، ولا ينبغي أن يُفهم، بوصفه وطنا معنويا بديلا، أو قطيعة رمزية مع منظمة التحرير الفلسطينية، بل بوصفه مسارا تراكميا موازيا: مجموعات قاعدية، نقابات متجددة، أطر شبابية، ومبادرات مجتمعية، تتبلور في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، وتتفاعل مباشرة مع احتياجات الناس، وتكتسب مصداقيتها من الفعل اليومي والتراكم، لا من التفويض الفوقي.
هذه البُنى، إذا ما نمت وتفاعلت وتراكمت خبرتها وثقتها المجتمعية، يمكن أن تتحول تدريجيا إلى قوّة تمثيليّة حقيقيّة، لا تنازع الوطن المعنوي، بل تخلق الشروط الواقعية لاستعادته. عندها فقط يصبح إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ممكنا، كحامل سياسي مؤهَّل لقيادة مشروع التحرر الوطني، على أسس غير سلطوية، وغير احتكارية، ومتصلة فعليا بالمجتمع الذي تمثّله.
بكلمات أخرى، القطيعة هنا ليست قطيعة مع المنظمة والمعنى، المسألة ليست هدم السياسة، بل إنقاذها من العجز، ومن الاستنزاف؛ وليست قفزًا في الفراغ، بل محاولة واعية لمنع الفوضى، وليست إلغاء الوطن المعنوي، بل استعادته من الداخل. عبر إعادة تأسيس السياسة من الشعب، وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي للمرحلة: كيف نحمي الوطن المعنوي من التحلل، لا عبر تجميده، بل عبر إعادة ضخ الحياة فيه من المجتمع نفسه.
احترامي وتقديري
غانية ملحيس
6/1/2026
د. غانية ملحيس
المقال قراءة عميقة تقدم تشخيصا شجاعا لاستنفاد النموذج السياسي الفلسطيني، ويضع الإبادة في مكانها الصحيح بوصفها لحظة انكشاف تاريخي لا يمكن تجاوزها بالترميم أو إدارة الخسارة. أتفق مع الفكرة المركزية بأن السياسة الفلسطينية لم تعد قادرة، بصيغتها الحالية، على إنتاج معنى تحرري أو مواجهة بنية الاستعمار.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا التشخيص الدقيق هو: كيف ننتقل عمليًا من استنفاد الحامل السياسي القائم إلى بناء حامل جديد دون الوقوع في فراغ تمثيلي أو فوضى؟ هل يكون ذلك عبر مسار تراكمي شبكي يبدأ من المجتمع والمبادرات المحلية، ويتحوّل تدريجيًا إلى إطار وطني جامع؟ أم عبر إعادة تفكيك منظمة التحرير وإعادة تأسيسها بوظيفة مختلفة، غير سلطوية، وغير احتكارية؟
ربما التحدي الحقيقي ليس فقط إعلان القطيعة كأفق، بل تصميم سيناريو انتقالي واضح: يربط بين الصمود المجتمعي وبناء الفعل السياسي، ويحوّل الأخلاق إلى أداة تنظيمية، ويعيد الشعب إلى مركز القرار. في هذا المعنى، يفتح المقال نقاشًا ضروريًا لا حول نهاية السياسة فحسب، بل حول شروط ولادة سياسة فلسطينية جديدة قادرة على البقاء والمعنى معًا.
نائل التونسي
6/1/2026
*****
2-
الاستاذ نائل التونسي
أشكرك على هذه القراءة العميقة للمقال، وأقدّر ملاحظتك القيمة، وأشاركك القلق من الانزلاق إلى فراغ تمثيلي أو فوضى باسم القطيعة. في تقديري، هذا التخوّف مشروع، وهو ليس اعتراضًا على القطيعة بقدر ما هو تحذير من قطيعة غير مُدارة.
منظمة التحرير الفلسطينية، كما نراها جميعا، ليست مجرد إطار سياسي، بل وطن معنوي جامع للفلسطينيين، تشكّل تاريخيًا بوصفه تجسيدا رمزيا للهوية الوطنية الجامعة، وللوحدة والتمثيل، بعد سلب الوطن المادي. والتمسك بهذا الوطن المعنوي ضرورة وطنية، حتى استعادة الوجود المادي للوطن، وتزداد أهمية حمايته، لا سيما في لحظة يهدد فيها الوجود والمعنى معا.
غير أن الإشكال، كما أراه، ليس في منظمة التحرير كإطار جامع، فقد تحققت بفضل تضحيات الشعب الفلسطيني على مدى أجيال، وراكمت منجزات وطنية مهمّة يتوجب حمايتها والبناء عليها. وعليه، فهي ليست المشكلة بحد ذاتها، وإنما المشكلة في السطو الذي تعرّضت له، وتحويلها من حامل سياسي لمشروع تحرري وفضاء تمثيلي جامع، إلى بنية مغلقة تُدار بمنطق السلطة والاحتكار، وتُعنى بإدارة الواقع تحت الاستعمار عوضا عن مواجهته.
من هنا، فإن ما أقصده بـ«الحامل السياسي الجديد» لا يعني، ولا ينبغي أن يُفهم، بوصفه وطنا معنويا بديلا، أو قطيعة رمزية مع منظمة التحرير الفلسطينية، بل بوصفه مسارا تراكميا موازيا: مجموعات قاعدية، نقابات متجددة، أطر شبابية، ومبادرات مجتمعية، تتبلور في مختلف أماكن وجود الشعب الفلسطيني، داخل الوطن وخارجه، وتتفاعل مباشرة مع احتياجات الناس، وتكتسب مصداقيتها من الفعل اليومي والتراكم، لا من التفويض الفوقي.
هذه البُنى، إذا ما نمت وتفاعلت وتراكمت خبرتها وثقتها المجتمعية، يمكن أن تتحول تدريجيا إلى قوّة تمثيليّة حقيقيّة، لا تنازع الوطن المعنوي، بل تخلق الشروط الواقعية لاستعادته. عندها فقط يصبح إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية ممكنا، كحامل سياسي مؤهَّل لقيادة مشروع التحرر الوطني، على أسس غير سلطوية، وغير احتكارية، ومتصلة فعليا بالمجتمع الذي تمثّله.
بكلمات أخرى، القطيعة هنا ليست قطيعة مع المنظمة والمعنى، المسألة ليست هدم السياسة، بل إنقاذها من العجز، ومن الاستنزاف؛ وليست قفزًا في الفراغ، بل محاولة واعية لمنع الفوضى، وليست إلغاء الوطن المعنوي، بل استعادته من الداخل. عبر إعادة تأسيس السياسة من الشعب، وهذا، في رأيي، هو التحدي الحقيقي للمرحلة: كيف نحمي الوطن المعنوي من التحلل، لا عبر تجميده، بل عبر إعادة ضخ الحياة فيه من المجتمع نفسه.
احترامي وتقديري
غانية ملحيس
6/1/2026