نصر جميل شعث - سؤال من حوار كان أجراه معي الشاعر طارق حمدان لإذاعة مونت كارلو، حول مجموعتي "خاطف الغزالة يتعثّر بأعشابها" الصادرة عن دار مخطوطات، ل

سؤال من حوار كان أجراه معي الشاعر طارق حمدان لإذاعة مونت كارلو، حول مجموعتي "خاطف الغزالة يتعثّر بأعشابها" الصادرة عن دار مخطوطات، لاهاي، 2016.

(اشتغلتَ على الصورة في الشعر، على البناء البصري والصوَر المركبة، وظَّلت نصوصك وكأنها أشرطة سينمائية.. ماهي مصادرك الرئيسية؟)
إجابتي:
كانت عندي حساسية من الغزالة كمفردة، كرمز رائج في الأشعار. لكن رغم ذلك تمسكت بها بسبب تعثر خاطفها بأعشابها. هي محاولة إنقاذ المفردة من تداولها الصائت بالصورة الشعرية التي عينتها كعنوان، وهي شذرة داخل الكتاب، أيضًا.
العنوان، إذًا، ينطوي على شبهة نجاة. أقول شبهة، لأن هذه الكلمة الأخيرة تشبه، إلى حد ما، القشة التي يتعلق بها غريق. إنه تذرع بشيء غير صامد، تذرع بفرصة ميؤوس منها، بوهم، أو بخطأ ميداني يمكن للخاطف تداركه باستجماع قوته بعد العثرة.
المصدر، إذا شئنا أن نتحدث عن مصادر رئيسية، هو الأمل أو كلمة الأمل نفسها. هناك أمل ولو ضئيل ينطوي في عمقه على سخرية مؤلمة. والسخرية هنا مصدر. مهنة الشاعر هنا هي تصيد الخطأ بوصفه أملًا.
وفي الديوان، أيضًا، قصائد طفولة، أخطاء غير مقصودة، عناد، رغبة في استعادة وتملك ألعاب وسنوات الصبا واللغة البسيطة السهلة.
هناك، أيضًا، قصائد تكون الحياة الشخصية مرجعيتها أو بعض مرجعيتها كذكر الأب والأم تصريحًا أو تلميحًا.
مختارات من الديوان:
حتّى البكاءُ كان فكرةً،
وكان لعبة
في طفولتنا..
كنا عندما نبكي على أيّ شيء؛
نستدرجُ الدمعَ لشفاهنا
ونَتذوّقُه.
***
مرّةً نمتُ والعلكةُ في فمي.
في الصباح رأتها أمي معجونةً في شعري.
قصّتها وبكيتُ:
"صارت حفرة على رأسي!"
قبّلتني وقالت:
في الليل سيرى الناسُ على رأسكَ القمر.
***
إذا تكشّف ولدٌ في الليل، قالت:
اسم الله عليك، وغطَّته.
وإذا كشّف الولدُ عجينَها الصباحيّ، قالت:
اسم الله عليك، وغطَّته.
أيّها الشعرُ
يا سواد العين ومحيطها الأبيض،
نمْ قليلًا،
وتكشّفْ كطفل
في الليل.
***
البحرُ أوسع من اسمه في فمي،
ونظرتي إليه أوسع منه.
حدّثتُ نفسي بهذا
كسائحٍ نزل من سفينةٍ كبيرة،
وعالج غربته بإعادة النظر
إلى طائرٍ في السماء.
***
كلّما رأيتُ شيئًا دوّرته بالخيال،
والخيالُ يريدُ الأرضَ مستقيمة.
الخيالُ يجرح نفسَه بالحوافّ:
يُعطي الماءَ جُزرًا،
ويُعطي الأرضَ ماء.
***
يدُ الإنسان قصيرة،
يصلها بيدٍ أخرى أو بالسلاح.
يداي نظيفتان..
إنّما فتحتُ الحنفيّة
لألعبَ بالصوت.
***
الشلالاتُ الصغيرةُ
على ظهور الجبال
تجري وتصل..
رغم أنها عرجاء
كإمضاءٍ يَختلفُ قليلًا
عن نفس الإمضاء.
***
كم كسرْنا أسماءَنا في الصغر،
كم شوّهناها،
كم كرّرنا فتنة تكسير الأشجار،
وصناعة المتاهات بأيدينا
على أوراق بيضاء،
ونحن نتدرّبُ على إمضاء
يُميّزنا عن غيرنا في المُعاملات.
***
قد أعطيكَ الجسرَ
ويبقى لي النهرُ،
لكن لا أعطيكَ الطريقَ.
فأنا لا أمشي تجديفًا
على الزرع
الذي سقيته بنهري.
***
أسماءُ كثيرةٌ للسيف
ما تغلّبَتْ عليه.
أسماءُ كثيرةٌ للورد
انتشرتْ..
ولكن عندما نُحبُّ نُسمّي
الوردةَ وردة.
***
أُحبُّ الخريف،
يُوصِلُ الأوراقَ إلى العتبة.
أوراقُ الخريف
لا تذهبُ إلى البحر.
والخريفُ ضرورةٌ أمنيّة،
كالحرص على الكؤوس ناقصةً
لتأمين حملها.
***
أُحبُّ يدي
أُقلّبُها كرغيفٍ،
ولا أكفّ عن إلقائها في الهواء
كليرةٍ من ذهب.
وتحديدًا الآن،
أُذكّرُها بالجروح التي أكلتها
وهي تفتحُ المُعلّبات.
***
لو أصابعي على كتفِكِ
لحرّكَتِ القمحَ الذي في فم الملاك.
جرسُ الباب مُتخَمٌ بالرنين،
ما مِن إصبعٍ تُمرِّنُه.
ما يُعيدُ الأرضَ إلى قمحها
أنّ القلبَ يُجرّبُ في حُبّكِ كلّ وسيلة.
سقفُ أحلامنا عالٍ،
لدرجة أنّنا لا نستطيع رشّ قمحنا عليه
للعصافير.
***
ليس الغيابُ
أن يغيبَ القمرُ وراء غيمة.
الغيابُ هو
أن تغيبَ غيمةٌ وراء القمر،
وتمطرَ عليه ليلمعَ أكثر..
فيما الأرضُ هناك
سوداءُ وقاحلة.
***
الأرضُ وأنا
كلانا نمشي..
أنا عليها،
وهي على الهواء.
حين أحُكّ ظهري من أثر الريح
لا أعيقُها،
وحين تحُكُّ ظهرَها
تُعيقُ الجميع.
***
لأّني أُحبّـكِ
وصلتُ
إلى آخر نتوءٍ صخريٍّ
مكسورٍ في الماء،
كما لو أنه بارودةٌ قديمة
طواها الصيّادُ
ليُلقّمَها رصاصة..
فتأخّرَ القتلُ
قبل استقامتها دقيقة.
***
لديّ أخطاءُ
غير مقصودةٍ في الحياة،
مثلي مثل ميكانيكيّ
يَفرك يديه برمل لم تصبه بذرةٌ أو رصاصة؛
بعدَ إصلاحه سيّارة
ستقلّ عائلةً خارجَ الحرب..
ثمّ يغسلُهما بالماء وصابونة بيضاء
وضعها على الحجر،
ونسي أن يغسلَها من سواد يديه.
***
من الأشياء الثمينة
على الرفّ:
ساعةُ يد أُهديتْ لي من زمنٍ بعيد،
وكلّما نظر إليها زائرٌ بطمعٍ
قلتُ له بخوفٍ:
لهذه الساعة قصةٌ طويلة،
ليس عندي وقتٌ لأقصّها،
فهي الآن واقفة.
***
مطرٌ على الشارع بعد الجفاف،
والسيارة الواقفةُ بالعشّاق مشَتْ
كاشفةً للعين نصيبَ الشارع من الحرمان..
نصيبُ الشارع من السيارات كثير،
كنصيبي من التفاحات
أشتريها من السوق،
وخطأً أظنها من شجرة واحدة.
***
أريدُ الآن
ذات اللعبة التي رأيتها بيد ابن الغريب.
ذات اللعبة التي وقفتُ لأجلها في منتصف الطريق.
ذات اللعبة التي سمّيتها على الفور لعبتي؛
فأحرجتُ أمي،
وعطّلتُ السيرَ،
وتأخّرنا عن موعد الإبرة..
ذات اللعبة التي ملكْتها في الحلُم،
وفي الصباح نسيتُ أمرَها.
***
لم أختلف مع طفلي
إلا في تغييرِ الأماكن.
هو كان يقول:
طويلة الطريق،
وأنا أقول:
الطريق طويلة.
كلانا رغم المسافة بيننا
لم يُخطئْ.
***
ﺭﺃﻳﺖُ ﺃﻃﻔﺍلًا ﻛﺜﻴﺮﻳﻦ
ﻭﺯّﻋﺖُ ﻣﺤﺎﺳﻨَﻬﻢ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ.
ﻗﻠﺖُ ﻟﻸﻭّﻝ:
ﻛﺎﻥ ﺷَﻌﺮﻱ جميلًا ﻣﺜﻞ ﺷَﻌﺮﻙ.
ﻗﻠﺖُ ﻟﻠﺜﺎﻧﻲ:
ﻛﻨﺖُ ﺃﺣﺐُّ ﻛﻞّ ﻣﺎ ﺣُﺮﻣﺖُ ﻣﻨﻪ،
ﺃﻛﺜﺮَ ﻣﻤﺎ ﻓﻲ ﻳﺪﻙَ الآن.
ﻗﻠﺖُ ﻟﻠﺜﺎﻟﺚ:
ﺃﻣّﻲ ﺍﺷﺘﺮَﺕْ ﻟﻲ ﺳﺎﻋﺔً
ﻛﺎﻟﺘﻲ ﺧﺮّﺑﺘﻬﺎ ﻣﻦ ﻓﺮﺣﻚَ ﺑﻬﺎ الآن.
ﻗﻠﺖُ ﻟﻠﺮﺍﺑﻊ:
ﺃﺑﻲ ﻛﺎﻥ كأبيكَ ﺷﺎﺑًّﺎ جميلًا.
ﻭﻗﻠﺖُ ﻟﻠﺨﺎﻣﺲ:
لا ﺗﻜﺒﺮ ﻣﺜﻠﻲ ﻳﺎ ﺣﺰﻳﻦ.
***
ﻣﺎ ﺯﺍﻝ ﺣﺎﺋﻄﻲ مائلًا ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺎء،
ﺷﻘﻴﺖُ ﻣﻦ ﺃﻣﻠﻲ ﺑﺄﻥ ﻳُﺼﺒﺢَ ﻇﻠُّﻪ ﺟﺰﻳﺮﺓً.
ﻟﺤﻈﺔً ﻭﻳﻘﻊ لأمشي..
ﻋﻠﻰ ﻃﺮﻑ ﺍﻟﺠﺰﻳﺮﺓ ﻭﺣﺪﻱ،
ﻛﻠّﻤﺎ ﻧﻈﺮﺕُ ﺇﻟﻰ ﻇﻠﻲ ﺭﺃﻳﺖُ ﺃﺑﻲ.
ﻭﻛﻠّﻤﺎ ﺭﺃﻳﺖُ رتلًا ﻣﻦَ ﺍﻟﺪﺑّﺎﺑﺎﺕ
ﻋﻠﻰ الأرض ﻳﻤﺸﻲ، ﻗﻠﺖُ:
ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ ﻛﻢِ ﺍﻷﺭﺽُ ﻏﻨﻴّﺔ ﺑﺎﻟﺤﺪﻳﺪ!
***
ﺍﻟﻨﻮﺍﺭﺱُ ﺭﻓﻌَﺖ ﻏﻄﺎءَﻫﺎ
ﻋﻦ ﺍﻟﺘﻤﺎﺛﻴﻞ ﺍﻟﺪﺍﻛﻨﺔ،
ﻭﺍﺻْﻄﻔّﺖ ﻛﺄﺳﻨﺎﻥٍ ﻋﻠﻰ ﻓﻢ ﺍﻟﺒﺌﺮ ﺍﻟﺘﻲ ﺑﺪﺕْ
ﻭﻛﺄﻧﻬﺎ ﺗﻀﺤﻚ،
ﺭﻏﻢ ﻧﻘﺼﺎﻧﻬﺎ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻘﺎﻉ ﻛﻜﺄﺱٍ
ﺷﺮﺏَ ﻣﻨﻬﺎ ﺿﻴﻒٌ،
ﻭﻟﻢ ﻳﻜﻤﻠْﻬﺎ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺍﻟﺨﺠﻞ؛
ﻟﺘﺪﺧﻞَ ﻃﻔﻠﺔٌ ﺗﺸﺮﺏ ﻭﺗﺠﺮﻱ ﻭﺭﺍءﻩ ..
ﺗﺤﺴﺒﻪ ﺃﺑﺎﻫﺎ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻘﻊُ اسمُه
ﻓﻲ ﻛﻞّ ﻓﻢٍ،
ﻭﻳﻄﻴﺮُ ﻣﻦَ ﺍﻟﺸﻔﺎﻩ.
***
الغزالةُ
أسرعُ من الوحوش،
لكن مأساتها أنها تقفُ
في كلّ لحظة
لتلتفتَ وراءها.
***
سنجري في الحياة
بحسرة غزالةٍ
رأت صغيرتها بين أنياب الوحوش،
ولم تدرِ من ألمِها بأنّها
سبقت النهرَ
الذي لم تشربْ منه.
***
على قبره شجرة مثمرة،
لأنّه مات وفي جوفه خطأٌ طفوليٌّ أخير:
أكلَ الفاكهة بنواتها.
***
أنا فاكهةُ الأرض،
شهِدتُ غسلَ الكثيرَ من الموتى.
ومرارًا اسْتجبتُ
لصرخة الأمّ عليّ:
اغْسلْها
قبل أن تأكلَها!
***
أنا عادل ودقيق،
أقرأ الوقتَ من ساعة الحائط،
وأؤكد صحّته
في ساعة يدي المجروحة.
***
عيناي صحيحتان،
لا تخطئان قراءةَ ساعةٍ تخطئ
على غفلة مني
وتتقدّمُ دقيقة.
***
في لحظةِ عراء
انتابت عينيه وهو يُبدّلُ نظّارةَ اليوم بنظارة القراءة،
ليقرأ قصيدةً..
رأى أشياءَ أكبرَ من القصيدة.
***
يُحدّقون في ظلالي
بحثًا عن عيونهم السوداء،
وأحدّق في ظلالهم
بحثًا عن البياض المحيط.
***
لم أخبركِ
عن كذبةٍ من كذباتي وأنا صغير:
في اختبار فحص النظر ضربَني الطبيبُ
على كتف ذنوبي،
لأنني أخطأتُ تحديدَ اتجاهات الحروف ونظري سليم.
كنت أطمح، في الحقيقة، بنظارة
إعجابًا بدمعة رجل
بكى، في فيلم، من خلفها.
***
لا تحدّق في الماء،
يرويكَ الخيالُ أكثر إن أغمضت عينيك
وأنت تشرب.
خذِ الحكمة من عيون الآبار الغافية.
ستجفُّ عيناك ويضعفُ بصرُك
إن حدّقت إلى المكتوب على المرآة
بقلم رصاص.
.....................................
.....................................
الغيمة كالمعرّي
لا ترى، تمشي على النيّة.
في رأسها صورةٌ لأوّل صحراء،
وتحدّث نفسَها:
أنا قليلة،
من رؤوس الناس
على وجهي داكنة،
ولا أسبقُ في الحرب طائرة.
***
وقع الغناءُ على الماء،
فجرَتْ خيلٌ مُسوّمةٌ في الصحارى
عددَ ما طارَ من قطراتٍ
بَعضُها عَلِقَ بحاجب المُغنّي،
فغنّى من جديد أن
عُودي واشربي يا خيلُ
منَ العين التي لا تعلو الحاجبَ
الأسودَ الهادىء.
***
عاريًا ووحيدًا
عبرتُ الصحراءَ،
فغلبني النومُ على السراب.
وصافيًا قمتُ من الأحلام،
فإذا ببئرٍ تَفيضُ لتغرقني.
ماذا أفعل؟
لا شيءَ أمامي إلا عُريي والظلّ.
وإنْ سددتُ العينَ بالسرابِ تَجفّ!
سأقطعُ من ظلّي غطاءً،
وأعودُ إلى القرية
مسرورًا بنقص الظلّ.
***
الوحدةُ
كبعض الحبوب
تنمو..
حتّى إذا انقسمَت
نصفين.
***
الأملُ أبيضُ
كبطانةِ جيْب سروالٍ أسود.
تُدخِلُ يدَكَ فيه،
وتُخرجُ معها البطانةَ فارغة.
***
شعورٌ كبيرٌ بالذنب يأكلُ الغرباء
كلّما لوى أكتافَهم البردُ الأبيضُ لإلقاء بقايا الأرزّ
المطهوّ في سلّة المهملات.
أنا أفعل هذا كثيرًا،
إذْ لا قنّ دجاج بلَديّ حول هذا البيت الجديد.
كُرةٌ من الأرزّ بين يدي ألقيتُ بها إلى الخارج،
فإذا بظلّيْ يديّ على الثلج غرابان
يَجتمعان على الكُرة ويأكلان.
***
لو أنّ الوطنَ قريةٌ على رأس جبل،
- كالتي أراها الآن من الشباك -
تُقبّلها الشمسُ من رقبتها وهي في طريقها إلى الغروب،
ولا تترك أثرًا عليها كالذي يتركه الأولادُ على رقاب الحبيبات،
ولا تحرق لها شفاهًا كثيرةً من الأشجار،
ولا تجرح أهلَها بصمتِ أحدٍ ذهبَ
يتأمّلُ الهاوية كرياضةٍ روحيّة!
***
أشتالُ فلفل غزّة
رأينا تفتّحَ زهرِها،
وغادرنا البيتَ يومين إلى عرس ابن العمّة.
عُدنا في الضحى،
كانت مَواليدُ لامعة و ودودة.
في الظهيرة،
- والديكُ صامتٌ من ضجر في الركن الظليل-
قطعنا بعضها من باب اللعب مع الصغار.
ودخلَ علينا كبيرٌ البيت صارخًا فينا:
- وقام الديكُُ من ركنه إلى ساحة الشمس قومة نِـدّ-
لا تقطعوها،
غدًا تكبرُ وتقسو ونأكلُ نارَهـا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى