الصديقة العزيزة د. غانية، شريكتي في هذا الحوار الذي يبدو أننا كلما اقتربنا من نهايته فتح أمامنا بابًا جديدًا،
قرأت ردك الأخير. وهذه المرة لم أتوقف عند الجملة التي اختلفنا حولها: هل بقيتِ عند الخيمة، أم أنني قرأت وقوفك هناك خارج السياق الأطول الذي كنتِ تكتبين داخله؟
لأنك أوضحتِ شيئًا مهمًا: أنتِ لم تدخلي إلى هذا الحوار من «حين تصبح الخيمة قاعة سينما». كنتِ فيه قبل ذلك. من «نازا» و«هندسة التطهر»، ومن سؤال النظام الذي يستطيع أن يكشف بعض جرائمه، وينتج نقده لنفسه، ثم يعيد استيعاب هذا النقد داخل مؤسساته الثقافية والإعلامية والقانونية. ومن هناك انتقلتِ إلى سؤال آخر: ماذا نفعل بالشهادة بعد أن نحصل عليها؟ كيف تصبح وثيقة، ثم معرفة، ثم مساءلة، ثم فعلًا؟
وحين وصلتِ إلى مقالي وإلى تعليق مصطفى النبيه، كنتِ تواصلين ذلك الطريق.
الآن أرى الطريق.
لكنني ما زلت أفهم لماذا قرأتِ مقالي كما قرأته. لأن القارئ الذي دخل إليه من بابه الأول، ولم يكن قد تابع حوارنا السابق، وجد أمامه الخيمة والسجادة الحمراء وعربة الحمار، ثم مصطفى، فبدا له أن الفيلم بدأ هناك وبقي قريبًا من هناك.
أما أنا فكنت أعرف أن الخيمة ليست المقال. كانت المدخل فقط.
أنا أكتب المقال كما أرى الفيلم. أضع شيئًا في البداية لا لكي يبقى هناك، بل لكي يفتح الطريق لما بعده. أقترب من الإنسان، ثم أبتعد لأرى المكان، ثم أتركه إلى إنسان آخر، وربما أعود إلى الأول في النهاية وقد تغير معناه.
لهذا، حين خرجت من الخيمة، كنت أعرف إلى أين أذهب.
ذهبت إلى الفيلم الذي يغادر غزة بينما يبقى مخرجه فيها. إلى «13 من غزة». إلى «المواطن أسامة». ثم إلى سينما فلسطينية لا أريدها أن تُختزل في غزة ولا في الحرب: ليلى عباس، كمال الجعفري، آن ماري جاسر، شيرين دعيبس، عرب وطرزان ناصر، مهدي فليفل، أريب زعيتر وغيرهم.
لم تكن الأسماء قائمة شرف. كانت جزءًا من الفكرة. كنت أريد أن أقول إن الفلسطيني لا يحمل الكاميرا فقط عندما يُقتل. يحملها لأنه إنسان له الحق أن يصنع سينماه بكل اتساع الحياة.
ومن هناك ذهبت إلى مكان آخر تمامًا. إلى الطريق الذي تسلكه الصورة بعد أن تُصنع. من يمول؟ من ينتج؟ من يوزع؟ من يملك شبكة العلاقات؟ من يفتح باب المهرجان؟ من يقرر أي فيلم يصل إلى الشاشة وأي فيلم يبقى خلف الباب؟
ثم وصلت إلى «نازا»، وعاد السؤال الذي بدأ بيننا قبل ذلك: إذا كان الفلسطيني قد قال الحقيقة، وصورها، وعاشها، فلماذا تكتسب الحقيقة في سوق المصداقية العالمي وزنًا مختلفًا حين يرويها إسرائيلي؟
وهنا لم يعد السؤال فقط: من يملك الكاميرا؟ صار أيضًا: من يملك الطريق إلى الشاشة؟ ومن يملك المنصة التي تمنح الصورة وزنها؟ ومن يبقى في مركز الحكاية بعد أن تنتهي القاعة من التصفيق؟
لهذا انتهيت إلى ذلك المقعد الفارغ. الضحية التي لا تستطيع أن تصعد إلى المنصة. بينما يستطيع من شارك في الآلة، أو عاش داخلها ثم اكتشف شرها، أن يكون له وجه وصوت وشك وندم وتحول وفصل ثانٍ.
وهذا ما أخافني دائمًا: أن تدفع الضحية ثمن التحول، ثم يحصل الجاني على قصة التحول.
لكن ردك الأخير أخذني إلى ما بعد هذا السؤال. قلتِ شيئًا بسيطًا في ظاهره، لكنه غيّر اتجاه النظر: الوصول لا يعني البقاء.
قد يصل الفيلم. قد يصفق له الجمهور. قد يحصل على الجائزة. قد تكتب عنه الصحافة. ثم تمر عشرون سنة. ثلاثون. خمسون. ماذا يبقى؟
هنا توقفت. لأنني كنت أفكر في رحلة الصورة في المكان، وأنتِ دفعتِ بها إلى رحلة أخرى: رحلتها في الزمن.
وفجأة تذكرت مصطفى أبو علي. وتذكرت «مشاهد من الاحتلال في غزة». فيلم صنع سنة 1973، من تلك البدايات الأولى للسينما الفلسطينية التي حاولت أن تجعل الفلسطيني صاحب صورته لا موضوعًا في صورة الآخرين. بُني الفيلم من مادة صورها فريق فرنسي عن قطاع غزة، فأعاد مصطفى أبو علي مونتاجها وأضاف إليها صورًا وتعليقًا، وحوّل المادة المصورة إلى فيلم فلسطيني وذاكرة فلسطينية.
ثلاث عشرة دقيقة فقط. غزة تحت الاحتلال. القمع والاعتقالات والمخيمات والمقاومة. وفي خلفية ذلك الزمن، كان هناك أيضًا سؤال اقتلاع الناس من المكان. ففي عام 1971، وفي ظل السياسات التي قادها أريئيل شارون في القطاع، اقتُلع عشرات الآلاف من لاجئي غزة من أماكنهم، ونُقل آلاف منهم إلى مخيمات في سيناء، فيما تحدثت وثائق إسرائيلية في ذلك الوقت عن سياسة تستهدف تخفيف كثافة سكان القطاع.
رحل مصطفى أبو علي. وبقي الفيلم. مشى أكثر من نصف قرن، ثم عاد ليجلس معنا أمام غزة مرة أخرى.
والمخيف أن الذي أعاده لم يكن الحنين إلى تاريخ السينما الفلسطينية. أعادته غزة. فأسئلة إخراج الفلسطيني من القطاع عادت إلى المجال السياسي الإسرائيلي علنًا. وفي السنوات الأخيرة ظل إيتمار بن غفير يدعو إلى ما يسميه «الهجرة الطوعية» لسكان غزة وإعادة الاستيطان فيها، حتى طرح في أيلول/سبتمبر 2026 خطة تستهدف، وفق ما أعلنه، خروج معظم سكان القطاع خلال سبع سنوات.
وأنا أنظر إلى فيلم مصطفى أبو علي، لا أحتاج أن أقول إن عام 1971 هو عام 2026. ليس هو. ولا أن الأشخاص والظروف والأدوات بقيت كما هي. لكن الصورة القديمة تمنحنا شيئًا لا تستطيع الذاكرة القصيرة أن تمنحنا إياه: المقارنة.
هناك غزة. وهناك سيناء. وهناك إنسان يُقتلع من مكانه. وهناك فكرة أن يصبح خروجه جزءًا من حل يرسمه الآخر. ثم تمر عقود، فنسمع الفكرة نفسها تعود إلى المجال السياسي بلغة جديدة.
عندها لا يقول لنا الفيلم إن التاريخ أعاد نفسه. التاريخ لا يعيد اللقطة نفسها. لكنه أحيانًا يعيد بناء الكادر. والفيلم القديم يسمح لنا بأن نراه.
لكن هناك شيئًا آخر بقي في الكادر أيضًا: الفلسطيني. فحكاية غزة طوال هذه العقود لم تكن حكاية مشاريع اقتلاعها وحدها، بل حكاية البقاء في مواجهتها أيضًا.
وهنا عدت إلى ما طرحتِه. وفهمت بصورة أعمق لماذا أخذتِ الفيلم إلى الأرشيف. لأننا لو فقدنا «مشاهد من الاحتلال في غزة»، لما فقدنا ثلاث عشرة دقيقة من تاريخ السينما الفلسطينية فقط. كنا سنفقد عينًا تستطيع أن تنظر من عام 1973 إلى عام 2026. وتضع أمامنا زمنين. وتتركنا نسأل: ماذا تغير؟ ماذا بقي؟ ولماذا تستطيع صورة قديمة أن تصبح فجأة راهنة إلى هذا الحد؟
هنا لم يعد الأرشيف عندي مستودعًا. ولا رفوفًا. ولا مكانًا باردًا نضع فيه الأفلام التي انتهت حياتها. صار شيئًا آخر: الأرشيف هو المكان الذي نترك فيه للماضي فرصة أن يشهد أمام المستقبل.
وهنا أضفتِ إلى عدستي بعدًا لم أكن أضعه في مركز الكادر: الزمن. كنت ألاحق الفيلم وهو يسافر في المكان. من غزة إلى تورنتو. ومن غزة إلى فينيسيا. ومن فلسطين إلى العالم. وأنتِ جعلتني أراه يسافر بطريقة أخرى. من جيل إلى جيل. من مخرج رحل إلى متفرج لم يكن قد وُلد عندما صُنع الفيلم. من حدث انتهى إلى حدث جديد يعيد فتحه.
لكن سؤالك يأخذني خطوة أخرى. ماذا لو بقي الفيلم وضاع سياقه؟ ماذا لو بقيت الصورة ولم يبق اسم صاحبها؟ ماذا لو احتفظنا بالنسخة النهائية وضاعت المادة الخام؟ ماذا لو بقي الوجه ولم يعد أحد يعرف اسمه؟ أو بقي البيت وهو يهدم، ولم يعد أحد يعرف أين كان؟ وماذا لو جاء باحث بعد خمسين عامًا، فوجد الصورة محفوظة بأعلى جودة تقنية، لكنه لم يجد المفتاح الذي يفتح معناها؟
عندها نكون قد حفظنا الصورة... وفقدنا ذاكرتها.
وهنا أعود إلى عبارتك عن «السيادة على الذاكرة». وأجد نفسي قريبًا منك جدًا. لكنني أريد أن أميز بين شيئين: بين أن نملك سياق صورتنا، وبين أن نحتكر معناها.
لا أريد أن نقول للجيل القادم ماذا يجب أن يرى في أفلامنا. ليقرأها كما يشاء. ليختلف معنا. لينتقدنا. وليكتشف في الصورة شيئًا لم نره نحن الذين صنعناها. فالعمل الفني الذي لا يستطيع أن يولد معنى جديدًا بعد صاحبه يصبح شاهد قبر، لا فيلمًا.
ما أريده هو أن يصل إليه الأصل والسياق. أن يعرف من صنع الصورة، وأين، ومتى، وفي أي ظرف. ثم يملك حريته الكاملة في تأويلها.
هذه ليست ملكية الذاكرة عندي. هذه أمانتها.
ومن هنا أعود إلى نقطة شديدة الأهمية في ردك. قولك إننا لا ينبغي، ونحن نستعيد مركز الصورة الفلسطينية، أن نبني مركزًا مغلقًا جديدًا. أتفق.
المشكلة ليست أن الآخر يتكلم. ولا أن الآخر يشاهد فيلمنا ويفسره. المشكلة تبدأ عندما يصبح كلام الآخر بديلًا عن كلامنا، وحين تصبح صورته هي الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله صورتنا أن تصل.
وهذا بالضبط ما كنت أحاول الوصول إليه عندما انتقلت في مقالي من غزة إلى «نازا». ليس السؤال لماذا صنع إسرائيلي فيلمًا يكشف ما فعلته المؤسسة الإسرائيلية. السؤال: لماذا يمتلك اعترافه أحيانًا قيمة تداول أعلى من شهادة من عاش الجريمة؟
هنا لا نتحدث عن حرية التأويل. نتحدث عن قوة فرض التأويل. وهما شيئان مختلفان.
المتفرج حر. لكن المهرجان ليس مجرد متفرج. وشركة التوزيع ليست متفرجًا. ووسيلة الإعلام ليست متفرجًا. والجامعة ليست متفرجًا. والأرشيف نفسه ليس متفرجًا بريئًا إذا كان يقرر ماذا يحفظ وماذا يهمل، وما البيانات التي تبقى مع الصورة وما الذي ينفصل عنها.
وهنا بدأت أرى حوارنا كله كأنه يدور حول ثلاث لحظات لصورة واحدة: لحظة تُصنع فيها. ولحظة تصل فيها. ولحظة تبقى فيها.
في الأولى نسأل: من يحمل الكاميرا؟
وفي الثانية: من يملك الطريق إلى الشاشة؟
وفي الثالثة: من يحفظ الصورة وسياقها عندما يغيب أصحابها؟
لكن هذه ليست ثلاثة صناديق مغلقة. إنها متداخلة. فالذي لا يملك مؤسسات إنتاجه قد يخسر جزءًا من صورته قبل أن يصنعها. والذي لا يملك طريق الوصول قد يصنع فيلمًا لا يراه أحد. والذي يصل ولا يملك ذاكرته قد يكتشف بعد خمسين عامًا أن صورته بقيت، لكن حكايتها أصبحت في يد من حفظها وكتب بطاقتها وقرر سياق عرضها.
وهنا يصل الحوار عندي إلى مكان لم يكن موجودًا عندما بدأناه: المؤسسة.
ليس المؤسسة بوصفها وزارة أو مبنى أو وظيفة. بل البيت الذي تستطيع الصورة أن تعيش فيه. مدرسة للسينما. صندوق إنتاج. تدريب. مهرجان. توزيع. نقد. سينماتيك. أرشيف. مكان يحفظ الفيلم والمادة الخام والوثيقة والاسم والسياق. مكان لا يمنع الصورة من السفر، بل يمنحها جواز سفرها. ولا يمنع العالم من قراءتها، بل يضمن ألا تكون قراءته هي النسخة الوحيدة الباقية منها.
وهنا أعود إلى غزة. ليس لكي أعيدها إلى الخيمة. بل لكي أخرجها منها مرة أخرى.
حين يجري تدريب مخرجين شباب في غزة، فالمسألة ليست أن نصنع جيلًا جديدًا من الأفلام عن الحرب. القيمة الحقيقية أن واحدًا منهم قد يصنع غدًا فيلمًا لا توجد فيه الحرب أصلًا. فيلمًا عن الحب. عن مقهى. عن مباراة كرة قدم. عن خلاف عائلي سخيف. عن أغنية. عن امرأة تريد أن تعيش يومًا عاديًا ولا تريد أن تكون رمزًا لفلسطين.
وهذا، في رأيي، أحد أكثر أشكال التحرر عمقًا: أن يتوقف الفلسطيني عن الاضطرار إلى إثبات إنسانيته في كل فيلم. وأن يصبح من حقه أن يكون عاديًا.
هنا ألتقي معك في خوفك من أن يتحول الفلسطيني إلى «ضحية جيدة التصوير». لأن السوق يستطيع أن يحب صورتنا بالطريقة الخطأ أيضًا. قد يحب الفلسطيني الجريح أكثر من الفلسطيني المعقد. وقد يحب الخيمة أكثر من البيت. وقد يحب الدموع أكثر من الضحك. وقد يطلب منا، من حيث لا نشعر، أن نعيد إنتاج المأساة التي عرفنا بها كي نظل مرئيين.
عندها نكون قد خرجنا من احتلال الصورة إلى أسر الصورة التي نجحت.
ولهذا لا يكفي أن نستعيد الكاميرا. ولا أن نصل إلى المهرجان. ولا حتى أن نبني الأرشيف. نحتاج أن نحمي شيئًا رابعًا: الخيال. حق الجيل القادم في ألا يصنع أفلامنا نحن.
وهنا أعود إلى عبارتك: التوثيق للماضي. والأرشيف للذاكرة. والخيال للمستقبل.
وأضيف إليها: المؤسسة هي التي تمنح الثلاثة فرصة أن يعيشوا معًا، من دون أن يبتلع أحدهم الآخر.
ربما لهذا لم يعد يعنيني كثيرًا الآن إن كان الفيلم بدأ من الخيمة أم قبلها. ولا إن كنتِ توقفتِ عندها أم كنتِ تمرين منها إلى مكان آخر. لقد تجاوز الحوار ذلك.
السؤال الذي يهمني الآن هو: أين ستعيش الصورة الفلسطينية؟
هل ستبقى موزعة بين هاتف نجا من القصف، وقرص صلب في بيت مخرج، ونسخة عند مهرجان أوروبي، ومادة خام عند منتج، وفيلم في أرشيف أجنبي، وذاكرة شفوية ترحل برحيل صاحبها؟
أم نستطيع أن نبني لها بيتًا؟ بيتًا لا يحول الذاكرة إلى قبر. ولا يحول الهوية إلى قفص. ولا يقول للفنان ماذا يصور. لكنه يضمن أن الصورة حين تغادرنا لا تغادر بلا اسم. وأنها حين تصل إلى العالم لا تصل بلا سياق. وأنها حين تعيش أكثر منا لا تعيش يتيمة.
شريكتي في هذا الحوار،
أنتِ أخذتِ الصورة من الشاشة إلى الأرشيف. وأنا أخذتها منك إلى مصطفى أبو علي، ثم أعدتها إلى غزة، ومنها إلى المهرجان، ومن المهرجان إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى طفل لم يولد بعد.
وأراه الآن أمام شاشة بعد خمسين عامًا. يشاهد «مشاهد من الاحتلال في غزة». ثم يشاهد «13 من غزة». ثم «المواطن أسامة». ثم أفلامًا لم نصنعها بعد.
يعرف أسماء أصحابها. ويعرف أين صُنعت. ويجد موادها وسياقها وتاريخها. لكنه لا يشعر أن عليه أن يكمل أفلامنا.
ينهض من مقعده. يخرج إلى فلسطين التي يعيش فيها. يحمل كاميرته. ويقول لنا، نحن الذين أصبحنا في الأرشيف:
رأيت أفلامكم.
عرفت حكايتكم.
والآن دعوني أصنع فيلمي أنا.
هناك فقط أعرف أننا لم نحفظ الذاكرة وحدها.
حفظنا للمستقبل حقه في أن يتخيل.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26 أيلول/سبتمبر 2026
قرأت ردك الأخير. وهذه المرة لم أتوقف عند الجملة التي اختلفنا حولها: هل بقيتِ عند الخيمة، أم أنني قرأت وقوفك هناك خارج السياق الأطول الذي كنتِ تكتبين داخله؟
لأنك أوضحتِ شيئًا مهمًا: أنتِ لم تدخلي إلى هذا الحوار من «حين تصبح الخيمة قاعة سينما». كنتِ فيه قبل ذلك. من «نازا» و«هندسة التطهر»، ومن سؤال النظام الذي يستطيع أن يكشف بعض جرائمه، وينتج نقده لنفسه، ثم يعيد استيعاب هذا النقد داخل مؤسساته الثقافية والإعلامية والقانونية. ومن هناك انتقلتِ إلى سؤال آخر: ماذا نفعل بالشهادة بعد أن نحصل عليها؟ كيف تصبح وثيقة، ثم معرفة، ثم مساءلة، ثم فعلًا؟
وحين وصلتِ إلى مقالي وإلى تعليق مصطفى النبيه، كنتِ تواصلين ذلك الطريق.
الآن أرى الطريق.
لكنني ما زلت أفهم لماذا قرأتِ مقالي كما قرأته. لأن القارئ الذي دخل إليه من بابه الأول، ولم يكن قد تابع حوارنا السابق، وجد أمامه الخيمة والسجادة الحمراء وعربة الحمار، ثم مصطفى، فبدا له أن الفيلم بدأ هناك وبقي قريبًا من هناك.
أما أنا فكنت أعرف أن الخيمة ليست المقال. كانت المدخل فقط.
أنا أكتب المقال كما أرى الفيلم. أضع شيئًا في البداية لا لكي يبقى هناك، بل لكي يفتح الطريق لما بعده. أقترب من الإنسان، ثم أبتعد لأرى المكان، ثم أتركه إلى إنسان آخر، وربما أعود إلى الأول في النهاية وقد تغير معناه.
لهذا، حين خرجت من الخيمة، كنت أعرف إلى أين أذهب.
ذهبت إلى الفيلم الذي يغادر غزة بينما يبقى مخرجه فيها. إلى «13 من غزة». إلى «المواطن أسامة». ثم إلى سينما فلسطينية لا أريدها أن تُختزل في غزة ولا في الحرب: ليلى عباس، كمال الجعفري، آن ماري جاسر، شيرين دعيبس، عرب وطرزان ناصر، مهدي فليفل، أريب زعيتر وغيرهم.
لم تكن الأسماء قائمة شرف. كانت جزءًا من الفكرة. كنت أريد أن أقول إن الفلسطيني لا يحمل الكاميرا فقط عندما يُقتل. يحملها لأنه إنسان له الحق أن يصنع سينماه بكل اتساع الحياة.
ومن هناك ذهبت إلى مكان آخر تمامًا. إلى الطريق الذي تسلكه الصورة بعد أن تُصنع. من يمول؟ من ينتج؟ من يوزع؟ من يملك شبكة العلاقات؟ من يفتح باب المهرجان؟ من يقرر أي فيلم يصل إلى الشاشة وأي فيلم يبقى خلف الباب؟
ثم وصلت إلى «نازا»، وعاد السؤال الذي بدأ بيننا قبل ذلك: إذا كان الفلسطيني قد قال الحقيقة، وصورها، وعاشها، فلماذا تكتسب الحقيقة في سوق المصداقية العالمي وزنًا مختلفًا حين يرويها إسرائيلي؟
وهنا لم يعد السؤال فقط: من يملك الكاميرا؟ صار أيضًا: من يملك الطريق إلى الشاشة؟ ومن يملك المنصة التي تمنح الصورة وزنها؟ ومن يبقى في مركز الحكاية بعد أن تنتهي القاعة من التصفيق؟
لهذا انتهيت إلى ذلك المقعد الفارغ. الضحية التي لا تستطيع أن تصعد إلى المنصة. بينما يستطيع من شارك في الآلة، أو عاش داخلها ثم اكتشف شرها، أن يكون له وجه وصوت وشك وندم وتحول وفصل ثانٍ.
وهذا ما أخافني دائمًا: أن تدفع الضحية ثمن التحول، ثم يحصل الجاني على قصة التحول.
لكن ردك الأخير أخذني إلى ما بعد هذا السؤال. قلتِ شيئًا بسيطًا في ظاهره، لكنه غيّر اتجاه النظر: الوصول لا يعني البقاء.
قد يصل الفيلم. قد يصفق له الجمهور. قد يحصل على الجائزة. قد تكتب عنه الصحافة. ثم تمر عشرون سنة. ثلاثون. خمسون. ماذا يبقى؟
هنا توقفت. لأنني كنت أفكر في رحلة الصورة في المكان، وأنتِ دفعتِ بها إلى رحلة أخرى: رحلتها في الزمن.
وفجأة تذكرت مصطفى أبو علي. وتذكرت «مشاهد من الاحتلال في غزة». فيلم صنع سنة 1973، من تلك البدايات الأولى للسينما الفلسطينية التي حاولت أن تجعل الفلسطيني صاحب صورته لا موضوعًا في صورة الآخرين. بُني الفيلم من مادة صورها فريق فرنسي عن قطاع غزة، فأعاد مصطفى أبو علي مونتاجها وأضاف إليها صورًا وتعليقًا، وحوّل المادة المصورة إلى فيلم فلسطيني وذاكرة فلسطينية.
ثلاث عشرة دقيقة فقط. غزة تحت الاحتلال. القمع والاعتقالات والمخيمات والمقاومة. وفي خلفية ذلك الزمن، كان هناك أيضًا سؤال اقتلاع الناس من المكان. ففي عام 1971، وفي ظل السياسات التي قادها أريئيل شارون في القطاع، اقتُلع عشرات الآلاف من لاجئي غزة من أماكنهم، ونُقل آلاف منهم إلى مخيمات في سيناء، فيما تحدثت وثائق إسرائيلية في ذلك الوقت عن سياسة تستهدف تخفيف كثافة سكان القطاع.
رحل مصطفى أبو علي. وبقي الفيلم. مشى أكثر من نصف قرن، ثم عاد ليجلس معنا أمام غزة مرة أخرى.
والمخيف أن الذي أعاده لم يكن الحنين إلى تاريخ السينما الفلسطينية. أعادته غزة. فأسئلة إخراج الفلسطيني من القطاع عادت إلى المجال السياسي الإسرائيلي علنًا. وفي السنوات الأخيرة ظل إيتمار بن غفير يدعو إلى ما يسميه «الهجرة الطوعية» لسكان غزة وإعادة الاستيطان فيها، حتى طرح في أيلول/سبتمبر 2026 خطة تستهدف، وفق ما أعلنه، خروج معظم سكان القطاع خلال سبع سنوات.
وأنا أنظر إلى فيلم مصطفى أبو علي، لا أحتاج أن أقول إن عام 1971 هو عام 2026. ليس هو. ولا أن الأشخاص والظروف والأدوات بقيت كما هي. لكن الصورة القديمة تمنحنا شيئًا لا تستطيع الذاكرة القصيرة أن تمنحنا إياه: المقارنة.
هناك غزة. وهناك سيناء. وهناك إنسان يُقتلع من مكانه. وهناك فكرة أن يصبح خروجه جزءًا من حل يرسمه الآخر. ثم تمر عقود، فنسمع الفكرة نفسها تعود إلى المجال السياسي بلغة جديدة.
عندها لا يقول لنا الفيلم إن التاريخ أعاد نفسه. التاريخ لا يعيد اللقطة نفسها. لكنه أحيانًا يعيد بناء الكادر. والفيلم القديم يسمح لنا بأن نراه.
لكن هناك شيئًا آخر بقي في الكادر أيضًا: الفلسطيني. فحكاية غزة طوال هذه العقود لم تكن حكاية مشاريع اقتلاعها وحدها، بل حكاية البقاء في مواجهتها أيضًا.
وهنا عدت إلى ما طرحتِه. وفهمت بصورة أعمق لماذا أخذتِ الفيلم إلى الأرشيف. لأننا لو فقدنا «مشاهد من الاحتلال في غزة»، لما فقدنا ثلاث عشرة دقيقة من تاريخ السينما الفلسطينية فقط. كنا سنفقد عينًا تستطيع أن تنظر من عام 1973 إلى عام 2026. وتضع أمامنا زمنين. وتتركنا نسأل: ماذا تغير؟ ماذا بقي؟ ولماذا تستطيع صورة قديمة أن تصبح فجأة راهنة إلى هذا الحد؟
هنا لم يعد الأرشيف عندي مستودعًا. ولا رفوفًا. ولا مكانًا باردًا نضع فيه الأفلام التي انتهت حياتها. صار شيئًا آخر: الأرشيف هو المكان الذي نترك فيه للماضي فرصة أن يشهد أمام المستقبل.
وهنا أضفتِ إلى عدستي بعدًا لم أكن أضعه في مركز الكادر: الزمن. كنت ألاحق الفيلم وهو يسافر في المكان. من غزة إلى تورنتو. ومن غزة إلى فينيسيا. ومن فلسطين إلى العالم. وأنتِ جعلتني أراه يسافر بطريقة أخرى. من جيل إلى جيل. من مخرج رحل إلى متفرج لم يكن قد وُلد عندما صُنع الفيلم. من حدث انتهى إلى حدث جديد يعيد فتحه.
لكن سؤالك يأخذني خطوة أخرى. ماذا لو بقي الفيلم وضاع سياقه؟ ماذا لو بقيت الصورة ولم يبق اسم صاحبها؟ ماذا لو احتفظنا بالنسخة النهائية وضاعت المادة الخام؟ ماذا لو بقي الوجه ولم يعد أحد يعرف اسمه؟ أو بقي البيت وهو يهدم، ولم يعد أحد يعرف أين كان؟ وماذا لو جاء باحث بعد خمسين عامًا، فوجد الصورة محفوظة بأعلى جودة تقنية، لكنه لم يجد المفتاح الذي يفتح معناها؟
عندها نكون قد حفظنا الصورة... وفقدنا ذاكرتها.
وهنا أعود إلى عبارتك عن «السيادة على الذاكرة». وأجد نفسي قريبًا منك جدًا. لكنني أريد أن أميز بين شيئين: بين أن نملك سياق صورتنا، وبين أن نحتكر معناها.
لا أريد أن نقول للجيل القادم ماذا يجب أن يرى في أفلامنا. ليقرأها كما يشاء. ليختلف معنا. لينتقدنا. وليكتشف في الصورة شيئًا لم نره نحن الذين صنعناها. فالعمل الفني الذي لا يستطيع أن يولد معنى جديدًا بعد صاحبه يصبح شاهد قبر، لا فيلمًا.
ما أريده هو أن يصل إليه الأصل والسياق. أن يعرف من صنع الصورة، وأين، ومتى، وفي أي ظرف. ثم يملك حريته الكاملة في تأويلها.
هذه ليست ملكية الذاكرة عندي. هذه أمانتها.
ومن هنا أعود إلى نقطة شديدة الأهمية في ردك. قولك إننا لا ينبغي، ونحن نستعيد مركز الصورة الفلسطينية، أن نبني مركزًا مغلقًا جديدًا. أتفق.
المشكلة ليست أن الآخر يتكلم. ولا أن الآخر يشاهد فيلمنا ويفسره. المشكلة تبدأ عندما يصبح كلام الآخر بديلًا عن كلامنا، وحين تصبح صورته هي الطريق الوحيد الذي تستطيع من خلاله صورتنا أن تصل.
وهذا بالضبط ما كنت أحاول الوصول إليه عندما انتقلت في مقالي من غزة إلى «نازا». ليس السؤال لماذا صنع إسرائيلي فيلمًا يكشف ما فعلته المؤسسة الإسرائيلية. السؤال: لماذا يمتلك اعترافه أحيانًا قيمة تداول أعلى من شهادة من عاش الجريمة؟
هنا لا نتحدث عن حرية التأويل. نتحدث عن قوة فرض التأويل. وهما شيئان مختلفان.
المتفرج حر. لكن المهرجان ليس مجرد متفرج. وشركة التوزيع ليست متفرجًا. ووسيلة الإعلام ليست متفرجًا. والجامعة ليست متفرجًا. والأرشيف نفسه ليس متفرجًا بريئًا إذا كان يقرر ماذا يحفظ وماذا يهمل، وما البيانات التي تبقى مع الصورة وما الذي ينفصل عنها.
وهنا بدأت أرى حوارنا كله كأنه يدور حول ثلاث لحظات لصورة واحدة: لحظة تُصنع فيها. ولحظة تصل فيها. ولحظة تبقى فيها.
في الأولى نسأل: من يحمل الكاميرا؟
وفي الثانية: من يملك الطريق إلى الشاشة؟
وفي الثالثة: من يحفظ الصورة وسياقها عندما يغيب أصحابها؟
لكن هذه ليست ثلاثة صناديق مغلقة. إنها متداخلة. فالذي لا يملك مؤسسات إنتاجه قد يخسر جزءًا من صورته قبل أن يصنعها. والذي لا يملك طريق الوصول قد يصنع فيلمًا لا يراه أحد. والذي يصل ولا يملك ذاكرته قد يكتشف بعد خمسين عامًا أن صورته بقيت، لكن حكايتها أصبحت في يد من حفظها وكتب بطاقتها وقرر سياق عرضها.
وهنا يصل الحوار عندي إلى مكان لم يكن موجودًا عندما بدأناه: المؤسسة.
ليس المؤسسة بوصفها وزارة أو مبنى أو وظيفة. بل البيت الذي تستطيع الصورة أن تعيش فيه. مدرسة للسينما. صندوق إنتاج. تدريب. مهرجان. توزيع. نقد. سينماتيك. أرشيف. مكان يحفظ الفيلم والمادة الخام والوثيقة والاسم والسياق. مكان لا يمنع الصورة من السفر، بل يمنحها جواز سفرها. ولا يمنع العالم من قراءتها، بل يضمن ألا تكون قراءته هي النسخة الوحيدة الباقية منها.
وهنا أعود إلى غزة. ليس لكي أعيدها إلى الخيمة. بل لكي أخرجها منها مرة أخرى.
حين يجري تدريب مخرجين شباب في غزة، فالمسألة ليست أن نصنع جيلًا جديدًا من الأفلام عن الحرب. القيمة الحقيقية أن واحدًا منهم قد يصنع غدًا فيلمًا لا توجد فيه الحرب أصلًا. فيلمًا عن الحب. عن مقهى. عن مباراة كرة قدم. عن خلاف عائلي سخيف. عن أغنية. عن امرأة تريد أن تعيش يومًا عاديًا ولا تريد أن تكون رمزًا لفلسطين.
وهذا، في رأيي، أحد أكثر أشكال التحرر عمقًا: أن يتوقف الفلسطيني عن الاضطرار إلى إثبات إنسانيته في كل فيلم. وأن يصبح من حقه أن يكون عاديًا.
هنا ألتقي معك في خوفك من أن يتحول الفلسطيني إلى «ضحية جيدة التصوير». لأن السوق يستطيع أن يحب صورتنا بالطريقة الخطأ أيضًا. قد يحب الفلسطيني الجريح أكثر من الفلسطيني المعقد. وقد يحب الخيمة أكثر من البيت. وقد يحب الدموع أكثر من الضحك. وقد يطلب منا، من حيث لا نشعر، أن نعيد إنتاج المأساة التي عرفنا بها كي نظل مرئيين.
عندها نكون قد خرجنا من احتلال الصورة إلى أسر الصورة التي نجحت.
ولهذا لا يكفي أن نستعيد الكاميرا. ولا أن نصل إلى المهرجان. ولا حتى أن نبني الأرشيف. نحتاج أن نحمي شيئًا رابعًا: الخيال. حق الجيل القادم في ألا يصنع أفلامنا نحن.
وهنا أعود إلى عبارتك: التوثيق للماضي. والأرشيف للذاكرة. والخيال للمستقبل.
وأضيف إليها: المؤسسة هي التي تمنح الثلاثة فرصة أن يعيشوا معًا، من دون أن يبتلع أحدهم الآخر.
ربما لهذا لم يعد يعنيني كثيرًا الآن إن كان الفيلم بدأ من الخيمة أم قبلها. ولا إن كنتِ توقفتِ عندها أم كنتِ تمرين منها إلى مكان آخر. لقد تجاوز الحوار ذلك.
السؤال الذي يهمني الآن هو: أين ستعيش الصورة الفلسطينية؟
هل ستبقى موزعة بين هاتف نجا من القصف، وقرص صلب في بيت مخرج، ونسخة عند مهرجان أوروبي، ومادة خام عند منتج، وفيلم في أرشيف أجنبي، وذاكرة شفوية ترحل برحيل صاحبها؟
أم نستطيع أن نبني لها بيتًا؟ بيتًا لا يحول الذاكرة إلى قبر. ولا يحول الهوية إلى قفص. ولا يقول للفنان ماذا يصور. لكنه يضمن أن الصورة حين تغادرنا لا تغادر بلا اسم. وأنها حين تصل إلى العالم لا تصل بلا سياق. وأنها حين تعيش أكثر منا لا تعيش يتيمة.
شريكتي في هذا الحوار،
أنتِ أخذتِ الصورة من الشاشة إلى الأرشيف. وأنا أخذتها منك إلى مصطفى أبو علي، ثم أعدتها إلى غزة، ومنها إلى المهرجان، ومن المهرجان إلى المؤسسة، ومن المؤسسة إلى طفل لم يولد بعد.
وأراه الآن أمام شاشة بعد خمسين عامًا. يشاهد «مشاهد من الاحتلال في غزة». ثم يشاهد «13 من غزة». ثم «المواطن أسامة». ثم أفلامًا لم نصنعها بعد.
يعرف أسماء أصحابها. ويعرف أين صُنعت. ويجد موادها وسياقها وتاريخها. لكنه لا يشعر أن عليه أن يكمل أفلامنا.
ينهض من مقعده. يخرج إلى فلسطين التي يعيش فيها. يحمل كاميرته. ويقول لنا، نحن الذين أصبحنا في الأرشيف:
رأيت أفلامكم.
عرفت حكايتكم.
والآن دعوني أصنع فيلمي أنا.
هناك فقط أعرف أننا لم نحفظ الذاكرة وحدها.
حفظنا للمستقبل حقه في أن يتخيل.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26 أيلول/سبتمبر 2026