يحيى بركات - من يملك المستقبل حين يدفع الشعب ثمن التاريخ؟ حوار مع الدكتورة غانية ملحيس حول الحدث والصدى والتحوّل الجزء الثاني: أين نلتقي، وأين

من يملك المستقبل حين يدفع الشعب ثمن التاريخ؟

حوار مع الدكتورة غانية ملحيس حول الحدث والصدى والتحوّل

الجزء الثاني:
أين نلتقي، وأين نفترق، وماذا نضيف؟

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

في غزة، يبحث طفل بين حجارة بيته عن شيء يعرفه. ربما حقيبته المدرسية، أو لعبة تركها على عجل، أو صورة للعائلة كانت معلقة على جدار لم يعد موجودًا. يزيح حجرًا صغيرًا، ثم يتوقف. لا يعرف أن صورته ربما عبرت المحيطات، وأن طلابًا في جامعات بعيدة رفعوا الأعلام من أجله، وأن برلمانات ناقشت مصيره، وأن مفكرين أخذوا يتساءلون عما إذا كان العالم قد تغير بعد ما جرى له ولأهله.

كل ما يعرفه أن البيت لم يعد بيتًا، وأن الطريق إلى المدرسة اختفى، وأن العالم الذي يتحدث عنه كثيرًا لم يستطع أن يعيد إليه ما فقده.

وفي مكان آخر، بعيد عن الغبار والركام، يجلس رجال حول طاولة طويلة. أمامهم خرائط وتقارير وحسابات للقوة والمصالح والتحالفات. يتحدثون عن الأمن والاستقرار وإعادة الإعمار، وعن مستقبل المنطقة، وربما عن الفلسطينيين أيضًا. لكن الطفل الذي تركناه بين الحجارة لا يجلس إلى تلك الطاولة، ولا يعرف إن كان أحد قد سأله كيف يريد أن يعيش.

بين الطفل والطاولة تمتد المسافة التي أريد أن أقطعها في هذا الحوار مع الدكتورة غانية ملحيس.

ففي ورقتها «طوفان الأقصى بين جغرافية الحدث وجغرافية الصدى وجغرافية التحوّل»، فتحت غانية سؤالًا يتجاوز السابع من أكتوبر وما أعقبه من حرب وخراب: كيف ينتقل الحدث من لحظته الأولى إلى صدى يعبر الحدود، ثم إلى تحول يستطيع أن يغير مسار التاريخ؟

وأجدني قريبًا من هذا السؤال. فالحدث، مهما بلغت قوته، لا يحمل في داخله ضمانة لمستقبله، والصدى، مهما اتسع، لا يصبح قوة سياسية بمجرد ارتفاع الأصوات.

لكنني أسمع خلف سؤال غانية سؤالًا آخر، أكثر إزعاجًا وأشد قربًا من الإنسان الذي يدفع الثمن: من يملك القدرة على تحويل الحدث إلى مستقبل؟ ومن يملك حق تقرير ذلك المستقبل؟ وهل يكفي أن يصبح الفلسطيني حاضرًا في ضمير العالم إذا ظل غائبًا عن الغرف التي تُصنع فيها القرارات المتعلقة بحياته؟

ليس التاريخ نهرًا يجري في اتجاه واحد. إنه أرض تتقاطع فوقها طرق كثيرة؛ بعضها يقود إلى الحرية، وبعضها يعيدنا إلى النقطة التي ظننا أننا تجاوزناها، وبعضها ينتهي أمام أبواب لم نكن نعرف أنها مغلقة.

ولذلك لا يمكن أن يكون السابع من أكتوبر 2023 بداية الحكاية كلها.

قبله كانت هناك عقود من الاحتلال والاقتلاع والاستيطان والحصار، وثورة خرجت من المنافي، وانتفاضات ومفاوضات واتفاقيات، وسلطة قامت على جزء من الأرض، وانقسام شطر النظام السياسي الفلسطيني، ومشروعات إقليمية حاولت أن تمضي إلى المستقبل وكأن فلسطين لم تعد تقف في الطريق.

وكانت هناك غزة، التي ضاق عليها المكان حتى بدا البحر نفسه أحيانًا كأنه جدار آخر.

لكن ثمة لحظة تسبق كل حدث كبير، لا تظهر عادة في الصور التي تحفظها الذاكرة: لحظة اتخاذ القرار.

هناك، بعيدًا عن الجمهور، يكون أشخاص قد قرأوا موازين القوة، وحددوا أهدافًا، وتخيلوا ردود الأفعال، وربما اعتقدوا أنهم يستطيعون التحكم بمسار سيكتشفون لاحقًا أنه أكبر من قدرتهم على توجيهه.

من قرر؟ وما الذي أراد تحقيقه؟ وما الذي توقعه؟ وهل كانت لديه رؤية سياسية لليوم التالي؟ وبأي تفويض اتُّخذ قرار يمكن أن تمتد نتائجه إلى حياة شعب بأكمله؟

هذه الأسئلة لا تعزل الحدث عن الاحتلال والحصار والاستعمار الاستيطاني، ولا تنقل مسؤولية الجرائم الإسرائيلية إلى الفلسطينيين. فدولة الاحتلال مسؤولة عن أفعالها وجرائمها، ولا يبررها قرار فلسطيني أو إخفاق في تقدير نتائجه.

لكن ذلك لا يلغي حق الفلسطينيين في مساءلة قياداتهم عن القرارات التي تتخذ باسمهم.

وإذا كان الاحتلال يريد حرمان الفلسطيني من تقرير مصيره، فلا ينبغي أن تتحول الضرورة الوطنية نفسها إلى سبب لحرمانه من المشاركة في تقرير الخيارات المصيرية التي تحدد حياته.

هنا تبدأ المسافة الأولى بين سؤال غانية وما أريد إضافته إليه.

فالحدث ليس فقط ما وقع وما أحدثه من صدى؛ إنه أيضًا ثمرة بنية سياسية سمحت باتخاذه، وعلاقة بين القيادة والمجتمع تحدد من يملك المبادرة ومن يتحمل النتائج.

ولفهم المستقبل، لا يكفي أن ننظر إلى ما أحدثه القرار. علينا أن ننظر كذلك إلى من امتلك حق اتخاذه، وإلى من لم يكن حاضرًا حين اتُّخذ.

قبل السابع من أكتوبر، كانت المنطقة تمضي نحو ترتيبات سياسية واقتصادية وأمنية أراد أصحابها أن يتجاوزوا القضية الفلسطينية، أو أن يجعلوا حقوق الفلسطينيين مسألة يمكن تأجيلها بينما تتقدم المصالح والتحالفات.

ثم وقع الحدث، فتوقفت مسارات، وارتبكت حسابات، وعادت فلسطين إلى قلب نقاش كان بعض أصحابه يظنون أنهم استطاعوا تجاوزها.

تنتبه غانية إلى أن تعطيل المسار لا يعني صناعة البديل، وهي ملاحظة تفتح بابًا واسعًا للتفكير.

فماذا لو كان أصحاب المشروع القديم يبحثون، في اللحظة نفسها، عن طريق جديد للعودة؟

قد تتراجع المبادرات، وتتغير اللغة، وتختفي أسماء من الواجهة، ثم تعود المصالح ذاتها بوجوه أخرى، وربما تحت شعار معالجة الكارثة التي كشفت حدود السياسات السابقة.

وقد يُعرض على الفلسطينيين ما كانوا يرفضونه بالأمس، لكن في صورة مخرج من الخراب الذي أصبحوا يعيشونه اليوم.

فليس كل ما يتعطل ينتهي، وليس كل ما يتغير يتحرر.

التاريخ يعرف قدرة الأنظمة على امتصاص الصدمات، وإعادة ترتيب أدواتها، وتحويل الأزمة إلى فرصة لاستعادة السيطرة.

وهنا يصبح التحول ميدانًا للصراع، لا نتيجة تلقائية للحدث.

ثمة قوى تريد أن تجعل الصدمة بداية لتغيير علاقات القوة، وقوى أخرى تريد احتواءها وإعادة إنتاج النظام القائم بأدوات جديدة.

وفي دولة الاحتلال تبدو هذه المفارقة شديدة الوضوح.

لقد اهتزت صورتها في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وتزايدت الأصوات التي ترفض سياساتها، وأصبحت روايتها الرسمية تواجه أسئلة لم تكن تواجهها بالحدة نفسها.

لكن اهتزاز الصورة لا يعني بالضرورة اهتزاز البنية التي تحملها.

قد تفقد دولة جانبًا من شرعيتها الأخلاقية، بينما تحتفظ بقدرتها العسكرية وتحالفاتها وشبكات مصالحها. وقد يتعمق الانقسام بين قواها السياسية، بينما تبقى بينها مساحات اتفاق واسعة حول استمرار السيطرة على الفلسطينيين.

وقد يدفع الخوف بعض مواطني دولة الاحتلال إلى مساءلة قياداتهم، ويدفع آخرين إلى البحث عن مزيد من القوة والعنف.

ولهذا لا يكفي أن نراقب ما يقوله العالم عن إسرائيل. ينبغي أن ننظر إلى ما يحدث داخل مؤسساتها الأمنية والعسكرية والسياسية، وإلى علاقتها بالولايات المتحدة، وإلى القوى التي تتنافس على تفسير الإخفاق وعلى تحديد الطريق إلى المستقبل.

فالتحول الحقيقي لا يُقاس فقط بما يتغير في صورة القوة عند الآخرين، بل بما يتغير في قدرتها على فرض الوقائع، وبقدرة من يخضعون لسيطرتها على انتزاع حقوقهم.

وقد تتراجع القدرة على الإقناع، فيما تستمر القدرة على الإكراه.

وهنا تكمن إحدى مفارقات المرحلة: أن تتقدم فلسطين في ضمير العالم، بينما تتعرض شروط الحياة والوجود الفلسطيني على الأرض لمزيد من التهديد.

في جامعة بعيدة عن فلسطين، يقف طالب أمام جمع من زملائه. يحمل علمًا لم يولد تحته، ويردد اسم مدينة لم يزرها، ويخاطر ربما بمستقبله الدراسي لأنه يرفض أن يكون الصمت موقفه من المأساة.

وفي الشارع المقابل، تمر الحياة كعادتها. سيارات وحافلات وواجهات متاجر، وأناس يعرفون شيئًا عما يجري في غزة، وآخرون لا يعرفون إلا ما يصل إليهم في عناوين الأخبار.

وعلى مسافة أبعد، داخل مبنى حكومي، تُناقش اتفاقيات السلاح والتحالفات والمصالح الاستراتيجية، وتُصاغ بيانات تتحدث عن القلق الإنساني، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغير القرارات التي تصنع الواقع.

بين الطالب والمسؤول تمتد مسافة أخرى، لا تقل اتساعًا عن المسافة بين الطفل والطاولة.

إنها المسافة بين الضمير والسلطة.

وهنا أجد في جغرافية الصدى التي تقترحها غانية مدخلًا مهمًا لفهم ما جرى في العالم.

فلسطين لم تعد حاضرة في وعي الفلسطينيين والعرب وحدهم. لقد دخلت إلى أسئلة العدالة والاستعمار والحرية في مجتمعات متعددة، وأعادت فتح نقاشات حول التاريخ والرواية والحقوق والقوة.

لكن المجتمعات ليست حكوماتها، والحكومات ليست انعكاسًا مباشرًا للرأي العام.

بينهما مؤسسات وأحزاب وشركات ومصالح وجماعات ضغط، تستطيع أن تؤخر انتقال التحول الأخلاقي إلى قرار سياسي، أو أن تعيد توجيهه.

وقد يتغير ضمير جيل كامل قبل أن تتغير سياسة الدولة التي يعيش فيها.

وهذا لا يجعل الصدى بلا قيمة.

فالتاريخ لا يتحرك دائمًا بسرعة نشرات الأخبار. وقد تبدأ التحولات العميقة بسؤال جديد يستقر في عقل جيل، ثم يصبح معرفة، ثم مؤسسة، ثم ممارسة تغير ما كان يبدو ثابتًا.

لكن الاحتمال ليس إنجازًا مكتملًا.

قد تخرج الملايين إلى الشوارع ثم تعود إلى حياتها، وتبقى المؤسسات التي اعترضت عليها تعمل بالمنطق نفسه. وقد تنجح مجموعة صغيرة في بناء شبكة معرفة وتنظيم تواصل التأثير بعد أن تنطفئ الأضواء.

ولذلك لا يكفي أن نسأل كم شخصًا خرج تضامنًا مع فلسطين.

علينا أن نسأل ما الذي بقي بعد انفضاض الجموع، وما الذي انتقل من التعاطف إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى التأثير في القرار.

وهناك سؤال آخر لا يقل أهمية: هل نملك نحن الفلسطينيين المؤسسات والرؤية واللغة السياسية القادرة على وصل هذا التضامن العالمي بمشروع وطني واضح؟

أم أننا ننتظر من العالم أن يتحرك من أجلنا، بينما لم ننجح بعد في الاتفاق على كيفية تنظيم قدرتنا نحن على الفعل؟

فالعالم الذي اكتشف فلسطين من خلال غزة ينبغي أن يعرف الفلسطينيين خارج لحظة الموت أيضًا؛ أن يعرف ثقافتهم وتاريخهم وتعددهم وأحلامهم، وأن يراهم شعبًا يسعى إلى الحرية، لا مجرد شعب يحتاج إلى الشفقة.

أعود إلى غزة.

ربما لم يعثر الطفل على حقيبته، وربما وجد دفترًا فقد غلافه، أو ورقة تحمل اسمه بخط لم يكتمل.

هذه الأشياء الصغيرة لا تدخل عادة في الحسابات السياسية الكبرى، لكنها كانت تشكل حياته.

ففي الحرب يبتلع المشهد الكبير حياة الأفراد، ويتحول الناس إلى أرقام، ثم تتحول الأرقام إلى حجج، وتضيع بينهما وجوه أصحابها.

تنتبه غانية إلى هذا الخطر حين ترفض أن تختفي غزة خلف صورتها في العالم.

وأجد في هذه الفكرة ما يتجاوز مسألة التمثيل الإعلامي.

لقد عشت مع الكاميرا سنوات طويلة، وعرفت أنها تستطيع أن تنقذ الحقيقة من النسيان، لكنها لا تستطيع وحدها أن تنقذ الإنسان من الموت.

تستطيع الصورة أن تشهد على الجريمة، وأن تجعل الألم مرئيًا، وأن تهز ضمير من يشاهدها. لكنها لا تستطيع أن تحل محل العدالة، ولا أن تعيد البيت الذي دُمّر، ولا أن تمنح الطفل حقه في الأمان.

والأخطر أن يظل الفلسطيني مطالبًا بإظهار جراحه كي يثبت أن له حقًا في الحياة.

فالمرأة التي نراها تحمل طفلها بين الركام ليست صورة للأم الثكلى وحدها. كانت قبل الحرب إنسانة لها عمل وذكريات وأحلام، ولها الحق في أن تستعيد حياتها بعيدًا عن الخوف والفقد.

والطبيب الذي يواصل عمله في مستشفى مدمر ليس بطلًا نحتفي بقدرته على الاحتمال فحسب؛ إنه إنسان ينبغي أن تتوافر له شروط ممارسة مهنته دون أن يخاطر بحياته في كل لحظة.

وهنا يلتقي سؤال الصورة بسؤال الصمود.

لقد صنع الفلسطينيون من الصمود قيمة وطنية كبرى. كان التمسك بالأرض والذاكرة والهوية إحدى أهم وسائل مواجهة الاقتلاع.

لكن ماذا يحدث حين يتحول الصمود من وسيلة لحماية الحياة إلى خطاب يطلب من الإنسان أن يحتمل فقدان شروطها إلى ما لا نهاية؟

متى يصبح الاحتفاء بقدرة الناس على تحمل الجوع والخوف والحرمان بديلًا عن مساءلة الأسباب التي جعلتهم يعيشون ذلك كله؟

ليس مطلوبًا من الفلسطيني أن يقضي عمره وهو يثبت أنه يستطيع احتمال المزيد.

يريد أن يعيش.

يريد أن يحب ويتعلم ويعمل، وأن يرى أبناءه يكبرون دون أن يورثهم الخوف كما يورثهم اسمه.

ولذلك فإن إنتاج الحياة، الذي تضعه غانية في صلب استعادة الفاعلية الوطنية، لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان اجتماعي يضاف إلى البرنامج السياسي، بل معيارًا نحاكم به البرنامج نفسه.

كم حياة حمى؟ كم حقًا صان؟ كم فرصة فتح؟ كم عبئًا خفف عن الناس؟ وكم جعلهم أقدر على المشاركة في تقرير مصيرهم؟

فلا معنى لإعادة بناء البيوت إذا ظلت الأسباب التي تهدمها قائمة، ولا معنى لإعادة فتح المدارس إذا ظل مستقبل الأطفال رهينة القرار العسكري، ولا معنى لإعمار مدينة إذا كان سكانها لا يملكون الحق في تقرير شكل حياتهم فيها.

إعادة الإعمار ليست مشروع إسمنت وحديد فحسب، بل استعادة حق الإنسان في المكان والأمان والقرار.

وإذا انفصلت إعادة البناء عن الحرية، فقد نكون قد أصلحنا الجدران وتركنا أسباب هدمها قائمة.

ومن غزة تمتد الأسئلة إلى رام الله والقدس وجنين ونابلس والخليل، ثم تعبر الحدود إلى المخيمات والشتات.

تتغير الجغرافيا، وتتغير أشكال السيطرة والحرمان، لكن سؤالًا واحدًا يرافق الفلسطيني أينما كان: من يتحدث باسمي، ومن منحه هذا الحق، وكيف أستطيع مساءلته؟

تضع غانية إعادة بناء المشروع الوطني في مركز شروط التحول، وتدعو إلى تجديد المؤسسات التمثيلية واستعادة المشاركة والمساءلة وتجاوز الانقسام.

وهي غايات لا أختلف معها، لكن الطريق إليها ليس مجرد اتفاق على كلماتها.

فقد عرف الفلسطينيون شرعيات متعددة: شرعية الثورة التي ولدت في ظروف الكفاح الوطني، وشرعية منظمة التحرير التي تشكلت عبر مسار تاريخي طويل، وشرعية الانتخابات، وشرعية المقاومة، وشرعية المؤسسات القائمة، ثم شرعية الأمر الواقع التي تنشأ حين تستمر السلطة دون تجديد كافٍ للتفويض الشعبي.

ومع مرور الزمن، لم تعد هذه الشرعيات تتكامل دائمًا، بل أصبحت تتنازع أحيانًا حق التحدث باسم الشعب، بينما تراجعت قدرة المجتمع على مراجعة من يمثلونه ومحاسبتهم.

وهنا تصبح الأزمة أعمق من نقص في البناء المؤسسي.

إنها أزمة علاقة بين الشعب والقيادة، وبين التاريخ والحق الحاضر في الاختيار، وبين من يعتبر نفسه امتدادًا لشرعية سابقة ومن يطالب بحقه في المشاركة في صنع شرعية جديدة.

فالجيل الذي لم يعش بدايات الثورة ليس مطالبًا بالتخلي عن احترام تضحياتها، لكنه ليس ملزمًا أيضًا بمنح تفويض أبدي لمن ورثوا مؤسساتها.

والجيل الذي ولد بعد الانقسام لا ينبغي أن يُطلب منه الاختيار بين سلطتين قبل أن يُمنح حق مساءلتهما.

أما اللاجئ الذي يعيش خارج فلسطين، فلا يجوز أن يبقى حاضرًا في الخطاب الوطني وغائبًا عن الآليات الفعلية لصناعة القرار.

وإذا كانت الوحدة الوطنية ضرورة، فإن السؤال يصبح: وحدة على أي أساس؟

هل نريد اتفاقًا بين القيادات يعيد توزيع المواقع، أم نظامًا سياسيًا يعيد إلى المجتمع حقه في اختيار قياداته ومحاسبتها؟

فقد تتصالح الفصائل وتبقى الأزمة، إذا كانت المصالحة تعني تقاسم الصلاحيات دون تغيير قواعد السلطة.

وقد تُجرى انتخابات ثم تتعثر آثارها، إذا لم تُحمَ نتائجها بالحريات والمؤسسات والقواعد التي تجعل تداول المسؤولية ممكنًا.

وهذا لا يقلل من قيمة الانتخابات، بل يضعها في مكانها الصحيح: أداة أساسية لتجديد التفويض والمساءلة، لا مجرد يوم اقتراع ينتهي بإعلان النتائج.

وهنا يطل سؤال يصعب على كثير من الخطابات السياسية الاقتراب منه: هل تتعثر محاولات الإصلاح لأننا لا نعرف ما ينبغي فعله، أم لأن هناك مصالح نشأت داخل البنى القائمة لا تريد تغيير قواعدها؟

قد يعرف المسؤول أن المؤسسة التي يقودها بحاجة إلى التجديد، لكنه يدرك أيضًا أن التجديد الحقيقي قد ينهي امتيازاته أو يحد من سلطته.

وقد يعرف التنظيم أن الانقسام يضعف المجتمع، لكنه يجد في استمرار الانقسام مجالًا يحتفظ فيه بنفوذه وموارده وقراره.

هذه ليست أحكامًا شاملة على جميع الفاعلين، لكنها احتمالات سياسية لا يجوز إبعادها عن تفسير أزمة طال أمدها رغم كثرة الدعوات إلى تجاوزها.

فالاحتلال يفرض قيودًا هائلة على الحياة السياسية الفلسطينية، ويتدخل في شروط الحركة والتنظيم والانتخابات. لكن وجود هذه القيود لا يعفي القوى الفلسطينية من مساءلة خياراتها، كما أن مساءلة الخيارات الفلسطينية لا تعفي الاحتلال من مسؤوليته عن منظومة السيطرة التي يقيمها.

ولا يمكن أن نبني مشروعًا وطنيًا جديدًا إذا ظل كل طرف يستخدم نصف الحقيقة لكي يحجب النصف الآخر.

وأتوقف هنا أمام مفارقة أخرى.

نحن نطالب العالم بالاعتراف بحق الفلسطيني في تقرير المصير، لكننا لم ننجح بعد في بناء حياة سياسية تضمن للفلسطينيين جميعًا مشاركة متجددة وفاعلة في تقرير الخيارات الوطنية الكبرى.

نطالب بإنهاء السيطرة على الأرض، بينما تعاني مؤسساتنا من أشكال مختلفة من احتكار القرار.

نرفض أن يحدد الآخرون مستقبلنا، لكن قطاعات واسعة من المجتمع لا تجد طريقًا واضحًا للمشاركة في تحديد ذلك المستقبل داخل مؤسساتها.

وهذا التناقض لا يُحل بتغيير الشعارات، بل بتغيير العلاقة بين السلطة والمجتمع.

فالمشروع الوطني لا يمكن أن يكون مشروع تحرير من السيطرة الخارجية فقط، بل ينبغي أن يحمل في داخله قيم الحرية والمشاركة والكرامة التي يطالب بها في مواجهة الخارج.

ولا معنى لأن نستعيد الأرض ثم نكتشف أن الإنسان الذي يعيش عليها لا يمتلك حقًا كافيًا في المشاركة في حكمها.

ولذلك فإن إعادة بناء المشروع الوطني يجب ألا تبدأ من سؤال: كيف نعيد ترتيب المؤسسات القائمة وحدها؟

بل من سؤال أسبق: أي علاقة نريد بين الفلسطيني ومؤسساته؟ وما الحقوق التي لا يجوز لأي قيادة أن تصادرها، مهما كانت شرعيتها التاريخية أو موقعها في النضال؟

إنها ليست مسألة إدارية، بل فلسفة كاملة للسلطة والحرية.

وفي هذا الموضع تصبح المعرفة نفسها أمام امتحان صعب.

تدعو غانية إلى برنامج بحث وعمل، وإلى التمييز بين الأنشطة والنتائج والأثر، وإلى بناء أدوات تساعدنا على فهم التحولات وقياسها.

وأرى في ذلك ضرورة، لأننا كثيرًا ما خلطنا بين كثرة ما نفعل وبين مقدار ما ننجز، وبين حضور القضية في الأخبار وبين قدرتها على التأثير في السياسات.

لكن المعرفة ليست غائبة عن أزمتنا الفلسطينية.

لقد كُتبت دراسات كثيرة عن الانقسام، وعن تآكل المؤسسات، وعن ضرورة تجديد منظمة التحرير، وعن المشاركة والشرعية والمساءلة، وعن أثر الاحتلال والتدخلات الخارجية في تعطيل الحياة السياسية.

ونعرف كثيرًا مما ينبغي تغييره.

فلماذا لم يتغير؟

قد يكون جزء من الإجابة أننا لا نحتاج إلى معرفة إضافية وحدها، بل إلى قوة اجتماعية وسياسية تستطيع تحويل المعرفة إلى تغيير.

فالدراسة لا تفتح باب المؤسسة المغلق لمجرد أنها شخصت سبب إغلاقه، والتوصية لا تصبح سياسة لمجرد أنها صيغت بدقة.

تحتاج المعرفة إلى مجتمع يستطيع استخدامها، وإلى مؤسسات تقبل المساءلة، وإلى إرادة سياسية ترى في الإصلاح مصلحة عامة لا تهديدًا لمواقعها.

وإلا فقد نضيف تقريرًا جديدًا إلى رف طويل من التقارير، بينما تبقى المفاتيح في الأيدي نفسها.

لكنني لا أريد أن أضع المعرفة في مواجهة الفعل؛ فالفعل الذي لا يعرف ما يفعله قد يعيد إنتاج الأخطاء، والمعرفة التي لا تجد طريقًا إلى المجتمع قد تتحول إلى وصف دقيق للعجز.

والمطلوب أن يتعلم كل منهما من الآخر، وأن يصبح البحث جزءًا من قدرة الفلسطينيين على فهم واقعهم وتغييره، لا مجرد سجل لما حدث لهم.

---

وهناك مسألة لا يمكن تجاوزها في أي حديث عن التحول: الزمن.

فنحن نعيش داخل الحدث الذي نحاول تفسيره، ونرى بعض نتائجه قبل أن نعرف مآلاتها، وقد تدفعنا شدة الألم أو اتساع الأمل إلى الاعتقاد بأن المستقبل أصبح واضحًا.

لكن التاريخ لا يكشف نهاياته لمن يقفون في منتصف الطريق.

قد تتغير لغة العالم تجاه فلسطين، ثم تتباطأ التغيرات السياسية. وقد تتراجع مشاريع إقليمية ثم تعود بأشكال أخرى. وقد ينشأ جيل أكثر وعيًا بالحقوق الفلسطينية، بينما تظهر في المقابل قوى أشد عداءً لها.

وقد تتحول مأساة كبرى إلى نقطة انعطاف تاريخية، أو إلى جرح طويل لا ينتج التغيير الذي توقعه أصحابه.

لهذا فإن علينا أن نفرق بين ما نراه، وما نستنتجه، وما نأمله.

ليس في هذا التفريق برود تجاه المأساة، بل احترام للحقيقة وللناس الذين يعيشون نتائجها.

فأخطر ما يمكن أن نفعله بالمجتمع هو أن نمنحه يقينًا لا نملكه، أو أن نطلب منه الصبر على أساس نتائج لم تتضح بعد.

والشجاعة الفكرية ليست أن نؤكد دائمًا صحة خياراتنا، بل أن نمتلك القدرة على مراجعتها حين تكشف التجربة ما لم نكن نراه.

وهذا ما يجعل النقد الذاتي جزءًا من الفعل الوطني، لا خروجًا عليه.

فالشعب الذي لا يستطيع مساءلة قراراته الكبرى سيظل معرضًا لتكرار أخطائه، حتى لو تغيرت أسماء القادة وتبدلت الشعارات.

أعود إلى غانية، لا لكي أضع أمامها قائمة بما وافقتها عليه وما اختلفت معها فيه، بل لأن الحوار الحقيقي لا ينتهي حين تتطابق الأفكار، وإنما يبدأ حين تكشف كل فكرة حدود الأخرى.

لقد فتحت ورقتها نافذة مهمة على الفرق بين الحدث والصدى والتحول، وذكّرتنا بأن حضور فلسطين في العالم لا يكفي إذا لم يتحول إلى قدرة فلسطينية على الفعل، وأن الصمود لا ينبغي أن يبقى مرادفًا لاحتمال المعاناة، وأن المشروع الوطني يحتاج إلى إعادة بناء شرعيته ومؤسساته.

لكنني أرى أن هذه الأسئلة تقودنا إلى أعماق أبعد.

إلى القرار الذي سبق الحدث، وإلى المجتمع الذي تحمل نتائجه، وإلى القوى التي تسعى إلى تحويل الصدمة في اتجاهات متعارضة، وإلى المصالح التي قد تمنع إصلاح المؤسسات، وإلى المسافة بين المعرفة والقدرة على استخدامها.

وتقودنا، قبل ذلك وبعده، إلى الإنسان الفلسطيني نفسه.

ذلك الإنسان الذي نطالبه بالصمود، ونحتفي بتضحياته، ونستدعي اسمه في الخطب والبيانات، لكننا لا نمنحه دائمًا المكان الذي يستحقه في تقرير الخيارات التي تصنع حياته.

ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مشروع وطني هو أن تصبح قضيته أكبر من الإنسان الذي نشأ من أجله، وأن تتحول المحافظة على المؤسسة أو التنظيم أو الخطاب إلى غاية تتقدم على الحقوق التي يفترض أن تحميها.

فالمؤسسات تُبنى لكي تخدم المجتمع، لا لكي يرثها المجتمع بوصفها قدرًا لا يتغير. والقيادات تكتسب شرعيتها من تمثيل الناس وخدمتهم ومساءلتهم لها، لا من مطالبتهم الدائمة بالوفاء لتاريخها.

والتضحية تكتسب معناها من الحياة والحرية اللتين تسعى إلى حمايتهما، لا من قدرتنا على تحويلها إلى أسطورة لا يجوز الاقتراب منها بالنقد.

وهكذا نعود إلى المسافة الأولى، بين الطفل والطاولة.

ربما تغير العالم كثيرًا منذ فقد الطفل بيته. وربما تغيرت نظرة ملايين البشر إلى فلسطين، وربما بدأت قوى سياسية وثقافية واجتماعية تعيد النظر في مواقفها القديمة.

لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحًا ليس فقط مقدار ما تغير في العالم، بل مقدار ما تغير في قدرة هذا الطفل، حين يكبر، على أن يعيش حرًا، وأن يشارك في اختيار من يتحدث باسمه، وأن يمتلك حق مساءلة من يقرر مستقبله.

في غزة، لا ينتظر الناس أن نخبرهم كم أصبحت قضيتهم حاضرة في ضمير العالم؛ يريدون أن تتوقف أسباب موتهم، وأن يعود لهم حق الحياة.

وفي الضفة، لا يحتاج المزارع الذي يخشى فقدان أرضه إلى خطاب جديد عن الصمود وحده؛ يحتاج إلى شروط تحمي حقه في البقاء والزراعة والعمل.

وفي المخيم، لا يريد اللاجئ أن يبقى ذاكرة معلقة على جدار التاريخ؛ يريد أن تظل حقوقه حاضرة في القرار الوطني، وأن يكون شريكًا في صناعته.

وفي الشتات، لا يريد الفلسطيني أن يُستدعى حين تحتاج القضية إلى صوته، ثم يُترك خارج مؤسساتها حين يحين وقت الاختيار.

هؤلاء جميعًا ليسوا جمهورًا للتاريخ.

إنهم أصحابه.

ولهذا، يا غانية، أرى أن السؤال الذي بدأنا منه لا ينبغي أن ينتهي عند كيفية انتقال الحدث إلى الصدى، والصدى إلى التحول، بل عند السؤال الذي يختبئ خلفها جميعًا:

من يملك المستقبل حين يدفع الشعب ثمن التاريخ؟

فإذا كان التاريخ قد وضع الفلسطيني مرارًا في موقع من يدفع الثمن، فإن التحول الذي يستحق اسمه هو ذلك الذي يعيد إليه حق المشاركة في القرار، والقدرة على الحياة، والحرية في اختيار الطريق.

وعندها فقط لن يكون الفلسطيني حاضرًا في الحدث، وغائبًا عن نتائجه. لن يكون مجرد وجه في صورة تهز ضمير العالم، ولا اسمًا في سجل الضحايا، ولا رقمًا في حسابات القوى الكبرى. سيكون إنسانًا يمتلك الحق في أن يفتح باب بيته، وأن يمشي إلى غده، وأن يقول لمن يتحدثون باسمه: هذا مستقبلي أيضًا.

ولعل ما يمنح الحوار الذي دعوتِ إليه قيمته الحقيقية أنه لم يعد محصورًا في السؤال الأول، بل أخذ يتسع مع كل قراءة نقدية، ومع كل فكرة نلتقي عندها أو نفترق حولها، ومع كل إضافة تفتح نافذة لم تكن في الحسبان. فالأفكار الحية لا تخرج من الحوار كما دخلته؛ إنها تتغير حين تمسها أفكار الآخرين، وتكتشف ما كان غائبًا عنها، وتصبح أكثر قدرة على رؤية ما وراء الحدث.

وهكذا، قد لا تكون قيمة هذه المقالات في أن يتفق أصحابها على إجابة واحدة، بل في أن يتولد من اختلافهم عصف فكري يضيء زوايا المشهد المعتمة، ويصل بين ما بدا متباعدًا، ويفصل بين ما اعتدنا الخلط بينه، حتى يجد القارئ نفسه أمام صورة أشمل، ورؤية أكثر وضوحًا ونصاعة، لا لأنها ألغت الاختلاف، بل لأنها استفادت منه.

فالحقيقة لا تصبح أكثر إشراقًا حين يحتكرها صوت واحد، بل حين تتلاقى حولها العقول، وتختلف دون أن تتخاصم، وتضيف دون أن تلغي ما سبقها.

وربما يكون هذا أول تحول نصنعه معًا: أن ننتقل من الدفاع عن إجاباتنا إلى الشجاعة في مساءلتها، ومن انتظار أن يكتب أحدنا الكلمة الأخيرة إلى الإيمان بأن كل فكرة صادقة تستطيع أن تفتح الطريق لفكرة أعمق.

يحيى بركات
15/10/2026



FB_IMG_1792082523117.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى