مقابلة اخرى مع البريكان في الكويت‏)

كنت اتوقع ان المقابلة يتيمة تلك التي أجراها الشاعر حسين عبد اللطيف مع الشاعر محمود البريكان و نُشر ت في مجلة «الأقلام» العراقية في عام 1969 (وتحديداً في العدد 7 - السنة الخامسة، مارس/آذار 1969).

وكان هذا الحوار النادر والحسّاس قد أُجري في فترة مبكرة ومهمة جداً، حيث سلّط الضوء على موقف البريكان من الشعر والعزلة والتجربة الشعرية في تلك الفترة قبل انقطاعه الطويل وصمته الشهير عن النشر.
وكنت لفت الى ان الاسئلة وضعت والاجوبة كتبها البريكان..
اليوم عثرت على مقابلة اخرى اجريت مع البريكان ابان تواجده مدرسا غي الكويت بذات السنة..
حديث أدبي من البصرة: محمود البريكان يتحدث عن تجربته مع الشعر الحر]

أعد المقابلة: عبد الرزاق سعود المانع

(مستخلصات الملاحظات في الهامش):
الشعر الحر ليس أسهل من الشعر العمودي، وهو يحتاج إلى حس موسيقي خاص وإلى درجة عالية من التركيز..
التجديد الشعري أعمق من مجرد إيثار هذا الضرب أو ذاك من ضروب النظم..
أن تبدع أو لا تبدع: هذه هي المسألة..
التراث لا ينمو بالجمود والتكرار، بل بالتجديد والإضافة..
على الأديب أن يتمسك بأصالته أمام جميع المؤثرات..
وسائل الإعلام بوضعها الراهن تسيء إلى القيم الثقافية الرفيعة..
مقدمة القابلة:

الاستاذ محمود البريكان، مدرس اللغة والأدب العربي، في معهد المعلمين في البصرة، ورئيس تحرير مجلة «الفكر الحي» التي تصدر عن مديرية التربية في لواء البصرة، وهو واحد من الشباب المثقف، ذوي الاطلاع الواسع في الأدبين العربي والغربي، وصديق الشاعر المرحوم (السياب) له تجربة واعية مع الشعر المعاصر، وله فيه رأي خاص، ننقله في هذا الحديث السريع الذي أجريناه معه..

— نحب أن نبدأ ببعض الأسئلة الخاصة، منذ متى بدأتم، يا أستاذ محمود، فرض الشعر؟

• البداية الحقيقية للشاعر هي الفترة التي يتبلور فيها أسلوبه الخاص، وبؤرته من الوجود، وكل ما قبل ذلك فمحاولات بدائية. لقد كتبت كثيراً ومزقت. على أن التحول الشعري لدي بدأ في وقت مبكر جداً، خلال سنوات الدراسة.

— وهل قلتم الشعر في البداية على أسلوب الشعر الحر أو الشعر المقيد؟

• لقد بدأت بداية كلاسيكية، وخبرت ألوان الشعر وأوزانه، ثم اتجهت إلى طرق أبواب جديدة ومن ثم، إلى سلوك سبيل المتحرر في الأوزان. غير أني لم أتخلَ عن العمودي، وبقيت ألتجئ إليه في بعض الحالات، ولا أرى تعارضاً في ذلك.

— سمعت أخيراً أنكم تنوون إصدار ديوان لكم، فما مدى صحة هذا الخبر؟

• في النية إصدار ديوان هو جزء من مجموعة مؤلفاتي الشعرية غير المنشورة، ويُؤمل أن تصدر بعده الأجزاء الأخرى. المشروع قائم، وقد يحتاج إلى بعض الوقت.

— وعن الشعر الحر، ما رأيكم في التهم التي يوجهها خصومه إليه وإلى القائلين فيه؟ على سبيل المثال: أنه إنما يقصده القائلون فيه طلباً للسهولة وقصوراً منهم عن الشعر المقيد؟

• لقد كَثُرَ الكلام حول «الشعر الحر»، كما كَثُرَ الذين ينظمونه من غير المؤهلين، إن أكثر ما يُنشر من الشعر «الحر» لا يمت إلى الشعر ولا إلى الحرية، بل هو كلام هجين، ليس فيه جمال الشعر ولا بساطة النثر. وهذا لا يعني سقوط الشعر الحر، بل سقوط الشعراء. إن الشعر الحر موافق لمطالب التعبير العصري، ولكنه إنما يتألق على أيدي الشعراء الحقيقيين، فأما التافهون فيحولون كل شيء إلى تفاهة، وسواء كتبوا شعراً عمودياً أو حراً فإنهم لن يأتوا بجديد. إن المسألة مسألة خلق، والتجديد الشعري أدق وأعمق بكثير من أن يكون مجرد إيثار هذا الضرب أو ذاك من ضروب النظم. وهكذا يمكنك أن ترى أن الشعر الحر بريء من سخافات المتشاعرين. فالشعر الرديء، رديء سواء كان عمودياً أو حراً. المهم إنما هو إمكانات الخلق. ومع كل ما لحق الشعر الحر من ابتذال، فإننا على ثقة أن الإمكانات الجديدة تجنح إلى الحرية وتحسن استعمالها.

• أما القول بأن الجنوح إلى الشعر الحر سببه القصور عن إتقان الشعر المقيد، فهذا بصراحة كلام يشف عن جهل. ومن المؤكد أن الشعر الحر يبدو «أسهل» لكثيرين وهم أولئك الذين لا يحسنون نظمه ولا قراءته. ولكن أي شاعر حقيقي جرب النظم على الطريقتين: القديمة والجديدة، يستطيع أن يقرر أن كتابة شعر حر جيد تحتاج إلى حس موسيقي خاص، وإلى درجة عالية من التركيز والقدرة، لكي تحقق الشاعر الصياغة العالية والتناغم الداخلي دون أن يقع في شرك النثرية، وهو ما لا ينجح فيه سوى قليل من الشعراء..

— يبرز هنا سؤال؛ أستاذ «محمود»، فهل ترون أن في الأشكال الجديدة نقضاً للتراث القديم؟

• بالطبع كلا.. فالأشكال الجديدة ليست نقضاً للتراث القديم إطلاقاً، بل هي تطوير واعتناء، والحق أن التراث لا ينمو بالجمود والتكرار، بل بالتجديد والإضافة المستمرة. وأنا مثلاً أحب الشعر القديم كل الحب، وولائي عظيم للتاريخ الشعري، ولكني أجد للشعر الجديد طعماً خاصاً لأنه معاصر، والتحرر النسبي في الأوزان مستحسن بقدر ما يعني على تحقيق التجديد الشعري بمعناه العميق. أما أن يكون مجرد بدعة صورية، فلا.

— هل تعتقدون أنه اكتملت للشعر الحر المقومات الضرورية لكي يحيا ويستمر؟

• إنهم إمكانات الخلق، والشعر الحر أقدر على تجسيدها. الأكثريون يقلدون ويبتذلون كل شيء. أما المبدعون فيخلقون أنفسهم، وهؤلاء يخوضون ونادراً معهم أشكالهم. والشعر أشكال، هو نفسه يستقبل المواهب فيس لنبض الشعر الحر أي قيمة في ذاته، التجديد هو أولاً قضية روحية، كلا، لست قلقاً على مصير الأوزان الحرة، ولكن هل تتحقق من خلالها إبداعات عالمية؟ أن نُبدع أو لا نُبدع، هذه هي المسألة!

— المعروف أنكم يا أستاذ؛ تعزفون كثيراً عن النشر، فهل تعتقدون أن هذه هي طريقة الصحيحة في حياة الأديب؟ وبالنسبة للناشئين من الأدباء هل ترون الإقبال على النشر أم التحفظ فيه والإقلال منه أصلح لتقويم نتاجهم؟

• هذا موضوع دقيق، تصعب معالجته في كلمات قلائل. وليس هناك قانون واحد للأدباء، لأن الأدباء مختلفون طاقة وهدفاً. من الأدباء من يناسبهم ويكفيهم النشر في الصحف والمجلات والإذاعات. إنهم يطفون فوق الأحداث اليومية، ويخاطبون الذوق السائد، ويطلبون شهرة لا تدوم ونجاحاً شخصياً خادعاً. وقد يكون لبعضهم دوره وأثره الوقتي المحدود، ومن الأدباء من يتطلعون إلى مستويات خاصة، ويطمحون إلى إنجازات حقيقية باقية وإلى تحقيق أعمال فنية كبيرة. إنهم يتمسكون بأصالتهم أمام مختلف المؤثرات، ومن الطبيعي أن لا ينخرطوا في أية جوقة، وأن يبتعدوا عن الأجواء الأدبية الدعاية، أنهم مشغولون بالحياة والإبداع، وهم يريدون أن يخوضوا قضية الإنسان بالطريقة التي تناسبهم. وبالطبع يكتب المرء ليقرأه الآخرون، ولكن من حقه أن يقرر أسلوب التزامه. ولماذا يجب على أي أديب أن يطل من نافذة الصحافة؟ أو يتكيف لما تقتضيه الإذاعات من إسفاف؟ أنا بقناعة أن وسائل الإعلام في وضعها الراهن تسيء بالجملة إلى القيم الثقافية الرفيعة، وهي تميل إلى تسطيح الأعلام وتحويل الفكر إلى نشاط استعراضي. أنت ترى أن القضية قضية قناعة شخصية، وعلى كل أديب أن يقرر طريقه وأن يحدد وسائله ومجالاته تبعاً لذلك. ولئن كان الأديب مسؤولاً فإنه حر في أن ينهض بمسؤوليته وفق شعوره الخاص التي لا تتفق ومقتضيات العرض والطلب في الحركة الأدبية. على الأديب أن يحمل مسؤوليته وحيداً، ومن الطبيعي أن يتخطى ما هو راهن وأن يغامر على المستقبل.

— أخيراً ما هي اللوازم والشروط الضرورية للشاعر اليوم، في رأيكم؟

• التشبع بالتراث: الشعري والفكري، إلى الحد الضروري لتكوين حس تاريخي مجدّ بالموروثات وبعبقرية اللغة.

الانفتاح على العصر، وتأثل ثقافته ووعي ظواهره وأحداثه.

حب الحقيقة. النقد الذاتي.

وأولاً وأخيراً: أن يكون المرء حياً بل «الحياة».
واسجل هنا ملاحظتي بان الاجابة بقلم المحاور لذا تفتقر الى الدقة ةالرصانة .


الصياد
ايلول
٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى