يحيى بركات - حين يصبح الصمت أداة حرب… ومن باريس تبدأ الفوضى .

في السياسة، ليس الغياب فراغًا.
أحيانًا يكون الغياب أكثر فصاحة من أي خطاب.
وحين يغيب الرأس في لحظة حساسة، لا نسأل فورًا:
أين هو؟
بل نسأل بهدوء أشد قسوة:
من يستفيد من غيابه؟
منذ مطلع هذا العام، بدا المشهد السوري كغرفة أُطفئت أنوارها فجأة.
لا صوت رسمي، لا صورة مؤرخة، لا اجتماع يُمسك بالخيط.
فقط فيديوهات عابرة، بلا زمن، بلا سياق…
كأنها طُعوم بصرية تُلقى في العتمة لتقول: لا تقلقوا… كل شيء تحت السيطرة.
لكن السيطرة، حين تكون حقيقية، لا تحتاج إلى طُعوم.
في مكان آخر، بعيدًا عن دمشق، كانت باريس تستقبل مشهدًا آخر.
طاولة تفاوض، رعاية أمريكية، وفدان غير متكافئين في الوزن ولا في النوايا.
الوفد السوري جاء بثقل الدولة، يقوده وزير الخارجية،
وكأن الرسالة واضحة: نحن هنا لنتكلم باسم كيان يريد أن يخرج من الحريق.
أما الوفد الإسرائيلي، فجاء خفيفًا… خفيفًا إلى حد الفضيحة.
مراتب وظيفية بلا قرار، سفير لا يحمل مفاتيح،
حضور يُشبه الحضور القسري، لا الرغبة السياسية.
هنا تبدأ قراءة الصراع الحقيقي.
إسرائيل لم تأتِ إلى باريس لأنها تؤمن بالتفاوض،
بل لأنها لا تريد صدامًا مباشرًا مع الضغط الأمريكي.
لكنها، في الوقت ذاته، غير معنية إطلاقًا بنجاح هذا المسار.
نجاحه يعني ضبط الإيقاع،
وضبط الإيقاع يعني تقييد اليد التي اعتادت الضرب بلا حساب.
وحين لا تستطيع إفشال التفاوض على الطاولة،
تبحث عن كسره خارجها.
في هذا الفراغ، تعود دمشق إلى الصورة،
ليس بما تقوله، بل بما لا تقوله.
خلافات كامنة، بنية حكم لم تكتمل،
رأس خرج من رحم تنظيمات عقائدية مغلقة،
يحاول اليوم ارتداء بذلة الدولة،
والحديث بلغة البراغماتية، والانفتاح، و«التمسكن كي التمكن».
لكن العقيدة، حين تُسلَّح، لا تفهم اللغة الرمادية.
تقرأ الانفتاح خيانة،
وتقرأ السياسة ضعفًا،
وترى في التفاوض انحرافًا عن الطريق.
هنا، يصبح الصراع داخليًا وخطيرًا في آن واحد.
ليس صراع مواقع، بل صراع معنى.
ومن يعرف تاريخ هذه التنظيمات، يعرف أن الخلاف فيها
لا يُحل دائمًا بالبيانات…
أحيانًا يُحل بالرصاص.
في هذا التوقيت بالذات، تخرج التسريبات الإسرائيلية.
اغتيال محتمل.
خطة إيرانية.
تحذيرات مسبقة.
إسرائيل لا تُحذّر عبثًا.
هي حين تُسمّي القاتل قبل الجريمة،
إما تُضلل،
أو تُمهّد،
أو تُحمّل الفاعل الحقيقي قناعًا جاهزًا.
اغتيال أحمد الشرع – أو حتى إضعافه وإخراجه مؤقتًا من المشهد
ليس تفصيلًا أمنيًا،
بل مفتاح فوضى.
فوضى تعني:
تفكك القيادة،
انفجار الأجنحة،
عودة السلاح إلى الداخل،
وانهيار أي مسار سياسي ناشئ.
وحين تعمّ الفوضى، تظهر إسرائيل في صورتها المفضلة:
المُنقذ الكاذب،
حامي الأقليات،
الوصيّ على الخراب.
دروز، مسيحيون، أكراد…
عناوين إنسانية جاهزة لتبرير تدخل مدروس،
في بلد لا يحتاج مزيدًا من النار.
هنا تبلغ الحكاية ذروتها.
ليس السؤال اليوم:
هل أُصيب أحمد الشرع؟
ولا: من أطلق النار؟
ولا: هل كانت مؤامرة داخلية أم اختراقًا خارجيًا؟
السؤال الأخطر هو:
هل يُسمح لسوريا أن تخرج من الفوضى أصلًا؟
ما يجري ليس حدثًا مكتمل الأركان،
بل بروفة خطيرة لما يمكن أن يحدث إن سقط التوازن الهش.
صمتٌ يُدار،
تسريبات تُطلق،
ومسار تفاوض يُفرَّغ من معناه قبل أن يولد.
بين باريس ودمشق،
لا تُكتب السياسة بالحبر،
بل بالفراغ.
وحين يصبح الصمت أداة حرب،
يكون علينا أن نصغي جيدًا…
لأن ما لا يُقال، غالبًا،
أخطر بكثير مما يُقال.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى