يحيى بركات - ما بعد الإبادة… سؤال الحامل السياسي الفلسطيني نحو أفق لا يبيع الوهم ولا يترك الناس في العراء

لم يُكتب هذا النص لأن فكرة جديدة خطرت فجأة.
كُتب لأن أسئلة كثيرة، متشابهة في الألم، مختلفة في الصياغة، وصلت من كل الجهات:
من غزة، من الضفة، من المخيم، من المنفى.
أسئلة بسيطة في لغتها، ثقيلة في معناها، تقول جميعها شيئًا واحدًا:
إذا كانت هذه هي السياسة التي عشناها، فأين نذهب الآن؟
ومن يحملنا بعد كل هذا؟
هذا المقال موجّه للغالبية التي تسأل، لا للنخبة التي تجيب عن نفسها.
وهو يبدأ من نصٍّ مختصر، هو أساس الفكرة، ثم ينفتح عليه، ويشرحه، ويمشي معه خطوة خطوة، دون قفز، ودون اختصار، ودون ترك القارئ في منتصف الطريق.
لم يكن الفلسطيني، في غزة أو الضفة أو المخيم أو المنفى، بحاجة إلى تحليل سياسي ليعرف أن شيئًا ما انكسر.
كان يعرف ذلك من نظرته في المرآة، من صمته الطويل، من شعوره الثقيل بأن السياسة التي تتكلم باسمه لم تعد قادرة على حمايته، ولا حتى على تفسير ما يحدث له.
الإبادة لم تترك الفلسطيني بلا بيوت فقط،
تركته بلا لغة سياسية قادرة على احتوائه.
وهنا يبدأ السؤال الذي لا يمكن تأجيله أكثر:
من يحمل المشروع الفلسطيني اليوم؟ وكيف؟
ولماذا؟
هذا ليس سؤالًا نخبويًا، ولا تمرينًا فكريًا.
إنه سؤال إنساني مباشر يطرحه المواطن البسيط حين يقول:
نحن نموت… ولا أحد يملك جوابًا.
لأن الفلسطيني اكتشف، تحت النار، أن السياسة التي تُدار باسمه: تُدير الوقت بدل أن تكسره،
تُدير الخسارة بدل أن تواجهها،
تُدير البقاء بدل أن تحمي المعنى.
وحين نتحدث عن الحامل السياسي، لا نتحدث عن حزب جديد، ولا عن فصيل بديل، ولا عن اسم يُستبدل باسم،
بل عن قدرة جماعية على حمل المشروع الوطني، وتمثيل الناس، وتحويل المعاناة إلى فعل سياسي ذي معنى.
ما نبحث عنه ليس قفزة في الفراغ، ولا خطابًا حماسيًا بلا أدوات،
ولا إعادة تدوير للنموذج نفسه بلغة جديدة،
بل أفق خروج…
لا يترك الناس في العراء.
ومن هنا، دون قطع أو فاصلة، يبدأ الشرح.لأن هذه الجمل، على بساطتها،
تخبئ وراءها حياة كاملة عاشها الناس، ويجب أن تُفهم كما عاشت،
لا كما تُنظَّر.
الشرح… حين تصبح السياسة تجربة يومية لا فكرة مجردة
حين نقول إن السياسة تُدير الوقت بدل أن تكسره،
فهذا ليس توصيفًا لغويًا.
هو ما عاشه الفلسطيني يومًا بعد يوم،
حين صار الزمن نفسه عبئًا.
الأم التي تنتظر وقف إطلاق نار مؤقتًا لتدفن طفلها،
العامل الذي ينتظر تصريحًا ليعمل أسبوعًا إضافيًا،
الطالب الذي ينتظر عامًا آخر ليكمل دراسة قد لا تفتح له بابًا…
كلهم يعيشون سياسة لا تغيّر المسار، بل تطيل الانتظار.
السياسة التي لا تكسر الزمن،
تجعله يعمل ضد الناس.
وحين نقول إنها تُدير الخسارة بدل أن تواجهها،
فنحن نتحدث عن لغة اعتاد الفلسطيني سماعها:
شرحٌ للهزيمة، تبريرٌ لها، تطبيعٌ معها.
حتى صارت الخسارة حدثًا عاديًا،
وصار المطلوب من الناس أن يتأقلموا، لا أن يسألوا: لماذا؟
أما حين تُدير البقاء بدل أن تحمي المعنى،
فهنا يصل الانكسار إلى عمقه.
لأن الإنسان لا يعيش ليبقى حيًا فقط.
يعيش ليعرف لماذا بقي، وإلى أين يذهب.
حين تقول السياسة للناس:
ابقوا أحياء
ولا تقول لهم:
من أجل ماذا؟ وبأي أفق؟
فهي تتركهم بلا معنى، حتى وهم يتنفسون.
ومن هنا يصبح سؤال الحامل السياسي سؤال حياة، لا تنظير.
ما الحامل السياسي بلغة الناس؟
الحامل السياسي هو ذاك الإحساس البسيط، العميق، الذي يجعل الفلسطيني يشعر أنه ليس وحيدًا.
أن صوته لا يضيع في الهواء،
أن ألمه مفهوم،
أن مصيره ليس مؤجلًا بلا نهاية.
حين يغيب هذا الحامل: يصبح الشعب حاضرًا في الخطب، غائبًا عن القرار،
وتتحول المؤسسات إلى مبانٍ بلا روح،
وتصبح السياسة إدارة صامتة للألم.
ولذلك، لا يكفي تغيير الأشخاص،
ولا تبديل الوجوه،
ولا إعادة ترتيب المقاعد.
لأن الكرسي لا يحمل مشروعًا.
الذي يحمله هو المعنى، والرؤية، والعلاقة مع الناس.
ماذا لا نريده… كي لا نخدع أنفسنا؟
لا نريد قفزة عمياء،
ولا مغامرة بلا حساب،
ولا لغة نار بلا خبز.
ولا نريد أيضًا ترميم بيتٍ أثبتت الإبادة أن أساسه تصدّع.
ما نريده طريقًا يُفتح، لا بابًا يُغلق.
طريق يعرف أن الخروج لن يكون سريعًا،
لكن البقاء في المكان نفسه صار أخطر.
التمثيل… حين يعود الناس إلى قلب الصورة
أي حامل سياسي لا يعيد الناس إلى مركز القرار،
سيبقى ناقصًا مهما حسنت نواياه.
التمثيل ليس تفويضًا أبديًا،
ولا اسمًا تاريخيًا،
ولا احتكارًا باسم الماضي.
التمثيل الحقيقي هو أن يشعر الفلسطيني، أينما كان،
أن مكانه محفوظ في المشروع،
لا في الهامش.
البرنامج… حين تصير الكلمات التزامًا
السياسة بعد الإبادة لا تحتمل لغتين.
ولا خطابين.
ولا غموضًا أخلاقيًا.
الناس لا تطلب شعرًا سياسيًا،
تطلب وضوحًا يمكن أن تُحاسَب عليه السياسة،
كما تُحاسَب الحياة.
بين الواقعية والثورية… الطريق الذي لا يكذب
هذا الطرح لا يدعو إلى قفز فوق الواقع،
ولا إلى التكيّف مع الانهيار.
يدعو إلى رؤية ترى الزمن كما هو،
وتعرف أن القطيعة أفق،
وأن العبور مسار،
وأن الصبر قرار سياسي، لا انتظارًا أعمى.
الخاتمة… حين يستعيد القارئ أنفاسه
بعد الإبادة، لم يعد السؤال:
من يحكم؟
ولا من يفاوض؟
ولا من ينتصر؟
السؤال الوحيد الذي بقي واقفًا وسط الركام هو:
من يحمل هذا الشعب كي لا يسقط؟
هذا المقال لا يعد بالخلاص،
ولا يملك وصفة سحرية،
لكنه يرفض أن يترك الناس بلا معنى.
لأن ما بعد الإبادة ليس كما قبلها،
ومن يواصل السياسة القديمة كأن شيئًا لم يحدث،
إنما يترك الفلسطيني وحيدًا في العراء.
وسؤال الحامل السياسي،
ليس ترفًا فكريًا،
بل محاولة أخيرة لاستعادة القدرة على الفعل،
وحماية المعنى من الموت.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
10/1/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى