في دروب الحياة الطويلة، لا يكون الامتحان في ما نراه، بل في ما يُخفى عنا بإتقان.
فثمة بشر لا يعيشون بوجوههم الحقيقية، بل بنُسخٍ مصقولة بعناية، صُمّمت لتنال القبول لا لتقول الحقيقة.
أقنعة تتبدّل، ونوايا تتوارى، حتى يغدو الزيف عندهم أسلوب عيش، لا طارئًا يُستحى منه.
نصادف منافقين لا يعرفون من الصدق إلا اسمه، وناكري معروف يتعاملون مع الإحسان كدينٍ ثقيل، ونرجسيين يدور الوجود في فلك ذواتهم، وحاقدين لا يحملهم الحقد على شيء بقدر ما يحملهم على أنفسهم.
قلوب أظلمها تراكم الخيبات، حتى صارت ترى الخير تهديدًا، والنجاح عند الآخرين إهانة شخصية.
هم لا يؤذون لأنهم أشداء، بل لأنهم عاجزون عن مواجهة ذواتهم. يوزّعون الابتسامات كما تُوزّع العملات الزائفة، لامعة من الخارج، خاوية من القيمة.
وفي الداخل، تُدار حوارات صامتة مع الخوف، ويُعقد تحالف خفيّ مع المصلحة.
لا يعرفون من العلاقات إلا ما يُستخدم، ولا من المبادئ إلا ما يُستعار عند الحاجة.
قد ترفعهم الأقدار أحيانًا إلى مواقع لا تشبههم، لا لأنهم أهل لها، بل لأنهم أتقنوا الإصغاء حيث ينبغي، والصمت حيث يجب، والتصفيق في اللحظة المناسبة. يظنون أن المكانة تُكتسب بالاقتراب لا بالكفاءة، وبالانحناء لا بالاستقامة، فينسون أن ما يُبنى على الالتفاف لا يقوى على الثبات.
المؤلم حقًا ليس صعودهم المؤقت، بل يقينهم بأنهم غير مرئيين على حقيقتهم. يثقون أن الأقنعة تخدع الجميع، وأن النوايا لا تُقرأ، غافلين عن أن بعض الأرواح ترى بالقلب أكثر مما ترى بالعين، وأن الزمن، مهما طال، لا ينسى كشف ما تأجّل ظهوره.
ننظر إليهم بشيء من الشفقة، لا لأنهم آذونا، بل لأنهم أنهكوا أنفسهم قبل غيرهم. فالزيف عبء ثقيل، والحقد إقامة دائمة في قلق، ومن جعل التملّق وسيلته، عاش خائفًا من فقدان الطريق. لذلك لا نحمل لهم إلا دعاءً خالصًا: أن تهتدي قلوبهم قبل أن يبتلعها ما صنعت.
وفي نهاية التأمل، يظلّ الصدق، وإن بدا وحيدًا، أكثر ثباتًا من كل الأقنعة.
قد يتأخر حضوره، وقد يُقصى زمنًا، لكنه لا يساوم. أمّا الزيف، فمهما أتقن لعب دوره، لا يجيد نهاية المشهد.
#رائد_قديح
فثمة بشر لا يعيشون بوجوههم الحقيقية، بل بنُسخٍ مصقولة بعناية، صُمّمت لتنال القبول لا لتقول الحقيقة.
أقنعة تتبدّل، ونوايا تتوارى، حتى يغدو الزيف عندهم أسلوب عيش، لا طارئًا يُستحى منه.
نصادف منافقين لا يعرفون من الصدق إلا اسمه، وناكري معروف يتعاملون مع الإحسان كدينٍ ثقيل، ونرجسيين يدور الوجود في فلك ذواتهم، وحاقدين لا يحملهم الحقد على شيء بقدر ما يحملهم على أنفسهم.
قلوب أظلمها تراكم الخيبات، حتى صارت ترى الخير تهديدًا، والنجاح عند الآخرين إهانة شخصية.
هم لا يؤذون لأنهم أشداء، بل لأنهم عاجزون عن مواجهة ذواتهم. يوزّعون الابتسامات كما تُوزّع العملات الزائفة، لامعة من الخارج، خاوية من القيمة.
وفي الداخل، تُدار حوارات صامتة مع الخوف، ويُعقد تحالف خفيّ مع المصلحة.
لا يعرفون من العلاقات إلا ما يُستخدم، ولا من المبادئ إلا ما يُستعار عند الحاجة.
قد ترفعهم الأقدار أحيانًا إلى مواقع لا تشبههم، لا لأنهم أهل لها، بل لأنهم أتقنوا الإصغاء حيث ينبغي، والصمت حيث يجب، والتصفيق في اللحظة المناسبة. يظنون أن المكانة تُكتسب بالاقتراب لا بالكفاءة، وبالانحناء لا بالاستقامة، فينسون أن ما يُبنى على الالتفاف لا يقوى على الثبات.
المؤلم حقًا ليس صعودهم المؤقت، بل يقينهم بأنهم غير مرئيين على حقيقتهم. يثقون أن الأقنعة تخدع الجميع، وأن النوايا لا تُقرأ، غافلين عن أن بعض الأرواح ترى بالقلب أكثر مما ترى بالعين، وأن الزمن، مهما طال، لا ينسى كشف ما تأجّل ظهوره.
ننظر إليهم بشيء من الشفقة، لا لأنهم آذونا، بل لأنهم أنهكوا أنفسهم قبل غيرهم. فالزيف عبء ثقيل، والحقد إقامة دائمة في قلق، ومن جعل التملّق وسيلته، عاش خائفًا من فقدان الطريق. لذلك لا نحمل لهم إلا دعاءً خالصًا: أن تهتدي قلوبهم قبل أن يبتلعها ما صنعت.
وفي نهاية التأمل، يظلّ الصدق، وإن بدا وحيدًا، أكثر ثباتًا من كل الأقنعة.
قد يتأخر حضوره، وقد يُقصى زمنًا، لكنه لا يساوم. أمّا الزيف، فمهما أتقن لعب دوره، لا يجيد نهاية المشهد.
#رائد_قديح