د. حسام عقل - مواجهة المحو والطمس بالقوة الناعمة في عدالة الذئاب... ج1

ج1


تُعد رواية الكاتب أحمد عبد الله إسماعيل وثيقة أدبية ونقدية تستشرف ملامح الصراع المعاصر، مقدمةً رؤيةً سرديةً تتجاوز التقليد لتشتبك مع مفهوم "القوة الناعمة" في أبهى تجلياتها. وفيما يلي قراءة نقدية للمحتوى الروائي:
عتبة النص: دلالة الإهداء ورمزية المكان
يستهل الكاتب عمله بإهداءٍ لافت يحمل شحنة شعورية وسياسية مكثفة، حيث يوجه خطابه إلى "المخيمات المكشوفة". هذا الاختيار ليس مجرد لفتة إنسانية، بل هو استدعاء بليغ لمرجعيات الصراع العربي الإسرائيلي، وإحالة مباشرة إلى ملاحم المقاومة في غزة، وخان يونس، ودير البلح. لقد نجح الراوي في جعل الإهداء "وميضاً" استباقياً يحدد طبيعة الصراع الذي سيتشكل بين دفتي الرواية، محولاً المفردة المكانية إلى أيقونة للصمود.

المثاقفة وصراع الهويات
يطرح العمل إشكالية "المثاقفة الحضارية" والعلاقة الجدلية بين الشرق والغرب، والمسلم والآخر. غير أن الكاتب يذهب أبعد من ذلك عبر "تجفيف" هذا التماس وتركيزه في بوتقة الصراع العربي الإسرائيلي، مستخدماً الرياضة كحقلٍ تجريبي لهذه المواجهة.
لقد كان اختيار نادي "مكابي تل أبيب" – بجذوره الضاربة في عهد الحكم العثماني عام 1906 – اختياراً موفقاً يعكس وعياً تاريخياً عميقاً. إن تحول اهتمام الكاتب من الحقول التقليدية (كالإعلام والثقافة …) إلى الرياضة كقوة ناعمة، يعكس فقه المتغيرات العالمية. وهنا يحضر "محمد صلاح" كنموذج إرشادي (Paradigm) كسر الحواجز النفسية في الوجدان الغربي؛ فالسجود على عشب "الأنفيلد" لم يكن مجرد طقس تعبدي، بل كان فعل تأقلمٍ حضاري فرض الهوية العربية الإسلامية في قلب الفضاء الأوروبي، محولاً الصورة الذهنية من "إسلام الإرهاب" إلى "إسلام التسامح والإنجاز".
بنية النص: المشاكسة النقدية والتدفق السردي
من الزاوية البنيوية، يقع النص في مائة وثلاث وخمسين صفحة موزعة على عشرين فصلاً. وهنا تبرز "المشاكسة النقدية" تجاه الإيغال في التفتيت؛ فبالرغم من أن تقسيم الفصول يمنح القارئ مساحة لالتقاط الأنفاس، إلا أن بعض الفصول كانت تفتقر إلى الكثافة التي تبرر استقلالها، وكان من الأجود دمجها لتقليص العدد، بما يحافظ على وحدة التدفق الدرامي دون الإخلال بالبنية العامة.

اللغة المشعة واستعادة الذات
تتجلى عبقرية اللغة عند أحمد عبد الله إسماعيل في "الجمل المفتاحية المشعة"؛ فتوصية الأب "سمير" لابنه بالبحث عن أهله في جملة "ابحث عن أهلك ولا تقطع حبال المودة" ليست مجرد نصيحة أسرية، بل هي صرخة في وجه "الموجة الاستعمارية الجديدة" التي تسعى لتفتيت المفتت. إنها دعوة للتمسك بالهوية في زمن "مؤسسة راند" والمشاريع التي تهدف لتحويل العالم العربي إلى إمارات أندلسية ممزقة.
يتجسد هذا التحول في رحلة "شلومو/سليمان"؛ فالشاب الموزع بين ولاءات متناقضة يجد نفسه في نهاية المطاف يسترد "عقاله وشاله الفلسطيني". هذا الشال الذي تحول في الفضاء الرقمي إلى "كود" للمنع والحظر والتقييد والمصادرة، بات رمزًا للمقاومة الناعمة. لقد استطاع الكاتب أن يبرز كيف أن الصراع هو في جوهره "معركة تاريخ"، حيث تتصادم المسميات (الضفة مقابل يهودا والسامرة، والأقصى مقابل الهيكل)، مما يضع القارئ في بؤرة السجال الفكري الوجودي.

بلاغة التورية وحرب الفضاء الأزرق
يستخدم الكاتب "بلاغة التورية" بذكاء حاد في عبارة "رفضت العيش في بيت اغتصبه نيتانياهو"؛ فالمعنى القريب يحيل إلى شخصية درامية في النص، بينما المعنى البعيد المقصود هو التمرد على المشروع الليكودي التوسعي. إن تخلص الراوي من الأب (سمير) في منتصف الرواية وتصعيد الابن (سليمان) كان قرارًا فنيًا بارعًا؛ ليثبت أن القضية لا تموت برحيل جيل، بل تستمر في "المفكرة" والوصايا.
أما الإضافة النوعية للرواية، فهي تسليط الضوء على "الحروب الرقمية"؛ حيث تغيب البوارج والطائرات وتحل محلها "اللجان الإلكترونية" والحسابات الوهمية. لقد كشف الكاتب زيف "الفضاء الأزرق" الذي يُدار بمشاريع مثل "إستر" لشيطنة العربي، وفي المقابل، أظهر كيف نجحت عدالة القضية في كسب الرأي العام العالمي، وتحويل الساحة الرقمية إلى ميدان لانتزاع الحق الأدبي والمعنوي.

إن رواية أحمد عبد الله إسماعيل هي صرخة أدبية تثبت أن الصراع المعاصر لم يعد يُحسم بالرصاص وحده، بل في أروقة الذاكرة ومنصات التواصل الاجتماعي. إنها رواية "استعادة الهوية" التي تنتهي بعودة الابن إلى أصله، معلناً بملء فيه: "أهلي غزة"، في مواجهة كل محاولات المحو والطمس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى