حسين عبروس - الذكاء الخارق وأزمة المعنى...!

تقديم:
ماذا يريد النّاس من القرن القادم... هل يريدون زوال البشرية بالحروب أم يريدون زوالها بالمجاعات والأوبئة أم يريدون من الروبوتات هي من ستكمل مسيرة التي بدأها الإنسان الحافي القدمين ،وهو يدوّن تاريخ الكون في شتّى مجالات العلوم والمعارف والإبداع،وهل سيكون العصر القادم عصر الذكاء" الخارق" الذي يتجاوز الذكاء الاصطناعي،ومع كل هذا لا شك أنّ كثير من الناس في هذا العالم سينسون مبدع الكون العظيم ومدبره الأوحد...!؟ - يدخل الإنسان القرن القادم وهو يقف على ذروة غير مسبوقة من التقدّم العلمي والمعرفي، غير أنّ هذه الذروة لا تقابلها بالضّرورة طمأنينة وجودية أو وضوح أخلاقي. فقد أصبح السؤال المركزي الذي يفرض نفسه اليوم سؤال المصير لا الإنجاز، وسؤال البقاء لا التطوّر. ماذا يريد الإنسان من مستقبله حقًّا؟ أيريد أن يكتب خاتمته بيده عبر حروبٍ بلغت من الذكاء ما يفوق حكمة صانعيها، أم عبر مجاعاتٍ تُنتجها منظومات الاحتكار أكثر مما تفرضها ندرة الموارد، أم عبر أوبئة تكشف هشاشة النظام القيمي قبل هشاشة الجسد؟ أم إنّ الإنسانية تمضي، بوعي أو بدونه، نحو تسليم مشعل الحضارة لكيانات اصطناعية تواصل المسيرة التي بدأها الإنسان الأول، وهو يخطّ بقدميه الحافيتين أولى صفحات تاريخ الكون والمعرفة؟
لم يشهد التاريخ مرحلة امتلك فيها الإنسان هذا الكمّ من أدوات الفناء الذاتي كما يشهده اليوم. فالحروب الحديثة لم تعد مجرّد صراعات سياسية أو اقتصادية محدودة، بل تحوّلت إلى تهديد كوني قادر على محو الحياة في نطاق واسع. ومع ذلك، فإنّ الخطر الأكبر لا يكمن في الحروب الصاخبة وحدها، بل في أشكال الفناء البطيء الصامت مجاعات في عالمٍ تتراكم فيه الثّروات، وأوبئة في زمنٍ بلغ فيه الطب ذروة التقدّم، ودمار بيئيّ تقف خلفه سياسات الجشع لا حتميات الطبيعة. إنّ هذه المفارقات تكشف بوضوح أن الأزمة المعاصرة ليست أزمة معرفة، بل أزمة
قيّم وإدارة أخلاقية للمنجز العلمي،وفي سياق هذا الاضطراب، تبرز التكنولوجيا الحديثة، وفي قلبها الذكاء الاصطناعي، بوصفها أعظم منجزات العقل البشري وأكثرها إثارة للأسئلة الوجودية، فقد تجاوزت الآلة وظيفتها التّقليدية كأداة، لتغدو نظامًا قادرًا على التّعلّم والتّحليل واتخاذ القرار، بل والمشاركة في الإبداع. وهنا يطرح السّؤال نفسه بإلحاح: أيّ مستقبل يمكن أن يُبنى بعقلٍ مجرّد من الضمير، وبقدرةٍ منفصلة عن الحكمة؟ وهل تمضي الإنسانية نحو شراكة متوازنة بين الإنسان والآلة، أم نحو إزاحة تدريجية للإنسان عن مركز الفعل الحضاري؟
إنّ الحديث المتزايد عن مرحلة “الذكاء الخارق”، التي قد تتجاوز الذكاء الاصطناعي والقدرات البشرية معًا، يفتح أفقًا فلسفيًا بالغ الحساسية. فالمسألة لا تتعلّق بقدرة هذا الذكاء على الحساب أو التنبؤ، بل بطبيعته القيمية. ذلك أن العقل، مهما بلغ من التفوّق، إذا انفصل عن منظومة أخلاقية ضابطة، تحوّل إلى قوة عمياء. والتاريخ الإنساني يبرهن أن أخطر الكوارث لم تكن ثمرة الجهل، بل نتيجة معرفةٍ غير مؤطَّرة بالمسؤولية، وقوةٍ لا يقيّدها وازع أخلاقي.
وتتجلّى المفارقة الكبرى في أنّ الإنسان الذي خرج من الكهوف الأولى، ورفع بصره نحو السماء ليقيس الزمن، ويستكشف قوانين الطبيعة، ويؤسّس العلوم والمعارف، هو نفسه الذي يقف اليوم متردّدًا أمام نتاج عقله، عاجزًا عن حسم موقعه منه. لقد راكم الإنسان معرفة هائلة، لكنه في المقابل فقد بوصلته القيمية. وحين يُختزل مفهوم التقدّم في التفوّق التقني والسرعة والقدرة، يغدو الإنسان ذاته عنصرًا ثانويًا في معادلة حضارية لا تعترف بالقيمة الإنسانية إلا
بقدر ما تنتجه،وفي خضمّ هذا المشهد، يبرز الغياب الأعمق والأخطر: غياب الوعي بمبدع الكون ومدبّره الأوحد. فكثير من الخطابات المستقبلية المعاصرة تتعامل مع الوجود وكأنه نتاج صدفة عمياء، ومع التاريخ بوصفه مسارًا بلا غاية، ومع الإنسان باعتباره السيّد المطلق لمصيره. وحين يُقصى البعد الإيماني عن الفعل الحضاري، يختلّ الميزان، وتُفقد المرجعية التي تضبط العلاقة بين القوة والعدل، وبين العلم والمعنى. فالقيم لا تنبثق من الخوارزميات، ولا تُستمدّ من المعادلات، بل من وعيٍ أعلى يمنح الفعل الإنساني مشروعيته وحدوده في آنٍ واحد.
إنّ القرن القادم ليس قدرًا حتميًا يُفرض على البشرية، بل هو نتاج خيارات أخلاقية تُتّخذ اليوم. فإمّا علمٌ مؤطَّر بالحكمة، وتكنولوجيا تُسخَّر لخدمة الإنسان، وإمّا ذكاءٌ بلا روح، وحضارة تُقصي الإنسان باسم التقدّم. إنّ المستقبل، في جوهره، لا يحتاج إلى عقول خارقة بقدر ما يحتاج إلى ضمائر يقظة، وإلى وعي يعيد الإنسان إلى موقعه الحقيقي بوصفه مستخلفًا مسؤولًا لا متسلّطًا متغطرسًا.
وخلاصة القول، إنّ التّهديد الأكبر الذي يواجه الإنسان في القرن القادم لا يتمثّل في الذكاء الاصطناعي ولا في الآلة ولا حتى في الحروب، بل في الفراغ الرّوحي الذي يجرّد التقدّم من معناه. فإذا لم يُصالح الإنسان علمه مع قيمه، وقوته مع أخلاقه، ومعرفته مع إيمانه، فإنّ السّؤال لن يكون عن شكل المستقبل، بل عن جدارة الإنسان بأن يكون له مستقبل أصلًا.
Peut être une image de costume et océan

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى