رائد قديح - من استقلال القرار الوطني الفلسطيني إلى زمن #الوصاية المندوب السامي الأمريكي على غزة... بيان رأي

لم يكن استقلال القرار الوطني الفلسطيني يوماً تفصيلاً ثانوياً في المشروع الوطني، بل كان جوهر الصراع كله.
فالقضية الفلسطينية لم تُختزل يوماً في مواجهة عسكرية فقط، بل في معركة متواصلة ضد الوصاية، وضد تحويل الفلسطيني إلى موضوع يُدار، لا فاعلاً يقرّر.
دفع الشعب الفلسطيني، وثورته المعاصرة، ثمناً باهظاً للحفاظ على هذا الاستقلال: دماء لا تُحصى، منافي طويلة، سجون مفتوحة، وأجيال كاملة استُهلكت في سبيل أن يبقى القرار فلسطينياً، لا تابعاً ولا ملحقاً.

اليوم، وبفعل فشلٍ سياسي مركّب، وعناد فصائلي أعمى، وغياب رؤية وطنية جامعة، يجري تفكيك هذا الإنجاز التاريخي من الداخل.
لم يعد الخطر محصوراً في العدوان الإسرائيلي المباشر، بل في تحويل الكارثة إلى نظام حكم، والمأساة إلى أداة إدارة، والدم الفلسطيني إلى ورقة تفاوض.
في غزة، لم نعد أمام احتلال تقليدي فحسب، بل أمام صيغة
#انتداب_حديثة.
مندوب سامي أمريكي جديد، يقرّر شكل الهدنة، وسقف الإعمار، وحدود الغذاء والدواء، ومتى يُفتح المعبر ومتى يُغلق، ومن يُسمح له بالحياة ومن يُترك للموت البطيء.
هذا ليس توصيفاً مجازياً، بل واقعاً سياسياً يُفرض بالقوة، ويُدار بالصمت، ويُبرَّر بخطاب الإنكار.

الأخطر من ذلك أن بعض الفصائل، التي صادرت التمثيل واحتكرت القرار، لم تكتفِ بالعجز، بل وفّرت الغطاء السياسي والأخلاقي لهذه الوصاية، عبر استبدال المشروع الوطني بإدارة الأزمة، واستبدال التحرير بتكريس الأمر الواقع، واستبدال الشعب بتنظيم أرعن.

وهكذا، وبدلاً من أن يكون القرار الوطني أداة تحرر، فقد تم تحييده وتهميشه تماماً إن لم يكن تصفيته. وأُجبر اليوم على البحث عن خيمة تحميه من شتات الداخل قبل عدوان الخارج.

إن ما يجري ليس قدراً ولا مؤامرة خارجية فقط، بل نتيجة مباشرة لغياب الشراكة الوطنية، ولمصادرة حق الشعب الفلسطيني في الاختيار والمحاسبة.
فلا مقاومة بلا سياسة، ولا سياسة بلا شعب، ولا شرعية بلا مساءلة.
إن فلسطين لا تحتاج إلى أوصياء جدداً، ولا مندوبين ساميين بأسماء مختلفة، ولا فصائل تتصرّف كأن الوطن ملك خاص. فلسطين تحتاج قراراً وطنياً مستقلاً، جامعاً، يُعيد الاعتبار للشعب بوصفه صاحب السيادة الوحيد.

هذه لحظة قول الحقيقة كاملة، لا نصفها.
لحظة استعادة القرار، لا التكيّف مع ضياعه.
لأن القضية التي تُدار من الخارج، مهما رفعت من شعارات،
تفقد روحها… وتُترك لمصيرها.

_ رائد قديح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى