زكريا صبح - فلسفة "العدالة" والاشتباك الروائي في رواية عدالة الذئاب للأديب المصري أحمد عبدالله إسماعيل... الجزء الأول

الجزء الأول



ثمة كُتّابٌ لا يخطّون الحروف عَبثاً، بل يؤسسون "مشروعاً كينونياً" تتقاطع فيه الرؤية الفلسفية بالصنعة الأدبية. والكاتب أحمد عبد الله إسماعيل واحد من هؤلاء الذين ينتقون مضامينهم بعناية فائقة، غير هيّابٍ من ولوج "عش الدبابير" أو مقاربة المسكوت عنه؛ لذا فإن نصوصه لا تمنح قيادها للقارئ العابر، بل تستوجب يقظةً نقدية، وتأويلاً عميقاً يفكك شفراتها العصية.

من تجريد الفكرة إلى رسم العالم الروائي، بزغت هذه الرواية في ذهن الكاتب بوصفها "فكرة ذهنية"، استوطنت مخيلته حيناً من الدهر حتى استوت على سوقها واكتمل اختمارها. ونحن هنا بإزاء مغامرة إبداعية شاقة؛ فالكتابة انطلاقاً من "الفكرة المجردة" تُعد من أصعب دروب الرواية وأكثرها وعورة؛ إذ يتطلب الأمر جهداً مضنياً لتحويل التجريد إلى كائن حي، وبناء عالمٍ درامي متكامل، تتنفس فيه الشخصيات في فضاءاتها الخاصة، لتنبثق من تلك التفاعلات الاجتماعية المعقدة رواية شامخة، قامت أصلاً على مدماك فكرة مجردة، وهي: فكرة العدالة.

إن "العدالة" تلك القيمة الضاربة في قدم التاريخ، تظل هي الحلم الإنساني المستعصي على التحقق الكامل. ويبدو أن الكاتب يتبنى رؤية ترى في صراع الخير والشر الأزلي حائلاً دون قيام عدالة مطلقة على هذه الأرض؛ فالواقع، بشراسته وتناقضاته، يجهض الأحلام المثالية في مهدها.


Messenger_creation_0E79145F-1D6E-4692-8135-0D2DC4FFB50A.jpeg

لم يكتفِ الكاتب بالتحليق في فضاء التجريد، بل أسقط رؤيته على الواقع المأزوم، متخذاً من "الصراع العربي-الإسرائيلي" بؤرة لعمله ومحوراً لارتكازه. هنا، تتجلى المفارقة الأدبية في أبهى صورها؛ حيث يعالج الكاتب مفهوم العدالة الغائب من خلال تصوير صراعٍ يجسد قمة "اللا عدالة" في العصر الحديث. لقد استطاع ببراعة أن يرسم عالماً روائياً يوثق فيه انكسار العدل أمام صخرة هذا الصراع الوجودي.

إن الكاتب أحمد عبد الله إسماعيل يمتلك وعياً حاداً بأدواته ومقاصده؛ وهذه الرواية ما هي إلا برهانٌ جديد على أننا أمام قلمٍ يستحق الحفر في دلالاته. إنها دعوة مفتوحة لكل ناقد وقارئ لفك شفرات هذا العمل، مستندين إلى وعي بالخلفية الثقافية والسياسية التي تغلغل فيها الكاتب، لإدراك ما وراء الحروف من رؤى ومواقف.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى