يحيى بركات - حين يتكلم الداخل… ويسقط الصمت

لم يبدأ الأمر برسالة.
الرسالة كانت اللحظة التي سُمِع فيها الصوت فقط.
قبلها، كان كل شيء حاضرًا
في يوم الناس:
تعبٌ مزمن، ضيقٌ لا يجد اسمًا، إحساسٌ بأن القرارات تُصنع في مكانٍ لا نراه…
ثم تُلقى على حياتنا كأمر واقع.
لكن ما كان غائبًا هو شيء واحد: الإذن بالكلام.
حين كتب عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، السيد توفيق الطيراوي رسالته المفتوحة إلى الرئيس محمود عباس، لم يقرأها الناس كخبر عابر.
قرأوها كعلامة.
علامة تقول: إذا كان الكلام خرج من قلب المؤسسة نفسها…
فلماذا نبقى نحن صامتين؟
لهذا “اشتعلت النار” حول الرسالة.
لا لأنها كشفت جديدًا بالكامل، فالناس تعرف.
الموظف يعرف، والقاضي يعرف، والمواطن يعرف.
لكن الرسالة قالت علنًا ما كان يُقال همسًا، وبطريقة تُحمِّل رأس الهرم مسؤوليته، لا “الظروف” ولا “التعقيد”.
وفي عمقها، اشتغلت الرسالة على ثلاث طبقات حسّاسة جدًا:
انهيار القضاء لا كخلل إداري، بل كغياب وظيفة أخلاقية.
تحوّل الفساد من حالات متفرقة إلى منظومة محمية.
ثم نقل المعركة من الغرف الداخلية إلى الرأي العام، تحت عنوان واضح: محاسبة شعبية إذا غابت المحاسبة الرسمية.
وهنا بالضبط، لم تعد الرسالة “شجاعة فردية” كما يحلو للبعض أن يختصرها،
بل صارت اختبارًا للجميع:
ماذا بعد الكلام؟
الرسالة لم تكن الشرارة.
كانت القشة التي كشفت أن الحطب مكدّس منذ زمن.
الناس لم تُفاجأ بالفساد، لكنها تفاجأت بحدثٍ بسيط في ظاهره:
أن واحدًا من “الداخل” خرج إلى العلن بهذه اللغة.
فكأن الصمت، الذي كان شرطًا للبقاء، انكسر في لحظة واحدة.
وفجأة صار المواطن يقول في داخله:
أنا كنت ساكتًا على مضض… لكن لماذا؟ ومن أجل ماذا؟
الإعلام أيضًا لم “يصنع” هذه اللحظة.
الإعلام كان ينتظرها.
كان يحتاج كلمة تُقال من موقع لا يستطيع أحد إنكار أنه “من البيت”.
إذا قرأنا الرسالة بعينٍ باردة، سنرى أن الكاتب لم يقف في كادر البطولة.
لم يقدّم نفسه منقذًا.
لم يضع خطة.
وقف في منتصف الصورة وسأل سؤالًا بسيطًا يُخيف أي نظام:
في أي بلد نعيش؟
هذا السؤال ليس بلاغة.
هذا سؤال يسحب الأرض من تحت السجادة، لأنه يقول:
ما يحدث لم يعد خطأً… بل طريقة عمل.
الرسالة، بهذا المعنى، لم تكشف “الفساد” بحد ذاته.
كشفت شيئًا أخطر:
أن الفساد لم يعد حادثًا استثنائيًا، بل صار نظامًا يُدار بثقة وبحصانة.
ما ورد في الرسالة—الترهيب، الاستيلاء على الأراضي، تسييس القضاء، حماية المتنفذين
—لا يمثّل إلا جزءًا صغيرًا من صورة أكبر.
الناس تتداول هذا لأنها تلمسه يوميًا، لكنها تعرف أيضًا أن ما قيل لا يساوي الكثير مما لم يُقل.
خذ مثالًا واحدًا فقط:
الدَّين العام الذي وصل إلى نحو 15 مليار دولار.
هذا ليس رقمًا ماليًا للتبادل في الأخبار.
هذا سؤال كبير بلا رواية واضحة:
من استدان؟
لماذا؟
أين صُرفت الأموال؟
من راقب؟
ومن صمت؟
ثم انظر إلى ما يسمى “السلطات” التي تحمل أسماء دولة، بينما الدولة نفسها لا تملك أدوات الرقابة عليها كما يجب:
سلطة الكهرباء، سلطة المياه، سلطة النقد، سلطة الاتصالات، سلطة التأمين، سلطة المواصلات، سلطة المعابر، وسلطة الحكم المحلي والبلديات.
كل واحدة عالم مستقل: ميزانية، إدارة، نفوذ، ومصالح… ثم سؤال واحد يقف مثل حجر في الحلق:
من يدقّق؟
هنا نصل إلى النقطة التي لا يحب أحد أن يقولها بصوت واضح:
الجهة التي يُفترض أن تُدقّق، هي نفسها جزء من المنظومة.
المجلس التشريعي معطّل،
الرقابة الفعلية غائبة،
والحساب يتحول إلى “ملف” لا يصل إلى خاتمة.
وحين تغيب الرقابة، لا يعود الفساد جريمة تُعاقب،
بل يصبح إجراءً إداريًا مؤجلًا…
ومع الوقت، يصبح عاديًا.
ويطفو سؤال آخر لا يُطرح كثيرًا بصراحة:
ما هي أدوات المساءلة داخل منظمة التحرير نفسها؟
هل توجد منظومة قضائية واضحة؟
هل توجد محاكم ثورية فعّالة بمعنى المحاسبة لا بمعنى الشعار؟
أم أن “الثورة” أصبحت أرشيفًا محترمًا… بلا قدرة على محاكمة الحاضر؟
لماذا الآن بالذات؟
لأن غزة تحترق.
ولأن الضفة تُدار بالاستنزاف.
ولأن المواطن يرى الموت هناك، والفساد هنا، ثم يُطلب منه أن يصدّق أن كل شيء “تحت السيطرة”.
في هذه اللحظة، يصبح أي كلام عن إصلاح من دون مساءلة، مجرد لغة.
وتصبح أي إدارة للأزمة من دون شفافية، استمرارًا للأزمة بأدوات أكثر نعومة.
الرسالة لم تفتح ملف الفساد بقدر ما فتحت فم الناس.
وهذا هو الخطر الحقيقي:
ليس ما قاله عضو اللجنة المركزية،
بل ما بدأ الناس يقولونه بعده… وما لم يعودوا قادرين على ابتلاعه.
وعندما تتبادل قيادات عليا الاتهامات، ويكشف بعضهم أوراق بعض، ويصير “الفضح” ورقة ضغط، لا أداة عدالة…
فهذا دليل واحد لا يحتاج كثير شرح:
الحركة التي كانت تُفترض أنها تحمل مشروعًا، بدأت تتحول إلى خرائط نفوذ.
هذا يلتف حول من يمسك التنظيم،
وذاك حول من يمسك المنظمات،
وثالث حول الأمن،
ورابع حول “الرئيس القادم”،
وخامس لا لون له أصلًا إلا لون المصلحة التي تمرّ.
وهنا يصبح السؤال الذي يقوله الناس بمرارة، لا بسخرية:
فتح… فتح مين؟
فتح البرنامج؟ أم فتح الأسماء؟
فتح الفكرة؟ أم فتح المواقع؟
في هذا الفراغ بالذات، يظهر الفرق بين “الانتماء” و”الالتحاق”.
الانتماء للمبدأ يُقلّ،
والالتحاق بالمصلحة يتسع.
وهنا لا بد من قول شيء مهم لا يحتاج تزويقًا:
كثير من الفتحاويين الوطنيين—الذين يؤمنون بمبادئ الحركة الصادقة—تجدهم، عند لحظة الصدق، ينحازون إلى الأسير مروان البرغوثي.
ليس لأنه يدير جهازًا،
ولا لأنه يوزّع مصالح،
ولا لأنه حاضر في سوق الخلافة اليومية،
بل لأنه—ببساطة—خارج لعبة اللوبيات… وداخل معنى الحركة.
وحين يقول الفتحاوي النظيف: “أنا مع مروان”، فهو غالبًا لا يقصد شخصًا فقط،
بل يقصد رفض هذا النموذج الذي ابتلع الفكرة وحوّلها إلى صراع مواقع.
وجود مروان كمرجعية أخلاقية صامتة يفضح سؤالًا مؤلمًا:
كيف تكون أكبر شرعية داخل الحركة هي الأكثر تغييبًا عن مسار القرار؟
هذه ليست قصة رسالة.
ولا قصة رجل.
ولا قصة “فساد” وحده.
هذه قصة فراغ.
فراغٌ يزداد اتساعًا كلما كثر الكلام من دون مساءلة،
وكلما صارت الحقيقة ورقة ضغط بدل أن تكون قاعدة حكم.
والسؤال الآن ليس: هل ستُكشف الملفات؟
بل:
هل نملك نظامًا قادرًا على سماع الحقيقة… دون أن يبتلعها؟
هل نملك مؤسسات تراقب فعلًا…
لا أسماء تتبادل الاتهام ثم تعود إلى أماكنها؟
الستارة مرفوعة،
والصمت لم يعد كما كان.
أما ما سيأتي…
فسيحدده إن كان الكلام سيصبح طريقًا للمحاسبة،
أم مجرد موجة أخرى تُستهلك ثم تُنسى.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
25/1/2026



FB_IMG_1769358862045.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى