يحيى بركات - الحرب التي بدأت بالانتظار حين يصبح انتظار ساعة الصفر سلاحًا

لم يبقَ من الحرب إلا أن نسمع دويّ الصواريخ والطائرات
ليست هذه حربًا لم تبدأ،
بل حرب بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها التهديد من كونه احتمالًا،
وصار زمنًا كاملًا نعيش داخله.
منذ أن تحوّل السؤال من:
هل ستقع الحرب؟
إلى: متى نسمع صوتها؟
نحن لا نقف على عتبة حدث،
بل داخل حالة.
حالة تُدار فيها السياسة كعدٍّ تنازلي،
وتُقاس فيها الأعصاب بدل المسافات،
ويصبح الصمت نفسه أداة ضغط.
هذه ليست لقطة تمهيدية لفيلم حرب،
بل لقطة طويلة بلا قطع،
زمنٌ معلّق،
تُبقي فيه الكاميرا مفتوحة على مشهد لا ينفجر،
لكنه يغيّر كل شيء.
الحرب لم تبدأ بالضربة،
بل تراكمت كضجيج.
بدأت منذ لحظة التهديد،
حين خرج الكلام من كونه خطابًا سياسيًا،
وصار واقعًا يتشكّل.
بدأت عبر التسريبات التي سبقت الأخبار،
وعبر هرطقة مواقع التواصل،
حيث صار كل حساب غرفة عمليات،
وكل منشور رصاصة افتراضية.
بدأت على الشاشات،
حين تحوّلت القنوات الفضائية إلى استديوهات حرب مفتوحة،
تحليل فوق تحليل،
وتقدير فوق تقدير،
حتى لم يعد أحد يسأل: هل ستقع الحرب؟
بل: متى نسمع صوتها؟
بدأت حين تحرّكت حاملات الطائرات والبوارج،
لا كقوة نارية،
بل كإعلان صامت بأن الزمن دخل مرحلة جديدة.
بدأت حين وصل قائد الجيش الأميركي إلى إسرائيل،
لا ليشرح،
بل ليُنسّق الإيقاع.
ثم بدأت أكثر،
حين أُعلن عن ضربة كانت مقررة يوم الأربعاء ثم أُلغيت،
لا كإلغاء،
بل كتمديد لحالة الانتظار،
وكأن الحرب قررت أن تُبقي إصبعها معلّقًا فوق الزر.
نحن الآن في فجر الاثنين،
بعد ليلة الأحد التي فُتحت فيها السماء على قصفٍ عنيف لطيران كيان الاحتلال ضد مواقع متعددة لحزب الله في لبنان.
ليس باعتباره حدثًا منفصلًا،
بل كجزء من مشهد أوسع،
كمحاولة لجرّ الإيقاع،
لاختبار السقوف،
ولتذكير الجميع بأن الحرب يمكن أن تبدأ من الأطراف قبل أن تُعلن في المركز.
مشهد تُدار فيه المعركة على طريقة المونتاج المتوازي:
لا نرى الحرب الكبرى،
لكننا نشعر باهتزازاتها في كل زاوية من الإطار.
أنا لا أكتب هذا كنص عسكري،
ولا كتحليل سياسي تقني.
أكتبه كسينمائي يرى المشهد قبل أن يكتمل.
أتعامل مع ما يحدث كما لو كان معالجة لفيلم حرب طويل،
لا سيناريو جاهزًا،
بل بنية مفتوحة،
تجعل القارئ يرى الفيلم في ذهنه،
من دون أن أفرض عليه زاوية واحدة أو نهاية مغلقة.
ما يهمّني هنا ليس عدد الصواريخ،
ولا خرائط القواعد،
بل الإيقاع:
كيف تُدار اللحظة؟
كيف يُستعمل الزمن؟
وكيف يتحوّل الانتظار نفسه إلى سلاح؟
الخدعة الكبرى في هذه الحرب ليست إخفاء النية،
بل إغراق المشهد بالنية.
كثرة التصريحات لا تعني وضوح القرار،
وكثرة التحركات لا تعني قرب الضربة.
في الحروب الحديثة،
يُستخدم الوضوح سلاحًا بقدر ما يُستخدم الغموض،
ويُدار التردد كخطة،
لا كعجز.
كل طرف يدفع الآخر خطوة إلى الأمام،
ثم يتراجع نصف خطوة،
ليس حبًا بالتراجع،
بل ليترك الآخر أمام السؤال الأصعب:
هل تمضي وحدك؟
أم تنتظر أن يخطئ غيرك أولًا؟
بهذا المعنى،
لا أحد يريد أن يكون من يضغط الزر،
لكن الجميع يريد أن يبدو مستعدًا للضغط عليه.
التهديد يُقال ليُسمَع،
والتحضير يُرى ليُخيف،
والانتظار يُطيل أعصاب الخصم
حتى يختلط عليه الفرق بين القرار والخدعة.
في الظاهر، يبدو المشهد بسيطًا:
واشنطن تهدد،
وطهران تتوعد،
وتل أبيب ترفع الجاهزية.
لكن تحت هذا السطح،
لا يوجد طرف واحد يدفع نحو الحرب،
بل تقاطعات:
رغبة في الحسم،
وخوف من الكلفة،
وحاجة إلى صورة،
ورهانات على الردع.
ترامب يتكلم كما لو أن الضغط يكفي لإخضاع إيران،
ونتنياهو يتصرف كما لو أن الضغط لا يكفي إلا إذا تحوّل إلى ضربة.
وهنا تبدأ لعبة دفع الأكتاف:
كل طرف يريد أن يبدو صاحب القرار،
لكن كل طرف يريد أن تكون الفاتورة في يد غيره.
المنطقة بدورها لا تصطفّ على خط واحد،
ولا تتحرك ككتلة متجانسة.
هي مسرح واسع،
لكل دولة فيه مقعد مختلف،
وخوف مختلف،
وحساب لا يُقال بصوت عالٍ.
الأردن يُقرأ كنقطة تماس حساسة،
لا يريد الحرب،
ولا يستطيع أن يتصرّف وكأنها لن تطاله.
يُقال إن دعمًا غربيًا وصل لتعزيز قدراته الدفاعية،
ليس لأنه طرف في الحرب،
بل لأن الجغرافيا قد تفرض عليه ثمنها.
في العراق،
تتداخل الدولة مع قوى أعلنت أنها ستدخل الحرب الشاملة إذا ضُربت إيران،
فتتحول الساحة إلى احتمالات مفتوحة،
لا بقرار واحد،
بل بتعدد فاعلين وتاريخ لم يُغلق.
تركيا تمسك العصا من المنتصف،
صمت محسوب،
تحاول ألا تُفرض عليها الزاوية،
وهي تعرف أن أي حرب واسعة ستضع قواعدها الأميركية نفسها داخل معادلة معقّدة.
السعودية حذرة،
تعرف أن الحرب—إن اشتعلت—ستصل إلى أسواق الطاقة قبل الجبهات.
قطر تقف في عين العاصفة،
بين التزام أمني ومحاولة تخفيض التصعيد.
وبقية الدول العربية موزعة بين صمت ثقيل وخوف من أن يُفرض عليها الاصطفاف.
المنطقة لا تقول “نعم” للحرب ولا “لا” لها،
بل تقف داخلها منذ الآن.
الحرب، إن بدأت، لن تكون ضربة نظيفة.
هناك مضيق هرمز،
وهناك القواعد،
وهناك البحار،
وهناك اقتصاد عالمي يرتعش قبل أن تسقط الصواريخ.
ترامب قد يرى في الضربة صورة قوة،
لكن الكلفة قد تبتلع الصورة.
ارتفاع أسعار الطاقة،
اتساع الجبهات،
وغياب غطاء داخلي كامل من الكونغرس،
كلها عوامل تجعل التراجع خيارًا قائمًا.
قد يدفع بإسرائيل إلى الأمام،
ويكتفي هو بالدعم والدفاع،
أو يلجأ إلى حصار طويل بدل ضربة مباشرة،
لأنه يعرف أن حربًا مفتوحة قد تكلّفه أكثر مما يكسب.
وإن وقعت الحرب،
فلن أراها كحدث واحد،
بل كسلسلة مشاهد تتصارع على الشاشة.
إيران قد لا تحتاج أن تنتصر عسكريًا
لكي تغيّر شكل الحرب؛
يكفيها أن تمنع الضربة النظيفة،
وأن تحوّل المواجهة إلى استنزاف طويل.
الصين وروسيا قد لا تقاتلان بدلها،
لكن منعهما سقوط إيران السريع
يكفي لتحويل الحرب إلى مأزق أميركي طويل،
على شاكلة استنزاف معكوس،
لا يُحسم بالسلاح وحده.
وسط كل هذا،
لا يمكن السؤال عن الحرب من دون سؤال مركزي:
أين نحن الفلسطينيين من هذه الحرب؟
وهنا لا يكفي المرور العابر.
حرب شاملة في المنطقة
تجعل كل خطط ترامب على كف عفريت،
وقد تجعل الضربة—إن وقعت—موجعة لكيان الاحتلال ذاته،
لا رمزية ولا محسوبة كما يتخيل.
أي تصعيد واسع قد يعيد فلسطين إلى مركز الطاولة،
لا بوصفها ملفًا إنسانيًا،
بل بوصفها عقدة سياسية وأمنية لا يمكن تجاوزها.
وقد تفتح هذه اللحظة—بكل مخاطرها—نافذة أمام القوى الوطنية والثورية الفلسطينية
لتسريع البحث عن الحامل السياسي،
وإعادة إنتاج الذات الفلسطينية كفاعل،
لا كضحية مؤجَّلة على هامش “المعركة الأكبر”.
لبنان يقف على حافة لا تحتمل الخطأ،
واليمن أعلن بوضوح أن البحر الأحمر ليس محايدًا،
وأن الحرب إن اتسعت ستتحول من نزاع إقليمي
إلى مواجهة ممرات عالمية.
هؤلاء ليسوا توابع لهذه الحرب،
بل مفاتيح تصعيدها،
وأول من سيدفع ثمنها،
وأحيانًا من يغيّر مسارها.
لهذا أكتب الآن،
لا لأن الحرب وقعت،
ولا لأنني أعرف كيف ستقع،
بل لأن الانتظار نفسه صار حدثًا.
لأن الصمت سياسة،
والتأجيل أداة ضغط،
والمنطقة كلها كادر واحد يبدو ثابتًا،
بينما كل شيء داخله على وشك الحركة.
نحن لا نعيش ما قبل الحرب،
ولا داخلها بالكامل.
نحن في تلك المنطقة الرمادية
التي يُختبر فيها الخوف،
وتُعاد فيها صياغة الخرائط،
ويُقرَّر فيها من سيكون في قلب الصورة
ومن سيُدفع إلى حافتها.
قد تقع الحرب،
وقد لا تقع الليلة،
لكن المؤكد أن شيئًا ما تغيّر.
المنطقة لم تعد كما كانت قبل التهديد،
والزمن لم يعد بريئًا،
والانتظار نفسه صار ساحة مواجهة.
السؤال لم يعد: متى تبدأ الحرب؟
بل:
من سيكون مستعدًا لتحمّل شكلها الجديد
حين تبدأ بلا إعلان…
وتنتهي بلا نصر واضح.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
26/1/2026






FB_IMG_1769382808374.jpg

FB_IMG_1769382834581.jpg


FB_IMG_1769382808374.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى