عبد الرحيم التدلاوي. عنوان المجموعة القصصة: تكسير الدائرة

إهداء

إلى كل من يمشي في هذه الحياة مثقلاً بالأحلام...




استهلال: لا تصدقوني؛


بين ظلال اللغة وبئر الذاكرة: دليل الخروج من النص


ليست هذه مجموعة قصصية عادية، بل هي خريطة شاملة لمناطق الظل في الوعي الإنساني، من أصغر تفاصيل الوجود إلى أعمق أسئلة الذاكرة والنسيان. يرفع هذا الكتاب الستار عن سبع عشرة حكاية تتشابك فيها الأسئلة الوجودية مع أقسى الحقائق اليومية، كاشفاً أن النجاة الحقيقية تكمن في امتلاك الاستثناء.

إنها دعوة للقارئ ليخوض غمار الشك في أنفاسه وذاكرة الحصى تحت قدميه، وفي الكلمات التي يظن أنها أدواته، ليجدها في الحقيقة كائنات حية تتشكل في "بئر الكلمات" الداخلية.

يغوص هذا النص في أعماق الروابط التي لا يمحوها التراب، حيث يُذكّرنا بأن الموت ليس نهاية السيرة، بل بداية "نور الهياكل" الذي يُضيء للحياة طريق الحنين. هنا، تُكسَر الدائرة المألوفة للسرد، ويرفض الكاتب العزلة الشكلية للحرف، ليقاتل قصصه لئلا تبتلعه، ساعيًا لإيجاد الخلاص في زاوية ضيقة بين النحو والوجود، حيث "إلّا" هي الأداة الوحيدة للنجاة من التعميم.

هذه المجموعة هي وعد لـمَن لا يخشى أن تُكسر مرآته؛ إنها تمنحك فرصة العيش في نصوصها لا لمجرد قراءتها. وعند إغلاق الصفحة الأخيرة، ستجد نفسك تتساءل بقلق مدهش: هل أنا أقرأ القصة، أم أن هذه القصص بدأت للتو في كتابتي؟

[HR][/HR]
الفهرس النهائي (17 قصة)

باب.. يُغلق

ذاكرة الحصى

لا تصدقني؛ حين تسبقني يدي

غفلة

مشاعر معلبة

انبلاج

اعترافات نذل مؤجّل

من يُصلي لأجل الشعر؟

فزاعة

ظلال لو

قنبلة الكلمات

محو بالتقسيط المريح

إلّا… الاستثناء الذي استثناني

الحكاية التي أكلت صاحبها

سيرة الظل والحنين

نور الهياكل

بئر الكلمات

[HR][/HR]
[HR][/HR]
النصوص القصصية الكاملة

باب.. يُغلق

لم يكن منزلنا يملك مرحاضًا. كبرت وأنا أستيقظ في الليالي الباردة على نداء متانتي، فأمشي في الظلام، متسللًا بين الجدران والنفايات، حتى أصل إلى المرحاض المشترك. مكان لا تعرف فيه أين تطأ قدمك، تملأه الروائح النفاذة، وتخترقه عيون متلصصة تتربص بك من ثقوب السور المتهالك.كنت أستحيي من الدخول إليه، فأحيانًا أضطر للخروج إلى الدرب، أختبئ خلف جدار أو شجرة، ثم أعود إلى فراشي وكأنني عُدت من معركة، أمارس طقوسًا خفية كي أستدعي النوم، ولا يزورني إلا بعد طول عناء.في الصباح، أذهب إلى المدرسة بوجه متجهم وبطن فارغة. لم يكن الجوع وحده ما يثقلني، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي كان غيري يجهل قسوتها. كم كنت أحسد زملائي الذين يملكون مرحاضًا خاصًا. كانوا يبدون أخف ظلًا، أكثر راحة، يضحكون كثيرًا… أما أنا، فكنت أشيح بوجهي عنهم، أحمل داخلي شيئًا من الظل الثقيل.وذات يوم، زرت بيت أحد الأصدقاء. حين شعر بحاجتي، دلّني على المرحاض. فتحت الباب، فإذا بي أمام عالم آخر: أربع مراحيض! نظيفة، معطرة، كل واحد منها مغلق ببابٍ سميك، يضمن لصاحبه عزلة وخصوصية. لم أصدق أن المرحاض يمكن أن يكون مصدرًا للسعادة. صديقي، بابتسامته الدائمة، كان يعيش ترفًا لم أفهمه إلا في تلك اللحظة.مرت سنوات، ومنّ الله على والدي برزق مكّنه من بناء مرحاض لنا. بسيط، لكنه لنا. لأول مرة، استطعت أن أغلق الباب خلفي دون خوف. شعرت بأنني إنسان.كبرت، وبنيت بيتًا لي. لم أنسَ أبدًا ما كنت عليه، فحرصت أن أضع مرحاضين، واحد لي، وآخر للضيوف. لم يكن الأمر ترفًا، بل وفاء لذاك الطفل الذي كان يقف في البرد، يلتصق بجدران متسخة، يبحث عن مكان يختبئ فيه من أعين المارة.ومع تقدم العمر، أصبت بانتفاخ في المتانة. كشف الأطباء أن البرودة الشديدة في صغري هي السبب. حينها فقط فهمت أن ما مرّ بي لم يكن مجرد لحظات قاسية، بل ندوبًا تواصل طرق أبواب الجسد.واليوم، حين أمرّ بأحدهم يتبول في العراء، يلفه الخجل أو يكسوه اللامبالاة، لا أحكم عليه، بل أراه أنا في مرآة الماضي. أتمنى فقط ألا يعرف أطفالي ما عرفته، وألا يقفوا يومًا في مكانٍ بلا باب.أحيانًا، كل ما يحتاجه الإنسان… أن يُغلق الباب خلفه.




[HR][/HR]
2. ذاكرة الحصى

**

كنت أمشي مثقلا بأسئلة عويصة كالجبال الراسيات، أحملها كما تحمل صخرة مألوفة، لا تؤلم بقدر ما تذكر بثقلها. خطر لي على مهل، أو توهمت الأمر، الأمر سيان. تحت كل خطوة حكاية، وتحت كل حكاية جسدا مر ذات يوم من هنا وترك أثره. لم أكن أبحث عن يقين، بل عن خفة ما لارتاح، عن قدرة على الإصغاء دون استعجال لاستوعب الأمور.ومع كل خطوة، كنت أشعر بملمس الأرض تحت قدمي، برائحة التراب الجاف والندى القديم، وكأن الأرض نفسها تهمس لي بما لم يرو بعد. وشيئا فشيئا، انتبهت إلى الحصى الصغيرة المتناثرة على الطريق، كل واحدة تبدو وكأنها تحمل أسرارا منسية.وحين تعلمنا أخيرا أن نصغي إلى الأرض، لم تجبنا بما نتوقع. لم تخبرنا بالأحداث بل بثقلها، كأنها تخزن الأوجاع لتتركها تترسب. أدركت حينها أن الزمن لم يعد مهما، ولا السنة التي وقع فيها كل شيء، فقد صار الحجر أقدم من التواريخ، وأصدق منها. مرّ في ذهني سؤال ممض: هل صحيح أن للأشياء ذاكرة؟ وأن ما نلمسه لا يغادرنا تماما؟بدأ الأمر بحصاة قرب نهر تبخرت ذاكرته، ولم يبق منه سوى رطوبة باردة في الهواء. حين وضعتها في كفي وجدتها خشنة على نحو موجع، دافئة على غير المتوقع، ثم انفلت منها أنين خافت، كأن الصوت خرج من جسد لا من حجر. وفجأة انفتح المشهد أمام عيني المندهشتين: رجل يربت على كتف ابنه، واللمسة معلقة أطول مما ينبغي.قال أحدهم، بصوت مكسور، إن ما مسنا يبقي فينا. ومنذ ذلك الحين صار الناس يخففون وقع أقدامهم، يمشون برشاقة قط كمن يخشى الإيقاظ، ويهمسون للأرض قبل العبور، حتى إن بعضهم كان يردد بخشوع بيت أبي العلاء المعري: «خفّفِ الوطءَ، ما أظنُّ أديمَ الأرضِ إلّا من هذهِ الأجسادِ»، أهو تنبيه للغافلين وتحذير لهم؟




أما أنا، فقد عدت في تلك اللحظة إلى ركام بيتي. كانت الرائحة أول ما استقبلني: غبار قديم ممزوج بخشب رطب وشيء يشبه بقايا الدخان. جمعت الحصى كما يجمع الرميم. كل حصاة تسخن راحتي قليلا ثم تفتح ثقبًا في الذاكرة، لتخرج ضحكة أمي وهي تطمئنني بلا سبب، وخيط ضوء كان يلسع عيني عند الظهيرة، وعصفور تأخر في الطيران كأنه كان يشعر ببرودة النهاية قبل وقوعها.

بين كل تلك الأصوات، بقيت حصاة واحدة صامتة كأبي الهول. أمسكتها طويلاً. لم تكن ثقيلة فحسب، بل كانت تزن الماضي كله، كأنها امتصت من المكان كل الدفء لترده لي الآن على هيئة خواء بارد. سألتها، بصوت يفيض اعترافًا، لا استفسارًا: "متى بدأ كل هذا الثقل؟" لم تجب. بل شعرت تحت ضغط أصابعي أنها تتشقق، ليس كحجر، بل كورقة قديمة ترفض البوح. تساقطت من بين راحتي غبارًا ناعمًا، فلم يبقَ للذكرى أساس، ولا للسؤال وجود.




[HR][/HR]
3. حين تسبقني يدي

**

في عتمة الغرفة، خُيّل إليّ أن يدي لم تعد لي تمامًا.

كانت مشدودة إلى قطعة قماش باردة، لا طلبًا لدفء، بل كأنها تحاول تثبيت شيء ينفلت ببطء. لم يكن الأمر حركة جسدٍ عابرة، بل شعور بأن اليد تسبقني، تختبر وجودها أولًا، وتتركني أبحث عن دوري كمتفرّج.

كان الفراغ من حولي كثيفًا. رائحة تراب رطب ملأت أنفي، يعبرها أثر ياسمين واهن، تنتمي إلى زمنٍ لم يغادر تمامًا.

حين أغمضت عيني، لم يبتلع الظلام شيئًا. بل حدث امتلاء مفاجئ. وجوه شاحبة خرجت من داخلي لا من العتمة؛ تظهر، ثم تنسحب، بلا ملامح مستقرة. شعرت بلمسة باردة على وجنتي. خُيّل إليّ أنها ليست تهديدًا، بل تنبيهًا خفيفًا من الوجود ذاته.

في الليل، يعود الحلم نفسه.

يد تخرج من الظلام.

تقترب.

تتبدل.

مخالب.

أجنحة.

لا صراخ.

لا نجاة.

سقوط بلا أرض.

أستيقظ مذعورًا. القلب يسبقني. والصمت أثقل من الصوت.

ذات مساء، تهيّأ لي أنني أرى كتابًا في زاوية الغرفة. لم أحاول فهم الرموز. خُيّل إليّ أن القراءة لم تعد فعلًا، بل انتظارًا، وأن التحديق وحده كافٍ. خطر لي قول: نحن لا نضلّ لأن الطريق معقّد، بل لأننا نصرّ على أن يكون له معنى.

أغلقت الصفحة ببطء. بدا لي أن الإفراط في الفهم ليس فضيلة، بل قلق مؤجل.

تكرّر الإحساس بعدها: خيِّل إليّ أنني لست من يتحرك تمامًا، وأن شيئًا ما يوجّه الإيقاع من الداخل، لا يجبرني، ولا يتركني.

في مرآة الحمام، تهيّأ لي أن عينين تظهران خلفي. قريبتين. صامتتين. التفتُّ بسرعة. لا أحد.

عدتُ إلى المرآة. خُيّل إليّ أن انعكاسي يتأخر لحظة، كأن الصورة تفكّر قبل أن تقلدني. لم أبحث عن اختلاف، فقط لاحظت أن الثبات هذه المرة كان أكثر إرباكًا من الحركة.

منذ ذلك الوقت، لم أعد أبحث عن تفسير. الخوف لم يعد صراخًا، بل يقظة طويلة.

وأحيانًا، حين تعود تلك اليد إلى الهامش القريب من بصري، لا أسأل إن كانت تطاردني… بل إن كنت أنا من تهيّأ له أن يفلت منها، أو كان جسدي يكتب حريته بعيدًا عن وعيي.




[HR][/HR]
4.

غفلة

**




كان المساء قد استوى على أرصفة المدينة، والمقهى المطلة على الزاوية الشرقية بدأ يخلو من مرتاديه شيئًا فشيئًا. جلس هو هناك، في نفس الكرسي المعتاد، كأس القهوة أمامه برد منذ نصف ساعة، والكرسي المقابل ظل شاغرًا، كما في كل مرة. أشعل سيجارته الثانية دون أن يدخنها، بل راح يتأمل دخانها المتصاعد كأن فيه إجابة لسؤال مؤجل: “هل يعقل أن ينسى؟ أم أنه لم يكن ينوي الحضور أصلاً؟” راوده الصوت داخله، ذلك الصوت الذي لم يكن يومًا صاخبًا كفاية ليوقظه، ولا صامتًا ليسمح له بالنسيان. ظل يجادل نفسه، يبرر، يراوغ، يلوذ بحسن الظن كمن يتمسك بورقة توت في عاصفة: “ربما تأخر، ربما شغله أمر طارئ… الناس يعتذرون حين يستطيعون، أليس كذلك؟” لكنه يعلم في قرارة قلبه أن لا أحد قادم. ذاكرته تشعل ضوءًا خافتًا: وجه مبتسم، كف وُضعت على كتفه بثقة، كلمات صادقة المظهر جوفاء المضمون: “غدًا نبدأ، المشروع مضمون، جهز نفسك.” جهّز. انتظر. وضاع اليوم، ثم الأسبوع، ثم وعدٌ جديد… فانتظار آخر. ذاكرة أخرى تقفز: مقابلة عمل، الموعد التاسعة صباحًا. جاء الثامنة والنصف، وحين دخلت الساعة العاشرة ولم يأتِ أحد، سأله موظف الاستقبال بملل: “ما اسمك؟ آه… لا يوجد شيء مسجل باسمك.” خرج يجر خيبته وراءه، ومع ذلك قال في نفسه: “ربما خطأ في الإدارة… لا أقصد أن أسيء الظن.” يقسو عليه صوت داخلي: “ما بك يا ابن البادية؟ ما زلت تصدق الناس كما لو كانوا صغارًا في البادية؟ هل نسيت أنهم في المدينة يتقنون فن الغياب ويبيعونك الكذب مغلفًا بالابتسامات؟” لكنه يرد بإصرار: “إن فقدت إيماني بهم، فقدتني.” يرفض أن يتحول إلى كاره أو شكاك، يريد أن يظل الرجل الذي لو وعد وفى، وإن سُئل صدق، وإن انتُظر حضر. لكنه يدرك أن الصدق في المدينة ليس فضيلة، بل ضعف يُستغل. قام عن كرسيه، رمى بقايا السيجارة، ترك القهوة باردة كما هي. مشى بمحاذاة الرصيف، يراقب الوجوه تمر ولا تراه، كأنه طيف زائر من عصر آخر: “ربما عليّ أن أعود…” همس في نفسه. إلى البادية… إلى الطيور التي لا تعد ولكنها تأتي، إلى الكلاب التي إن صاحبتك لا تخون، إلى الخرفان البكماء، لكن أوفى من ألف وجه بشري. هناك حيث الصدق لا يحتاج إلى إثبات، والوفاء لا يُدرّس في كتب. ولكنه لا يعود. ليس بعد. كل يوم يقول: "غدًا"، ويؤجل الرحيل كما يؤجل الناس وعودهم له. وفي قلبه، شيء من السذاجة لا يزال يتشبث بالناس ليس ثقةً فيهم، بل خوفًا من أن يفقد ما تبقى فيه من إنسان. وربما، لأنه يعرف في داخله… أنه إن عاد، لن يجد حكايات يرويها. ومن مثله، لا يُشفى من الناس… لأنه كُتب عليه أن يكون قصّاصًا.



[HR][/HR]
5. مشاعر معلبة

**

أُضيئت الساحة الواسعة كما في كل دورة احتفالية: أضواء زرقاء معلّقة بإتقان، مقاعد موزّعة بميزان المساواة الشكلية، موسيقى جاز خلفية تُشبه ارتجاف جنازات منمّقة. دخل المدعوون بتؤدة تشبه التبجيل، يرتدون أقنعة لامعة كأنها وجوه بديلة، تلمع مع الفلاشات لكنها لا تعكس شيئًا من الداخل. الضحكات خفيفة ومدروسة، مصمّمة بدقة لتناسب كل مناسبة.

وقف الخطيب ذو البذلة الحريرية على المنصة، مال بجسده قليلاً، ثم قال بصوت رخيم خالٍ من أي خلل: "نُدين العنف، بكل أشكاله… خاصةً ذاك الذي تظهره الصور عندما تُلتقط من زوايا منحازة." دوّى الضحك، لا لأن الجملة مضحكة، بل لأن الحرج يحتاج إلى مخرج، والصمت قاتل في هذه الاحتفالات.

بعده جاء المحلّل المتوازن، رجل نحيل بلون حيادي، رفع أوراقه دون أن يقرأ منها وقال: "نحن لا ننكر المعاناة. ولكن… يجب أن نفهم السياق. وربما الطفل كان مريضًا أصلا، قبل أن… يجوع." أومأ الحضور بإعجاب، فقد قيلت الجملة بنفس نبرة الصحف المحترمة.

وسط هذا الانسجام الوثير، تقدّمت امرأة بثياب مغبرّة. لا بطاقة دعوة في يدها، بل قطعة قماش رمادية، تتدلّى منها أطراف صغيرة. همست وهي تقترب كأنها تخترق بصرًا لا يريد أن يرى: "هذا حفيدي… كان يرضع حين جاء الصاروخ. هل يمكنكم قول شيء… صادق؟"

توقّف الوقت لوهلة، لكن الوقت في الساحات المنظمة لا يتوقف. جاءها الرد سريعا، بنبرة أنيقة من سيدة ترتدي قفازات بيضاء: "ما أجمل التراجيديا حين تأتي من قلب الواقع! إنها تمنحنا بعدًا إنسانيًا… آسِرًا."

ركض المصوّر. التقط زاوية جيدة للمرأة، أمال العدسة قليلًا لتظهر بعض الغبار، ثم سأل: "هل يمكننا إعادة المشهد؟ كان الضوء قاسياً." طلب أحدهم فلتراً وردياً: "المأساة داكنة أكثر من اللازم، نحتاجها قابلة للمشاركة."

عند المغيب، عزفت فرقة الجاز مقطوعة مرتجلة بعنوان "السلام الممكن"، وشُربت الكؤوس البلاستيكية بأناقة مصطنعة. ووزعت المرايا الصغيرة كهدايا رمزية، كتب عليها بخط دافئ: "انظر جيداً… تر إنسانيتك." تعانق الجميع في دوائر محكمة.

تجمّد على الحافة أحدهم. لم يكن من المدعوّين. ظل يحدق في امتداد الظل خلف الجميع. رآه يمشي، يمشي، دون أن يصادف أحدًا. كانت هناك فقط "أنا جوعان" التي لم تترجم قط.

ثم…

أعيد ترتيب الكراسي. وانطلقت الاستعدادات للدورة المقبلة.




[HR][/HR]
6. انبلاج

**

كانت واقفة هناك، في المدى الأبيض كجدار لا نهاية له. لا تعرف هل هي في المطار أم في حلم تأخر عن النوم. الحقائب كانت معها، لكنها لا تتذكر كيف وصلت. قالوا إن الطائرة تأخرت، لكن صوتًا في داخلها همس: هو من تأخر، هو من لا يريدك.

لم يكن يُمسك يدها. حتى وهي صغيرة، كانت تسير إلى جواره كظلٍ خائفٍ من الضوء. كان قلبه يفيض حبًا، لكنها لا تذكر حضنًا. لماذا؟ لم يكن قاسيًا. كان فقط… رجلًا من زمن بلا لغة عاطفية. وفي المطار… رأته. لم يكن هناك، لكنها رأته. واقفًا على حافة الزمن، يراقبها. قالت له بعينيها: لماذا؟ فأدار وجهه، كأنه يهرب من دمعها المؤجل عشرين سنة.

لم يكن زوجها أول من رأت فيه اللامبالاة. تركها تنتظر، كأنها طرد بريد. كانت تظن أن الزواج سيمنحها دفئًا لم تنله. لكنه منحها بابًا جديدًا من العزلة. كان وجهه كلوحة طُمست منها الملامح، ورائحة الخمر تسبقه. كان يتحدث كأنه سيد، يتحرك كأنه جلاد. قال لها مرة: "أنتِ لي. اشتريتك." فضحكت. ضحكت ضحكة مجروحة كقنينة فارغة.

المنزل لم يكن بيتًا. كان مساحة ضيقة من الخوف. يكره كل من يراه أضعف منه، ويتغذى على انهيار من يقع تحت سلطته. وإذا لم يجد من ينهشه، أكل نفسه بشراهة، لكنه دوماً يحتاج إلى مرآة يكسرها ليؤكد وجوده الزائف. وحين يغيب الحب، يملأ مكانه الصمت الطويل. عانقت الظل حين لم تجد من يعانقها. كانت تمسح البلاط، وتغني بلا صوت.

هو يعلم أنها من نسل عريق، وهي نقطة ضعفه التي يكرهها. كان يدهن جسده المترهل بالزيوت، يذهب إلى المسبح، يحدّث نفسه أنه ما زال مرغوبًا. وكانت تراقبه بصمت، تسأله: "من تخدع؟" لكنه لم يسمع.

لكنها تعلمت لغتهم. خلسة. حصلت على عمل. خلسة. بنت نفسها قطعة قطعة. كل ما حرمه عنها، صار لها. وكل ما منّ به عليها، صار عبئًا عليه.

كانت تقف في المطار مرة أخرى. وحدها الآن. خلفها ظلٌّ طويلٌ لا يخشى الضوء، أمامها هواء خفيف يشبه وعدًا غير مكتوب. لم تعد بحاجة إلى أحد. كانت تمشي، بخفة امرأة لم تعد تنتظر شيئًا، تحمل في قلبها سلامًا لا يعرف اسمه أحد، سلام الانبلاج.




[HR][/HR]
7.

"اعترافات نذل مؤجل"




في ركنٍ رقميّ مهجور من هذا العالم المأهول بالتغريدات واللايكات، جلس "المرسل الذي لم يُبعث"، رجل عاديّ جدًا، بشارب غير مكتمل ونظرة مشبعة بالخذلان، يكتب منشورًا لمواقع لا يزورها أحد، يقول فيه: "فكّرت اليوم أن أقوم بفعلٍ رسوليّ يغيّر وجه العالم. ويكون فعلا كبيرا ومنعرجا تاريخيا مهما في حياة الشعوب.. مثلًا، أن أُطلق دود الأرض على رأس كبير الخبثاء وهو حيّ يشاهد الديدان تتسلل إلى جمجمته فتُفسد ما تبقى من مخططاته... أو أن أُسلب الرجل الصخم ما تبقى من عقله - وهو قليل أصلًا - وأجعله يمشي عاري المؤخرة والمخاط يتدلّى من أنفه، يضرب المارة بالحجارة وهو يصرخ: أنا رئيس الأكوان المتحدة!" لكنه لم يفعل. طبعًا لم يفعل. لأن العالم بحاجة للدراما. وبلا دراما، لا جدوى من تغريدات الصباح ولا برامج التحليل المسائية. الكاميرات تحتاج لدموع، والعدسات تحبّ الدم. تنهّد وهو يرتشف قهوته الباردة، وقال: "لو نفذت ما فكّرت به، فماذا سيفعل محللو الفضائيات؟ من سيكتب عن الحرب المقدسة أو السلام الخادع؟ من سيملأ الوقت بين الإعلانات؟" فكّر في فكرةٍ أكثر طرافة: أن يُحرّك الشارع الأمريكي بنغمة "الهيب هوب الثوري"، وأن يجعل كل مواطن في تل أبيب يرى في مرآته ملامح الطفل الفلسطيني الذي دفن تحت الركام. لكنّه عاد وقال: "لن أفعل... فالملل قاتل، وأنا أحبّ أن أشاهد الجنون على الهواء مباشرة." كان يعرف أن ما يقوله سخيف... لكنه حقيقي. كان يعترف – بسخرية مرة – أنه ليس رسولًا، ولا نبيًّا، ولا حتى مشجعًا على الفوضى المنظمة. هو فقط رجل، قلبه امتلأ بالحسرة، كان يؤمن بالحب للجميع حتى اكتشف أن الجميع لا يؤمنون بشيء. "الدود حلّ أنيق، لكنه لا يُقنع مغتصبًا بالعودة إلى بلده الأصلي... ولا ينقذ الجوعى في غزة من الموت البطيء. لكن صوت الضمير ارتفع... لا، لم يرتفع، بل فقط غمز من بعيد وهمس: استيقظ، أيها النذل." أغلق اللابتوب. غسل وجهه. لبس قميصًا نظيفًا، وقال لنفسه أمام المرآة: "اليوم لن أُنقذ العالم. سأكتفي بتأخير موعد نهايته."

وخرج مبتسمًا.




[HR][/HR]
8. من يُصلّي لأجل الشعر؟**عندما دخلتُ المسجد عصرًا، لم أكن أقصد سوى الظلّ، فقد أرهقني الطريق، وأفرغتني صفحات ذلك الكتاب الذي يُشبه بئرًا لا قاع لها. أغلقت غلافه كأنني أضع حدًّا لحوارٍ داخليّ مع شاعرٍ لا يؤمن بشيء سوى الشعر، ولا يشكُّ في شيء إلا الإيمان. كان أدونيس، نعم... أدونيس الذي يكتب وكأن الله تأخّر عن مواعيده، وكأن الأنبياء شبهة قديمة لا تزال تتجول في القصائد.جلستُ عند السارية، لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، كنت بين الظلّين، وأحسست أنني أيضًا بين زمنين، زمن المآذن وزمن القصيدة. حملتني رعشة غامضة، لا أدري أكانت خشوعا أم سخرية؟ ووجدتني أبتسم. لِمَ لا؟ فالمثقفون اليوم يأكلون على كل مائدة، لكنهم لا يرفعون الفتات عن الأرض حين تسقط القصائد ميتةً في غزة.سمعت أزيز طائرة. تخيلتها تحلق فوق حي الشجاعية. طفل يركض خلف رأسه، أمّ تصرخ باحثة عن جثة ابنتها، ورجل ممدد على الأرض يحتضن دفترا مدمى. ثم عاد الأذان ينشد: الله أكبر... وتسللت الدموع من بين أصابعي.أين أنت يا أدونيس؟ لماذا لم تدندن قصيدة واحدة لأطفال غزة؟ أما زلت ترى أن الله "فكرة قديمة"؟ أم أن القصف لا يستحق بيتًا من الشعر لأنه لا يمرُّ من باريس؟أُصلي... وأفكر فيك. وفي قصائدك التي تشبه خزفًا هشًّا على رفّ مكتبة فاخرة. تتأمل فيها نُدَبَ الأزمنة، وتنسى أن الزمن الآن طفلٌ اسمه محمود يموت جوعًا، ولا يعرف من الدنيا سوى رغيف وسقفٍ لا يسقط.من يُصلي لأجل الشعر؟ سأُصلي. لا لك، بل للشعر حين يخذلك.سأُصلي أن يُبعث مجازٌ جديد لا يخاف الحقيقة.سأُصلي أن لا يُصاب الشعراء بفقدان الشفقة.ثم أقول في داخلي:ما أعذبَ الركعة حين تومئ بقلبك لا بجسدك. وما أوجع الشعر حين يخون دموعك!



[HR][/HR]
9. فزاعة

**

كنت أنظر إلى عينيه العسليتين مستقصيًا أبحث عن أصل الرعب الذي يجثم على صدره، حتى أنه نفر أمه بصراخه الحاد والمتواصل. هذا الكلب لم يكن خائفاً من أصوات العالم فحسب، وإنما كان يرتعد من وجوده نفسه. يفر إلى زاويته المظلمة، ينطوي على ذاته، محاولًا أن يختفي من عالم لم يختر العيش فيه. لم يكن صراخه نباحًا، بل كان صراخًا مروعًا يثقب الليل. كثيرا ما أيقظني من أعماق نومي، فأجدني ألعن مصيره ولعنتي ذاتها. فكرت مراراً في أن أدس له السم، أن أخلصني أو أخلصه.

حتى أمه تركته، هربت من صراخه الذي لا ينقطع. لم يكن كباقي الجراء. صوته لم يكن نباحًا قويًا، بل كان رخوًا متكسرًا، محاولة بائسة لتقليد كائن لم ينتم إليه.

ثم ظهر ذلك الكلب الضخم ذو الندوب. فجأة، كمخلص فك رموز النداء. التحم الكلب الصارخ به، وكأن بينهما عرفانًا سريًا، يقدم له نفسه رغبة في ألا يفقد رفيقًا ومؤنسًا.

وفي ليلة من الليالي، اختفى الاثنان معاً. ساد صمت رهيب، ظننتُ أنه السلام المنشود.

لكن الصمت لم يدم طويلا. ظهر رجل أسود قادمًا من جنوب الصحراء. رجل غريب، يضرم النيران في كل ما يصل إليه، ويصرخ طوال الليل بلهجة غير مفهومة. لكن صراخه لم يكن صراخ مجنون عادي، بل كان له النبرة المكسورة نفسها، الذبذبة المرتعشة نفسها التي كانت للكلب. العيون العسلية نفسها التي تلمع في الظلام. تساءلت بفزع: أهذا هو الكلب؟ أ عاد في هيئة إنسان؟ هل هذه هي لعنة التناسخ، أن تعود الأرواح في أشكال مشوهة، تحمل ذكريات من حيوات سابقة لا تستطيع أن تهرب منها؟

صراخه كان يجلجل في أذني، يذكرني بالكلب الصغير وهو يحاول أن ينبح فتفشل محاولته. كنت أتساءل: هل يحاول هذا الرجل أيضاً أن يتكلم فتفشل كلماته؟ هل هذه الرطانة هي محاولة بائسة للتعبير عن شيء لا يمكن التعبير عنه؟

ذات ليلة، بينما كان الرجل يصرخ ويضرم النيران في القمامة، رأيته يلتفت نحوي فجأة. في عينيه لم يكن غضب المجانين، بل كان ذعر الكلاب الضالة. نظرتي إليه نظرة طويلة، وفهمت فجأة أنني لا أنظر إلى رجل أفريقي مجنون، بل أنظر إلى نفس الذعر في قالب جديد. لم أعد أفكر في السم. بدأت أترك له الطعام عند باب المنزل، كما كنت أفعل مع الكلب.

وفي إحدى الليالي، وجدت الطعام غير مأكول، والرجل جالسًا على الرصيف، يبكي بصمت. لم يكن يصرخ، لم يكن يرطن. وفي صمته، سمعت أخيراً ذلك الصراخ الذي طالما أرقني، لكن هذه المرة كان صراخًا داخليًا، صراخ روحي أنا. فهمت أن الرعب الأكبر ليس من عودة الأرواح في أشكال جديدة، بل من عجزنا عن رؤية أنفسنا في كل شكل تخيفنا غربته.




[HR][/HR]
10. ظلال لو**كانت المقهى شبه خاوٍية، أو هكذا خُيِّل إليّ. الضوء الأصفر المائل للاهتراء ينسكب فوق الطاولات مثل غبارٍ دافئ، والضباب يتكاثف على الزجاج فخيل لي أنه يحاول أن يحجب عني العالم الخارجي. جلستُ، وفنجاني أمامي، ثم بدأوا يأتون، أو ربما خرجوا من بين أنفاسي.صديقي الحالم يقلّب كوبه البارد، في بحثه عن نبض مفقود:— "لو درست الطب، لكنت اليوم أنقذ الأرواح بدل أن أذبل هنا!"أعدت ملء فنجاني، وأجبت بابتسامة متعبة:— "وماذا لو علمت أن كل إنسان يحمل في قلبه مريضًا اسمه الندم؟"لم ألتفت حين جلس الموسيقي، لكنه كان هناك، يحدّق في بخار قهوته وهو في هيئة من يسمع لحنًا يتبخر:— "لو وُلدت في عائلة ثرية، لكنت أؤلف السيمفونيات!"قلت له، أو لنفسي:— "أنت تؤلف بالفعل... سيمفونية لو على أوتار الماضي!"خلفنا، عند الرفوف، كان القارئ يقلب كتابًا بصفحات رطبة، يقرأ بصوت لا أعرف إن كنت أسمعه أم أتخيله:— "لو: إسمنت يبني جدران سجون وهمية."ثم أغلق الكتاب وضحك، ولمحته يكتب شيئًا على ورقة مبللة:— "لو عشت بلا لو، لكنت شجرة بلا جذور..."الرياضي أطل من خلف الزجاج المبتل، تنفّس كأنه أتى من زمن آخر:— "لو لم أتردد قبل تلك القفزة، لكنت اليوم في الأولمبياد!"لم أنظر في عينيه كثيرًا؛ خفت أن أجد انعكاسي فيهما.أما الفنانة، فقد تركت قطرات اللون تتسرب على الطاولة الخشبية:— "لو لم أرَ ذلك المشهد المأساوي، لكنت رسّامة هادئة بلا حزن!"رفعت رأسها، ولم أكن متأكدًا إن كان وجهها مشرقًا أم ملامحها مجرد ضباب ضوء.وبين رشفة وأخرى، كانت المقهى تزداد فراغًا أو امتلاءً—لا أدري. الأصوات تتقاطع، تختلط، تتشابه. أحيانًا كنت أسمعها تصدر من الطاولات المجاورة، وأحيانًا من داخلي.وعندما رفعت رأسي في النهاية، لم أجد سوى فناجين فارغة، وكراسي تدور قليلاً مع تيار الهواء."لو" كانت تجلس وحدها، ترتشف قهوتي الباردة، وتبتسم كمن انتصر في لعبة قديمة.خرجت أجر معطفي، وبيني وبين الباب المغلق تساءلت:هل كانوا هنا حقًا؟أم أنني كنت، طوال الوقت، أحادث صدى أصواتي في هذا الفراغ؟هبّت ريح خريفية من النافذة المشرعة، فالتفتُّ مذعورًا إلى الطاولة. كانت صفحات كتابٍ مهمل تنقلب بسرعة. هرعتُ لأوقفها خوفًا من أن تتمزق. وضعت يدي على صفحة، ويا لدهشتي، كان العنوان: "ظلال لو".قرأت حتى وصلت إلى آخر سطر:"خرجت أجر معطفي، وبيني وبين الباب المغلق تساءلت: هل كانوا هنا حقًا؟ أم أنني كنت طوال الوقت، أحادث صدى أصواتي في هذا الفراغ؟"ارتجفت. كل ما عشته كان مكتوبًا حرفًا بحرف. رفعت بصري فرأيت المقهى يكرر نفسه، الضوء، الضباب، الكراسي… وحتى يدي المرتجفة فوق الصفحة.مددت أصابعي لأقلب الورقة التالية، لكن الهواء سبقني، وقلبها عني. قرأت السطر الجديد:"الآن، القارئ الذي يمر بعينيه على هذه الكلمات، يشعر بذات الارتجاف، ويتساءل إن كان هو الآخر مجرد شخصية في القصة."توقفت عن القراءة. نظرت إليك—نعم، إليك أنت الذي تمسك هذه الصفحة الآن—كأنني أستأذنك لأعرف:هل نحن نقرأ القصة؟أم أن هذه القصة تكتبنا؟



[HR][/HR]
11. قنبلة الكلمات**لم تعد عيناي تطرفان. الساعة الثالثة والنصف فجراً، وأنا محدق في الشاشة منذ ساعات، أتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي. الطائرات تلقي حمولتها غير عابئة بالأوجاع، والدبابات ترسم القتل المتعمد بلا رحمة. بالنسبة لهم، تلك الكائنات مجرد حيوانات شرسة ينبغي إبادتها. والقناصة في بروجهم أو مختفون في السطوح أو بين كتل التراب، يصطادون العابرين - أطفالاً ونساء وشيوخاً - بلذة لا تضاهى.كنت أتابع شريط الرعب بقلب ينبض بالغضب والعجز، أحاول كتابة شيء، أي شيء، على الورقة البيضاء أمامي. لكن الكلمات تهرب مني كالماء من بين أصابعي.فجأة، رأيت القنبلة تخترق السقف فوق رأسي مباشرة. لم أستطع الهرب. سقطت علي وانفجرت...لكن بدلاً من الشظايا، انفجرت منها الكلمات.الآلاف منها. كلمات حادة كالسكاكين، ناعمة كالحرير، حارقة كاللهب. تساقطت حولي مثل المطر، وراحت تتراقص في الهواء قبل أن تستقر على الأرض، تنتظم تلقائياً في جمل وفقرات. رأيت يدي تتحرك فوق الورقة، تكتب بسرعة مسعورة، تنقل كل ما أراه على الشاشة، كل ما أشعر به، كل الغضب والعجز...استيقظت والشمس تتسلل عبر النافذة. رأسي يؤلمني، وأمامي أوراق مبعثرة مليئة بخط يدي المتعب. قرأت السطر الأول: "لم تعد عيناي تطرفان..."أكان كابوساً؟ أم أنني كتبت بالفعل؟خرجت إلى الشارع متوجهاً إلى المقهى، أحاول أن أفهم ما حدث. الطريق كانت عادية، لكنني كنت أرى حروفاً صغيرة تتراقص في زوايا عيني. كلما التفتُّ نحوها اختفت.دفعت باب المقهى ودخلت. المشهد غريب: أصدقائي، وعلى غير المعتاد، قد غادروا هواتفهم وتجمعوا حول طاولة واحدة، يطالعون جريدة باستغراب شديد."أحمد!" صاح كريم حين لمحني. هبوا جميعاً نحوي معانقين ومشيدين."قصتك رائعة يا رجل! 'قنبلة الكلمات' - من أين أتيت بهذه الفكرة؟"حدقت في الجريدة المفتوحة أمامهم. كان هناك نص بعنوان "قنبلة الكلمات" وتحته اسمي.قرأت الفقرة الأولى بصوت مرتجف: "لم تعد عيناي تطرفان. الساعة الثالثة والنصف فجراً، وأنا محدق في الشاشة منذ ساعات، أتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي...""متى أرسلتها؟" سألت بصوت خفيض."البارحة، حوالي الرابعة فجراً" رد سامي. "قالوا إنها وصلتهم عبر البريد الإلكتروني مع رسالة غريبة: 'هذه قصة كتبتها قنبلة، لا قلم'."عدت إلى البيت مسرعاً. الأوراق ما زالت مبعثرة على المكتب. التقطت إحداها وقرأت: "كان يجلس في المقهى مع أصدقائه، يقرأ قصة في الجريدة عن رجل رأى قنبلة في كابوس فكتب بسبب انفجارها..."أسقطت الورقة من يدي. في الجملة التالية قرأت: "ثم عاد إلى بيته ليجد أوراقاً تحكي عن عودته إلى البيت ليجد أوراقاً..."نظرت إلى الشاشة. الأخبار ما زالت تتدفق. القناة تعرض نفس المشاهد التي رأيتها بالأمس. أو اليوم. أو...متى بدأ هذا؟ ومتى سينتهي؟أمسكت بالقلم مرة أخرى. لم تعد يداي تطيعانني - بدأتا تكتبان من تلقاء نفسهما:"لم تعد عيناه تطرفان. كان محدقاً في الشاشة، يتابع في صمت العالم مشاهد الخراب المطلق والعاصفي..."في الخارج، سمعت صوت طائرة تحلق منخفضة. أم أنها قنبلة تسقط؟أم أنها مجرد كلمات تتساقط من السماء مرة أخرى؟



[HR][/HR]
12. محو بالتقسيط المريح**استيقظ مرعوبا ومتعرقا إذ وجد نفسه داخل جملة ناقصة. فتش عن اسمه بين الشراشف، لم يجد سوى ورقة مهترئة كتب عليها:"احذر… أنت تكتبك."ضحك بصوت عال. بيد أنه لم يسمع صوته. تفقد حنجرته فوجد مكانها مفتاحا صدئا خارج الخدمة.كان يعيش في غرفة لا جدران لها مفتوحة على الفراغ المرعب، كلما رسم بابا، تحول مرآة، وكلما طرق نافذة، ظهر له هو…لكن أكبر بقليل، وأشد تعبا.زارته امرأة بلا ملامح، تمسك بمرآة صغيرة لا تضيء إلا عندما يكذب. قالت له: من أنت؟أجاب قائلا بحيرة: لا أدري بعد.أضاءت المرآة، ثم انفجرت.كتب مذكراته، ثم استيقظ داخلها. وجد نفسه جالسا في فصل بعنوان: "الذي كان يكتبك، تعب."حاول أن يخرج من السطر، فوقع في الهامش. وفي الهامش وجد رجلا يتقيأ حروفا سوداء، قال له: ابلع ما كتبت، أو ستنسى نهائيا.ركض إلى حافة الصفحة، غير أن الصفحة كانت بلا حواف. صاح بصوت مرتفع: أريد النهاية! فأجابه صدى غريب: "ما أنت سوى نهاية شخص آخر."في لحظة سحرية، صار جسده شفافا. فرأى داخله أرشيفا من العبارات الممسوحة، وجملا نصفها حروف، ونصفها ظلال.ثم...هبت ريح من لامكان، حملت جسده كقصاصة ففارغة بلا توقيع، ورمت به في كتاب لا عنوان له.فتحه طفل في عالم آخر، وقرأ الصفحة البيضاء بدهشة، ثم همس: ماما... هذا يشبهني.هكذا،عاد السؤال الأول والأزلي يهمس في الظلال: "من يكتب من؟"



[HR][/HR]
13. "إلّا"... الاستثناء الذي استثناني.**لم أكن أعرف أنني أحبها... حتى كرهتها."إلّا"، أداة صغيرة، لا تزن شيئًا في الميزان النحوي، لكنها رجّت حياتي كما تفعله كلمة في غير موضعها في جنازة. كانت تُنقذني من ورطة التعميم، تمدّ لي حبلًا كلما سقطتُ في هاوية الشمول: "الناس أغبياء... إلّا حين يصمتون"، "كل الكتب تافهة... إلّا تلك التي قرأتها بعد الخراب"، "أحب الجميع... إلّا حين يقتربون". كنتُ أستعملها كثيرًا، أكثر من حروف العطف، أكثر من علامات الترقيم، وربما أكثر من عقلي نفسه. هي ملاذي حين تضيق العبارة، شرفة أطلّ منها على المعنى وأغلقها بسرعة، كي لا يهرب شيء منّي.لكن ذلك تغيّر، كل شيء تغيّر في لحظة عبثية... حين كتبت قصة قصيرة وانتهت بجملة: "إلّا أبي." جملة بدت لي وقتها مثل قطرة حبر أخيرة في قلم يحتضر، تنهيدة على هيئة حرفين.ثم خرج من تحت الأرض قاصٌّ، أشعث الحروف، كأن اللغة طردته قبل أن يحتجّ، وقال لي، دون أن يرمش: "هذه الجملة لي، قلتها قبلك، هي لي، كصوتي وأنا نائم." ثم أخرج من جيبه ورقة عليها ختم مزعوم: مكتب حماية الاستثناءات. قال إن كل "إلّا" غير منسوبة إليه هي سرقة علنية.ضحكت أولًا، ثم كرهته، ثم كرهت "إلّا"، ثم كرهت ضحكتي التي سبقت الكراهية. ومن يومها صرت أتحاشى "إلّا"، كمن يتحاشى حبيبته السابقة في جنازة صديقهما المشترك. كلما كتبت جملة، ترددت، كأنني أمسك شفرة، لا حرفًا. كل محاولة لاستخدامها بدت لي مثل خيانة مزدوجة: لنفسي، ولها.حاولت الاحتيال: استبدلتها بـ "سوى"، و"ماعدا"، و"غير أن"، و"لكن"... لكن لا شيء له نفس الحافة، نفس اللدغة. الجمل صارت كأنها أغانٍ وطنية: مترابطة، مرتبة، ومملة حدّ الغثيان.ثم كتبت في لحظة صدق غافلة: "كلّهم مرّوا... إلّا أنت." وحين قرأتها، انشقّ النص كجرح قديم رفض أن يندمل، وتنفسّت اللغة كأنها كانت تحت الماء.هنا فقط أدركت أنني لم أكن أكره "إلّا"، كنت أكره ذلك الذي أراد أن يحتكر الجرح، ذلك الذي أراد من اللغة أن تلبس قبعةً عليها اسمه، أن تقف في الطابور، وتأخذ رقمًا، وتدفع ضريبة الاستخدام.وقبل ذلك كنت أتحاشى "إلّا" فكلما كتبت جملة، ترددت قبل أن أُخرجها من معناها، كأنني أقصّ ريشةً من جناح طائر هشّ. حاولت استبدالها، مراوغتها، تطويقها ببدائل... لكن اللغة كانت تعرف غيابها. الجمل صارت مغلقة، متجانسة، بلا شقوق... تشبه مؤتمرات المصالحة.. لقد كنت أكره ذاك الرجل، لا لأني أضمر الكراهية، بل لأنه أراد أن يحتكر الاستثناء، ويقنعني أن العبارات مثل الأحذية: تُقاس وتُرَقم وتُباع.واليوم؟ لم أعد أكره "إلّا". بل أراها عتبةً للبوح، ونافذةً للفرار من الإجماع. أكتبها كلما أردت أن أُنقذ نفسي من الجملة.منذ ذلك اليوم، لم أعد أكتب بلا "إلّا". هي عتبة نجاتي، حافتي، هاويتي المقدّسة. صرت أضعها في الجمل مثل من يضع الملح فوق الجرح... لا للشفاء، بل ليعرف أنه ما زال حيًا.وأعترف، كلما كتبت "إلّا"، أشعر أنني أمارس الاستثناء عليّ، أحذفني من الجملة لأبقى داخلها.وفي النهاية؟ لا أحد نجا... إلّا أنا. ثم صحّحتها لنفسي، وأنا أضحك:حتى أنا... لم أنجُ. ولا أرغب.



[HR][/HR]
14. الحكاية التي أكلت صاحبها

**

لم يكن في الحافلة غيرنا نحن الثلاثة. كانت تهتز فوق الإسفلت كأنها تحاول لفظنا خارج الطريق. صديقي، الذي سبقنا إلى التعيين في تلك الجهة المنسية، أصرّ أن نرافقه. قال وهو يبتسم: «لن تندموا. أنا صرت جزءًا من ترابها… حتى الرتيلاء تؤنسني.» وصلنا قبل المغيب إلى المدينة–الحفرة. بلدة لا تنتمي إلى الجغرافيا، ولا إلى الأحلام.

عند باب بيته الطيني قال: «اعتبروه بيتكم. الرتيلاء تقيم معنا أيضًا… لكنها لا تعض الزوار.»

فررت من أول تعيين لي، مدينة جبلية تخنق السماء، لأقع هنا، في صحراء من الغبار والانتظار. لولا مدارس التكوين، لكنت الآن بلا عمل.

جلست على مقعد خشبي متآكل في محطة الحافلات. الزجاج الذي يفصلني عن موظفة الاستقبال—الحارسة—السجّانة—كان يعكس وجهي كخريطة طُويت أكثر مما يجب.

ناولَتني مرآة صغيرة. رأيت الرجل الذي يقرأ الآن هذه الكلمات. يده ترتجف. والفراغ يراقبه.

قالت بصوت ناعم، خطير: «الحكايات الجائعة تحتاج قارئًا لتكتمل. وأنت… دخلتَ سلسلتها الغذائية.»

حاولت الكلام، فتحوّل صوتي إلى نباح بعيد.

عدت إلى "منزلي". لم يكن لي. الجدران تنزّ حبرًا، الأرضية ترتجف كصفحة تُمحى. في الزاوية، نسخة أخرى مني تكتب رسالة: «لا تثق بالمدير. إنه ليس رجلًا… بل جملة اعتراضية في نصّ هذا المكان. احذفه، تسقط الحكاية.» تبخرت الرسالة.

في السوق، التقيت المدير. كان يرتدي بدلة من ضفائر شعر بشري. قال وهو يعدّ الطماطم: «أتدري لماذا لا يغيب القمر هنا؟ لأننا نعيش داخل سؤال. والسؤال لا يُغلق إلا بالقراءة.»

حاولت الهرب. ساقاي تحوّلتا إلى سطور مكتوبة بالطباشير. توقف الناس ليقرؤوني. ضحكوا.

ثم جاءت الإشاعة: «النفط في تال… نسيت.» في اليوم التالي، حفر الناس الأرض بأظافرهم. غرقوا في وهم الإسفلت الأسود. خديعة. حكاية لستر العراء: بطالة، صمت، ووعود تتكسر كل مساء.

تلك الليلة، زحفت بوصيحة عبر فتحة ماسورة. تضخمت حتى ملأت الغرفة. قالت بلغة لم تكن بشرية: «أنت حر أن تروي حكايتك… لكن القلم سيسرق أنفاسك.»

ناولتني قلمًا معصورًا من عروق يدي. عندما لمست الورقة، بدأ جسدي يتفكك كجملة سيئة الصياغة.

في الصباح، رنّ جرس الباب. فتاة شقراء، بثوب من ضوء أزرق. عيناها مربعتان. قالت: «اسمي ليا. أنا القارئة رقم 3047. جئت لأنقذك بـ قتل الراوي.»

قبل أن أفهم، انشق الجدار. ظهر المدير، راكبًا بوصيحة بحجم حافلة مدرسية. ضحك: «الراوي ليس شخصًا… إنه ثقب.»

رمى عليّ شبكة من علامات الترقيم. انقسم جسدي إلى هوامش وحواشٍ.

الآن، أنت أمام الصفحة. يمكنك المتابعة. ويمكنك الإغلاق. لكن تذكّر: الظل الذي تخلّفه القراءة… يتعلم الكتابة وحده.






[HR][/HR]
15. سيرة الظل والحنين

**

منفيًّا ذلك الكشك المتواضع بظهر المهراز في فاس.

كان عمي حسن يجلس خلف منضدته الخشبية، محاطًا بأكوام كتب تفوح منها رائحة الورق القديم. كان يقول وهو يمسح عدساته بطرف جلبابه: «الكتب مثل الأرواح، يا ولدي. بعضها يموت فور طباعته، وبعضها يولد من جديد مع كل قارئ.»

دخلت عليه ذات مساء، كنت أفرّ من رنين هاتفٍ قطع حياتي إلى قبلٍ وبعد: «حادث سير… المستشفى… فات الأوان.»

قلت: «عمي حسن، أبحث عن كتاب يشرح كيف أعيش دون ندم.»

رفع رأسه، وعيناه تشبهان مخطوطتين باليتين. قال: «كل الكتب هنا تتحدث عن الماضي الذي لم يتحقق. لكن هناك كتاب واحد فقط يتحدث عن الحاضر الذي يُختار.» صمت لحظة، ثم أخرج كتابًا جلده من جلد نهر. عنوانه محفور بخط أندلسي: سيرة الظل والحنين.

قال بجدية: «اقرأه، لكن لا تقرأه في الظل، ولا في الضوء الكامل. اقرأه في الـ(ما بين).»

أخذته إلى غرفتي. تركت الستائر نصف مفتوحة، فخلق الضوء تلك المنطقة الرمادية. فتحته.

لم تكن هناك كلمات. كانت الصفحات مرايا باهتة.

وفي الصفحة الأولى، لم ينعكس وجهي، بل وجه يشبهني… أكثر حسمًا، أقل تردّدًا. عيناه تحملان قراراتي المؤجلة. سمعت همسًا: «هذا أنت الذي تركتني أموت هناك؟» أغلقت الكتاب بعنف. لكن الصورة بقيت.

هربت إلى مقهى «الزمان الضائع» قرب الجامعة. طلبت قهوة سوداء. جلس أمامي رجل يعزف على عود بلا أوتار. قال: «قُبلت يومًا في معهد الموسيقى بباريس… ولم أذهب.»

نظرت إليه طويلًا. قلت: «وكنت ستعزف في المترو، لا هنا. ربما لم يولد أطفالك أبدًا.» نظر إليّ، ثم ابتسم. أخرج عودًا حقيقيًا، عزف لحنًا قصيرًا، ثم تلاشى كأنه انعكاس.

قادني القطار إلى طنجة. عند شاطئ سيدي قاسم، قالت امرأة تبيع السمك: «الظل يتحدث عن الماضي، والنور عن المستقبل. والبحر؟ البحر لا يندم. يواصل الحركة.»

عدت. كان الكتاب مفتوحًا على الصفحة الأخيرة.

لم تكن مرآة. كانت نافذة.

رأيت عمي حسن، شابًا، في كشكه. قال: «أنت وصلت متأخرًا… لكنك وصلت.»

ثم تغيّر المشهد. غرفة دافئة. صور والديّ على الجدار. ابتسامة لم أعرفها لهما من قبل. سمعت صوت أمي: «تعال، طعامك جاهز.»

نظرت إلى يدي. قلم قديم. ورقة بيضاء. كتبت: «هذه سيرتي.» توقفت. لم أعرف إن كنت أكتب، أم أُكتب.

رفعت رأسي. على الطاولة، كان الكتاب مغلقًا. لكن الغلاف لم يعد يحمل عنوانًا.

في جيبي، شعرت بوزن الكتاب. فتحت الصفحة الأولى. كانت بيضاء. بيضاء تماما.




[HR][/HR]
16. نور الهياكل

**

انقطع الضوء فجأة.لم ترفع نور رأسها كانها توقعت ذلك او خطر ببالها في لحظة الانقطاع؛ بدا وكان الأمر لا يعنيها هي بالذات؛ أو لعلها تعلّمت منذ زمن ألا تمنح الظلام أكثر مما يستحق. اعتادت أن تواصل القراءة في عتمة خفيفة، ما دامت تعرف، بحدس راكمته التجربة، إلى أين تميل الجملة قبل أن تنتهي. كانت تؤمن أن الكلمات، حين تُقرأ بما يكفي، تُضيء من داخلها.نزلت إلى قبو دار المخطوطات بخفة ورشاقة كانها لا تبغي إقلاق احد؛ لأن الصمت هناك أقل إزعاجًا. في الأسابيع الأخيرة، صار ما تقرأه متشابهًا؛ كأن الكتب، مهما اختلفت عناوينها، تعود إلى الفكرة نفسها، وتدور حولها دون أن تجرؤ على اختراقها. شعرت بأن المعنى يُعاد ترتيبه وتدويره، لا اكتشافه، وأن نورًا باهتًا يتوزّع على آلاف الصفحات دون أن يترك أثرًا.توقفت أمام كتاب لا تذكر أنها طلبته.كان عنوانه يلمع بخفوت: هياكل النور.فتحته بلا اهتمام خاص؛ فتحته ببرود، ثم انتبهت إلى الهوامش. لم تكن شروحًا ولا إحالات، بل جُمَلًا قصيرة، مترددة، أقرب إلى همسٍ كُتب على عجل، كأن من خطّها لم يكن واثقًا من حقه في أن يُرى. علقت في ذهنها إحداها:الناس يتعلّمون الظلام.لم تفهمها فورًا، لكنها شعرت بأنها لا تُقرأ، بل تُمرَّر في الداخل ببطء. أعادت الكتاب إلى مكانه، غير أنها لم تستطع إعادة الجملة. لم تكن جديدة، ومع ذلك بدت صحيحة على نحو مقلق، كأنها تضع اسمًا لما يُعاش دون أن يُسأل.بعد فترة، لاحظت أن قراءاتها تراقب؛ تُتابَع.لا منع صريح، ولا تحذير مباشر. فقط إشارات عن “التوازن” و“الحساسية”. كلمات لينة، لكنها محكمة. في أحد اللقاءات الرسمية، قيل لها إن التراث يحتاج إلى قراءة مسؤولة، وإن بعض الأسئلة تخلق قلقًا غير ضروري. لم تجادل. بدا لها أن القلق، حين يُدار بعناية، يتحوّل إلى جزء من النظام، وربما إلى إحدى طرق استمراره.بدأت، مع قلة من الأصدقاء، في نشر نصوص قديمة على موقع بسيط. بلا شروح، بلا مقدمات. لم يتحدثوا عن التنوير ولا عن المقاومة. فقط أتاحوا النصوص كما هي، عارية من الوصاية. لم يكونوا واثقين من أثر ما يفعلون، لكنهم لم يجدوا سببًا كافيًا للتوقف. كانت الفكرة أن يُترك للقارئ حرا طليق التأويل؛ أن يضلّ طريقه وحده، إن شاء.دُعيت إلى مؤتمر عن “نور التراث”. جلست تستمع إلى كلمات مألوفة، مصقولة وباردة، لا تخطئ ولا تصيب. نور يُقال أكثر مما يُرى. حين جاء دورها، قرأت جملة من الهوامش، ثم توقفت. فجأة لم تعد متأكدة إن كانت الجملة مكتوبة فعلًا في الكتاب، أم أنها ظلّت ترددها في ذهنها حتى صارت جزءًا منه. لم تحاول التوضيح.الصمت الذي تلا كان ترددًا. حيرةً خفيفة اقرب إلى الشك منه إلي اليقين، كأن شيئًا ما انطفأ دون أن يلاحظ أحد.بعد أيام، عادت إلى القبو.بحثت عن الكتاب. وجدته في مكانه لم يبرحه. فتحته، قرأت الهامش، ثم أغلقته. هذه المرة لم تشعر بشيء خاص. لا انزعاج، ولا كشف. كأن الجملة أدّت وظيفتها وانسحبت.صعدت الدرج ببطء بالطريقة نفسها التي تزلت بها. عند الأعلى، انقطع الضوء مرة أخرى. توقفت لحظة، ثم تابعت السير دون أن تبحث عن المفتاح. كان في رأسها فراغ خفيف، لا يشبه الطمأنينة ولا القلق. أدركت، دون أن تصوغ الفكرة، أن ما أقلقها لم يكن الظلام، ولا النور، بل اعتيادها على أن ترى.ومضت، تاركة خلفها القبو، خلفها الكتاب، خلفها الجملة، كما تُترك أشياء لم تعد تحتاج إلى تفسير.




[HR][/HR]
17. بئر الكلمات



بصدق عار، لم أكن أقرأ بدافع الشغف وحده،كنت أقرأ لأن القراءة تؤجّل القلق وتبعد عني التفكير الزائد، والعودة إلى يوم يشبه سابقه أكثر مما أحتمل.في البداية، كانت الكتب مجرد وقت مستقطع: ساعة قبل النوم، أومقعد في الحافلة، أو انتظار طويل بلا حديث.ثم لاحظت أن هدوئي صار مشروطًا بكتاب مفتوح، وأن الضيق يعود فور إغلاقه، كأن القراءة لم تعد متعة بل حالة توازن مؤقتة.صرت أقرأ ببطء، وأعيد صفحات بلا سبب واضح، أتوقف عند فقرة عادية لا تقول شيئًا مهمًا، لكنها تمسكني.لم يكن المعنى ما يلفتني، بل الإحساس الغامض بأن النص يعرفني معرفة كافية، لا أكثر.ذات ليلة، توقفت عند صفحة عادية لا تحمل توترا ولا تبسط حدثا مثيرا، كانت تحمل فقط وصفا بسيطا بلا ذروة أو توتر.ومع ذلك شعرت بثقل خفيف، كأن الصفحة تعاند رغبتي في أن تُقلب.عندما فعلت، لم يتبدل أي شيء في المكان، ظل هو نفسه، بالغرفة نفسها، وبالضوء الخافت ذاته، والكتاب ما زال في يدي… لكن الامر الوحيد الذي طرأ أن الإحساس تغيّر.صرت أقرأ وكأنني أقرب مما يجب، والأحداث تمر بمحاذاتي، والشخصيات مألوفة على نحو يربك أكثر مما يطمئن.لم أشعر بأنني دخلت القصة، بل أن المسافة بيننا اختفت.لم يعد واضحًا إن كنت أتابع السطور أم أنها تتابعني.مع اقتراب النهاية، توقفت عن الرغبة في الإكمال.ليس خوفًا من الخاتمة وانما لأن الإغلاق سيعيدني إلى شيء أعرفه جيدًا، ولا أشتاق إليه.أغلقت الكتاب على أي حال.في اليوم التالي، حاولت العودة إليه، لكن الصفحة نفسها كانت عادية، باردة، بلا أثر.كأن ما حدث لم يكن سوى توتر قارئ متعب في ساعة متأخرة.مع ذلك تغيّر شيء لا أستطيع إنكاره.صرت أقرأ بحذر، أترك فراغًا صغيرًا بيني وبين النص، لا أندمج تمامًا، ولا أبتعد، أو لأقل إنني كنت أعتمد تقنية التغريب البريختية باعتدال.بعض الكتب لا تأخذك إلى عوالم أخرى، بل تجعلك تقف في المسافة الدقيقة بين ما تعيشه وما كان يمكن أن تعيشه.وهناك، في تلك المسافة الصامتة، أدركت أن الكلمات ليست مخرجًا دائمًا،وأن بعض الآبار لا تُغرق،بل تبقينا واقفين في عمقها طويلًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى