حسين عبروس - الفراغ والمعنى في النّص الأدبي..

- في النّص الأدبي لا تسكن المعاني الكلمات وحدها، بل تقيم أيضًا في الفراغات التي تحيط بها، في الصّمت الذي يلمّح أكثر مما يصرّح، ويترك للقارئ متعة الاكتشاف. ففي النّص الشّعري والقصة والرّواية، كما في أدب الطفل، يصبح الفراغ لغة خفيّة تشارك في بناء الدّلالة وتوسيع أفق التّأويل، ومن خلال هذا التّواشج بين القول والمسکوت عنه. يتشكّل الأثر الوجداني العميق على نفس القارئ ويجعله شريكًا في خلق المعنى،لا يقوم النص الأدبي على ما يقوله فقط، بل على ما يختار أن لا يقوله، فالمعنى في الأدب لا يُسكب سكبًا في وعي القارئ، ولا يُقدَّم مكتملًا ونهائيًا، بل يتشكّل في منطقة وسطى بين الحضور والغياب، بين المنطوق والمسكوت عنه، وبين الكلمة والفراغ الذي يجاورها. هذا الفراغ ليس نقصًا في البناء، ولا عجزًا في التّعبير، بل هو ركن جمالي أصيل، وشرط من شروط حيوية النّص وقدرته على التّأثير في نفسيّة المتلقي.
- الفراغ في النّص الأدبي هو تلك المساحة التي يتراجع فيها الصوت اللّغوي ليترك المجال لتدخّل القارئ، سواء كان هذا الفراغ دلاليًا ناتجًا عن الحذف والإضمار، أو بنيويًا يتجلىّ في الصمت بين الجمل والأسطر، أو تأويليًا يتمثّل في الغموض المقصود والنّهايات المفتوحة. وفي كل الأحوال، فإنّ الكاتب لا يترك هذا الفراغ اعتباطًا، بل يراهن عليه بوصفه طاقة خفية تستفزّ
الذّهن والوجدان معًا.في النّص الشّعري، ويتجلّى الفراغ بوصفه جوهر التّجربة الشّعريّة نفسها. فالشعر لا يشرح ولا يقرّر، بل يلمّح ويكثّف ويختزل، ويعتمد على ما تثيره الصورة لا على ما تشرحه العبارة. كثيرًا ما يكون الصمت بين بيتين، أو البياض الذي يلي سطرًا شعريًا، أبلغ من الكلام ذاته، لأنّ القارئ يُدفَع إلى الإصغاء لما وراء اللّغة. هنا يتحوّل المعنى إلى تجربة داخليّة، ويشعر القارئ أنّ القصيدة لا تقول له ما يفكر فيه، بل تفتح فيه ما لم يكن واعيًا به. هذا النوع من الفراغ يولّد دهشة هادئة، وتوترًا جماليًا، وإحساسًا عميقًا بالمشاركة الوجدانية، فيغدو القارئ شريكًا في كتابة القصيدة لا مجرد مستهلك لها.
أمّا في القصة القصيرة، فإنّ الفراغ يتخذ طابعًا أكثر حدّة وتركيزًا، بحكم طبيعة هذا الجنس القائم على الاقتصاد والحذف ،فالقصة لا تقول كلّ شيء، ولا تشرح دوافع شخصياتها شرحًا مطوّلًا، ولا تسرد تاريخها النّفسي والاجتماعي كاملًا، بل تلتقط لحظة دالّة، وتترك ما حولها في الظلّ. هذا الظلّ هو الذي يعمل في نفسيّة القارئ، فيدفعه إلى التّساؤل، وإعادة بناء ما لم يُكتب، وتأويل النّهاية بما يتوافق مع خبرته الخاصة. ومن هنا، فإنّ القصة القصيرة الناجحة هي تلك
التي تنتهي على مستوى الحدث، لكنّها تبدأ على مستوى التّأثير النّفسي،وفي الرّواية، رغم امتدادها الزّمني والسّردي، يظلّ الفراغ عنصرًا حاسمًا في تشكيل معناها العميق، فالرّواية لا تكتفي بما ترويه، بل بما تؤجله، وبما تسكته، وبما تلمّح إليه من خلال فجوات زمنية، أو شخصيات غامضة، أو أحداث تُروى من زوايا ناقصة أو متعارضة. هذه الفراغات تمنح القارئ زمنًا طويلًا للتّورط في النّص، وتخلق علاقة نفسيّة مع العالم الرّوائي، حيث يشعر أنّه يعيش داخله لا يمرّ به مرورًا عابرًا. الرواية التي تشرح كل شيء تُنهك القارئ وتغلق أفق التّأويل، أمّا الرّواية التي تترك مساحات للشّك والتّأمل فتفتح أبوابًا متعدّدة للمعنى،
وتمنح القارئ شعورًا بالحرّية والذّكاء.من النّاحية النّفسيّة، ويعمل الفراغ في النّص الأدبي بوصفه محفّزًا داخليًا. فالعقل الإنساني بطبيعته يميل إلى إكمال النّاقص، والبحث عن الرّوابط، وسدّ الثغرات. لذلك، فإنّ النّص الذي يحتوي على فراغات محسوبة يولّد توترًا إيجابيًا، ويستثير الخيال، ويجعل القارئ أكثر انتباهًا وانخراطًا. كما أن القارئ غالبًا ما يملأ هذه الفراغات بمشاعره وتجربته الخاصة، فيشعر أنّ النّص يخصّه شخصيًا، وأنّه يعكس شيئًا من ذاته. ولهذا السّبب تحديدًا، تبقى النّصوص الموحية أطول في الذاكرة، بينما تتلاشى النّصوص المباشرة
سريعًا بعد قراءتها،غير أنّ الفراغ، بوصفه أداة فنيّة، وليس قيمة في ذاته إن لم يكن منضبطًا بالرّؤية الجماليّة. فليس كل غموض عميقًا، ولا كل صمت دالًا. الفراغ الإبداعي هو ذلك الذي يخدم المعنى ويغنيه، ويقود القارئ إلى أفق تأويلي خصب، أمّا الفراغ الناتج عن ضعف في الكتابة أو غياب في الرؤية فإنه يربك القارئ ويقطع صلته بالنص بدل أن يعمّقها. وهنا تتجلى مهارة الكاتب الحقيقية في الموازنة الدّقيقة بين ما يُقال وما يُترك، وبين الوضوح والإيحاء،
وبين الامتلاء والصّمت في النّهاية، يمكن القول إن النص الأدبي الحقيقي لا يملأ القارئ بالكلمات، بل يوقظه بالفراغات، فالفراغ ليس فراغًا بالمعنى السّلبي، بل هو مساحة للحرّية، ومنطقة للالتقاء بين النّص والنّفس الإنسانيّة، وكلّما كان هذا الفراغ واعيًا وجماليًا، ازداد النّص قدرة على الحياة، وازداد أثره النفسي عمقًا واستمرارًا.
Peut être une image de une personne ou plus et texte


Toutes les réactions :
1حسين عبروس

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى