العقيد بن دحو - مأساة الإعتزال الأدبي

* - من أبكى أفلاطون
هذا السؤال اعلاه ليس بالدرامي التراجيدي الأرسطي الصرف و لا بالفلسفي التقليدي ، و انما بالإنساني حينما يتخلى عن جمهور يته الفاضلة و يعود في لحظة ضعف الى نوستالجيا الشعر ، الكلمة البدء التي تقود الى الفكرة البدء الى الفعل البدء أو البداية.
كون افلاطون كان شاعرا قبل أن يتعاهد الفكر و يكتب من ذاكرة المستقبل.
ذاك أن الفيلسوف شاعرا تخلى عن (الحلم) ليعبر عن أفكاره.
هل عرفت و شهدت الإغريق اعتزالا أدبيا و فنيا في مجرى التاريخ سواء قبل التدوين أو بعد التدوين !؟
تعود فكرة (الإعتزال الأدبي) الى الشاعر الدرامي الإغريقي ، مرهف الحس (اسخيلوس) ، يوم جسّد وقيعة سقوط المدينة الغراء الإغريقية ( ميلوس) تحت مسمى "،ميلوس حبيبتي" على خشبة المسرح ق : (-416) ق.م أمام الفرس ايران حاليا.
كانت تسميهم الأغارقة (البيسيستراس) Picisstrasse ، أي "البرابرة" ، و لما شاهد و شَهِدَ الشعب الأثيني ا المحاكاة المأساة ضجّت الجماهير بالبكاء ، حتى قيل كان يُسمع نُواح و نَحيب وعويل الاطفال و النساء و الرجال الى مسافات بعيدة.مما أجبر و أضطر الحكومة الى التدحل ووقفت العرض المسرحي ، بل فرضت على الشعب غرامة مالية قدرها 100 دراخما. كما نوفي شاعرها الجميل الى ايطاليا.
هناك...في منفاه الإجباري أصيب الشاعر بإحباط شديد ، انعكست على صحته النفسية و الجسدية ، مما أجبرته الإنتكاسة على اعتزال الفن و الأدب عامة.
يُروَى على رغم افلاطون كان يكره المسرح ، غير أنه حزن حزنا شديدا على فراق و نفي اسخيلوس الى درجة أنه ذات يوم أوقف عن تلقين الدرس لطلبته ، و انتابته نوبة من الصمت و السمت ، استسلم من خلالها ، و أجهش بالبكاءا المر . قال قولته الشهيرة : " أنا مستعد أسافر ايطاليا لأشاهد ميلوس حبيبتي !
ما أشدها إلاما و شقاءا و تعاسة حين تبكي الرجال الرجال.
و على قدر اهل الكرام تأتي المكارم ** و على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
و المثيل يلد المثيل.
على الرغم فكرة (الإعتزال الأدبي) لم ترد في أية عملية احصاء مقننة ، سوسيولوجي أدبي ، او عند أي موقف منظر في فن الأدب أو في أي معالجة من معالجات لعبة (الجيل).
صحيح توجد معان عديدة ذات دلالات بعيدة : (الإستقالة) في سلك التوظيف عامة ، و ايضا (الإقالة) ، التوقيف عن العمل ، حق الموظف في الإضراب الى غير ذلك من الحقوق و الواجبات التي جاء بها نضالات العمال ، البوليتاريون ليحرروا أنفسهم تجاه أرباب العمل و الإقطاعيين في مجرى التاريخ....!
قد نتفهم توقف بعض اهل الفن عن ممارسة مهامهم الفنية كالموسيقى ، الغناء ، التمثيل ، الرسم ، النحث بفعل التقدم في السن على سلم المجايلة (الجرس المقلوب) أو اكراهات اخرى ، لكن لا نتفهم بتاتا كلمة (تقاعد) في أي فن كان زمانيا أو مكانيا. فالفن و الأدب و الفكر و الثقافة فعل انساني نبيل خلاق - حتى لا أقول عملا- مصحوبا بأجر أو مقابل أو عائد مادي !
أي مقابل مادي يمنح لفنان أو لأديب أو لمثقف لا يكون معبرا عنه.
العمل المبذول تقدر وحدته الكمية (بالجول) Joul ، عندما تكون القوة المبذولة جداء الحركة / التنقل ، التحول / التغيير / التفكير مخرجاتها انتقال معين.
فالأدب ليست له وحدة أساسية تقييمية تقويمية ، لا تجريدية كمية رياضيات ، و لا هي تجريبية كما هي في علوم الطبيعة.
الخطأ عندما يقارن الفعل الثقافي ، الخلق و الإبداع و التفكير و المحاكمة بالعمل اليومي الذي يخضع الى رائز زمني معين يتقاضى عليه اجرا في مستوى العمل المبذول أو يخضع لقوانين الوظيف العمومي. بينما (عمل) الأديب الفنان المثقف - ان صح التعبير - نفي اللحظة ، فعل فوق التصنيف و فوق كل تقييم و تقويم.
قد يتساءل أحدهم و ما الذي يقدمه هذا الأديب...!؟
قد يبدو كذلك ، لكن دوره بمثابة الروح الجسد ، اذا كانت الدولة و الحكومات في حاجة الى معالم حضارية ، و بنيات تحتية متينة فهي بالمقابل تحتاج الى بنيات فوقية تغذي المعمار بالروح و النفس. لذا كم كان صادقا عندما نعث (سطالين) الأدباء مهندسي الروح.
و لكن في الأخير تتحايل الدول و الحكومات عن (الضمير) و عن (الأخلاق) و تمنح هذا الأديب او الفنان أو المغكر عائدا ماديا يسمى (اجرا) ، و عندما يبلغ من العمر عتيا عن طيب خاطر بتوقف عم العمل يتقاضى منحة تسمى اصطلاحا (تقاعدا) !
يتم هذا عندما يذوب الإستغلال الأدبي و الفني و الفكري في الإستغلال الإقتصادي و التجاري.
صعب ان تجعل الفعل الفني و الثقافي يخضع الى الدورة الإقتصادية و التجارية للمجتمع ، لأن الميزان تاريخيا مختلا. فنصير الأدب و الفن و الثقافة (الحكومة) تعطي ذهبا و فضة ينفقها رجل الأدب كلما حصل عليهما ، بينما رجل الأدب و الفن و الفكر ، يعطي فنه روحه فكره دمه (دم شاعر) الذين لا يمكن أن تُصرف هذه القيم بأي حال من الأحوال !.
كم هو مؤلم و موجع ، كم يحز بالنفس أن يعتزل أديبا أو أن يشتكي فنانا عوزا ماديا ماليا ما ، دون أن يحرك ضمير أحد !
الدول الكبرى ذات الحكم الراشد (تتحايل) بل الأحرى تجتهد على تأنيب الضمير و على الأخلاق و من حين الى آخر تلجأ الى تكريم بعض الأدباء و الفنانين ، احيانا بمبالغ معتبرة إنقاذا ماء وجه المُكرّم أو (المُتوّج) أولا ، و لإنقاذ ، تكفيرا و التطهيرا (كتاساسيز سياسي) عن نفسها ثانيا أي على الحكومة.
هذا ليس من أو صدقة تمنه حكومات الدول على أدبائها و فنانيها و مثقفيها أنما حق وواجب و دين تاريخي اخلاقي على عاتق الدولة لا يطويه تقادم و لا فوات سن أو زمن .
هناك ألف طريقة لتنقذ ماء وجه الأديب الذي هو في الأخير وجهها الروحي الذي يحب أن ترعاه بالمخبة و العرفان و المحاباة.
كم هو مؤسف له مشهد أديب يلجأ فيه الى الإعتزال الأدبي ؛ قد يبدو الأمر عاديا ، لكن عندما تدرس علم الإجتماع الأدبي عند (روبيرا اسكاربيت) هو بمثابة اعتزال (جنرالا) في أوج المعركة!
أين نجد التنظير الأدبي يجمع بين رجل الأدب و رجل الحرب في خندق واحد. حين يشهد (بلزاك) بأنه و نابليون بونابرت ، كلوفيل ، و واو كونيل من يستحقون الحياة.
و حين صنف أسطورة فنان الحرب كفن و الجندي المقاتل برجل الحرب.
اذن المعارك و الحروب لا تؤخذ و لا يظفر فيها و لا تنتصر فيها بالجنود فقط و الجنرالات و انما بالأدباء و الفنانين و المثقفين ، و لكم أن تتخيلوا حجم خسلرة معركة و خسارة حرب لو اعتزل جنديا واحدا فما بالك ان كان ضابطا كبيرا في حجم رجل أدب !.
امهات المعارك في مجرى التاريخ كان يقودها الجنرالات كبار قادة الجنود و كبار قادة الأدباء
فلنا في تاريخ الحركة الأجبية الفنية السيريالية (1919 - 1939) النموذج الأعم ، يوم كان أنصار المذهب الأدبي جنودا يدافعون في صفوف متقدمة على الثخوم الباريسية ضد الزحف النازية و المدفعية الألماتية تقض مضاجعهم و تدك قلاعهم الحصينة المنيعة.
من العيب و العار و في أوج ازدهار الحضارة الرقمية أديبا يعتزل على المباشر ، و فنانا آخر يشتكي عجزه على الفضاء الأزرق.
يبدو للبعض اعتزال الأديب (حالة) تخصه لا تلزم أحدا ، لا فهي تلزم الضمير الجمعي للأمة بأكملها ، قد يبدو المجتمع غير مبال هو في شأن جمع أكسيرحياته اليومي ، لكنه ضمنيا يشعر بالمسؤولية الإجتماعية إتجاه هذا الإعتزال ، ليبدأ بدوره الإنسحاب و التقوقع عن الذات ، و تصير كافة القضايا لا تهمه !
اعتزال خطير جدا أبكى و أدمى مقل الفلاسفة الأوائل ، لم فيه بال افلاطون إلا عندما عاد اسخيلوس من منفاه و حاد عن اعتزاله.
لم يهدأ بال سقراط و يهدئ من روعه ؛ إلا عندما عاد (فيلوكتيتيس) من منفاه و شارك بالحرب بدرع و سهام هرقل المجنحة.
اذن قضية الأديب المادية و المعنوية المالية قضية دولة بأكملها ، و ليست حالة فردانية لا يسقط عليها و لا تطرح أي التزامات أو ترايبات واجبات أخلاقية بالزمكان.
و لكن في زمن الذكاء الإصطناعي أن تسعى اليهم مادامت الثقافة مشكلة الجميع ، و ما دامت الثقافة انقاذ أولا !
فلتنقذ نفسها من خلال جبر خاطر أديب اعتزل ، و فنان افتقر !
و صدق المثل الشعبي الجزائري القائل : " المريض اللي عندو المريض " !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى