لم يسقط الذهب فجأة.
ولم تُمحَ تريليونات الدولارات لأن السوق أصيب بالجنون.
كما لا تندلع الحروب لأن شرارة عابرة أخطأت طريقها.
ما جرى كُتب قبل أن يُرى.
تقدّم ببطء.
واستُكمل بصمت.
ومُرِّر كما تُمرَّر الخدع الكبرى:
تحت ضجيج الأخبار،
وتحت إيقاع الخوف،
وتحت وهم أن الصورة المكتملة هي ما يظهر على الشاشات.
العالم كان ينظر في اتجاه واحد.
نحو الشرق.
نحو إيران.
نحو احتمال الضربة.
نحو عناوين الحرب.
بينما كانت اليد الأخرى تُعيد ترتيب الطاولة.
حين تحرّك المال، لم يكن ذلك لأن الذهب فقد جوهره،
بل لأن الثقة صُنعت ثم سُحبت في اللحظة المناسبة.
وهذه أخطر أشكال الخداع:
أن يُقاد الجميع إلى زاوية واحدة،
ثم يُترك الانهيار ليفعل فعله.
العالم اندفع نحو الذهب بوصفه ملاذًا.
والملاذ، حين يُقدَّم كإجماع، يتحوّل إلى فخ.
لا لأن المعدن خان،
بل لأن السردية أُديرت.
يكفي تغيير إشارة واحدة.
ترشيح.
تصريح.
رفع هامش.
ثم تُترك الآلة تعمل.
الذهب لا يُسرق.
بل يُنزَع عنه المعنى.
والسوق لا يُغتصَب.
بل يُقاد إلى حيث يُراد له أن يكون.
المدّخر الصغير يرى الأرقام تهوي ولا يجد تفسيرًا.
الدولة النامية تشعر بالاختناق ولا تعرف أين بدأ الخطأ.
الدولة النفطية تكتشف أن الاستقرار كان أضعف مما ظنّت.
أما المركز، فيبقى واقفًا… يراقب، ويعيد التقاط أنفاسه.
هذا ليس خللًا تقنيًا.
ولا حادثًا عابرًا.
إنه منطق إدارة العالم بالابتزاز.
ترامب لم يأتِ ليكسر القواعد.
بل ليقول، بصوتٍ عالٍ، ما كان يُمارَس همسًا.
في هذا المنطق،
الاقتصاد ليس عقدًا اجتماعيًا،
بل أداة ضغط.
والحلفاء ليسوا شركاء،
بل رهائن.
والخوف ليس طارئًا،
بل مادة خام.
لهذا لا يحتاج إلى حرب حقيقية في كل مرة.
يكفيه أن يجعلها ممكنة في الأذهان.
كما في الخداع العسكري:
لا تُصِب الهدف،
دع الخصم يغيّر موقعه بنفسه.
لكن هذا المنطق لا يكتفي بالمال وحده.
هناك سلاحٌ أقدم وأقسى: الجسد.
في قلب النظام الذي يدير الأسواق ويقيس الأرباح،
تُدار أيضًا شبكات أظلم:
بيع البشر،
الاتجار بالأطفال جنسيًا،
تسليع الضعف،
وتحويل الفضائح إلى ملفات ضغط.
ليست هذه جرائم هامشية.
إنها أدوات سيطرة.
حين تُمسَك الحقيقة الأكثر فظاعة بيد من يملك القرار،
يصبح السياسي قابلًا للكسر،
والرأسمالي قابلًا للابتزاز،
وصاحب النفوذ أسيرًا للصمت.
بهذا السلاح تُسقَط رؤوس،
وتُدار ولاءات،
وتُغلق ملفات،
وتُفتَح أخرى.
لا لأن العدالة غابت صدفة،
بل لأن الجريمة حين تكون مفيدة،
تُؤجَّل محاسبتها،
وحين تنتهي صلاحيتها،
تُرمى في الضوء.
هنا لا دين، ولا طائفة، ولا هوية تُفسِّر المشهد.
هنا نظام يعرف كيف يستخدم كل شيء:
المال،
الخوف،
القانون،
والجسد الإنساني نفسه.
وفي قلب هذا النظام،
تقف فلسطين.
ليست بوصفها “قضية”،
بل بوصفها المركز الكاشف.
فلسطين ليست ملفًا جانبيًا في هذا العالم،
إنها مرآته.
هنا يُختبَر كل ما يُقال عن القيم.
هنا يُقاس صدق القانون.
هنا يُعرَّى الخطاب حين يصطدم بالواقع.
في غزة، لا تُقصف البيوت فقط،
بل تُقصف فكرة الإنسان.
وفي الضفة، لا تُسرق الأرض وحدها،
بل يُسرق الزمن،
ويُعاد تشكيل اللغة،
ويُحوَّل الحق إلى “تفصيل إداري”.
الإبادة تُنقَل مباشرة،
والشهود حاضرون،
ومع ذلك يُطلب من العالم أن يناقش “التوازن”
وأن يبحث عن “السياق”.
محاكم العدل الدولية تُستدعى حين يسمح السياق،
وتُفرَّغ من معناها حين تصطدم بالكيان الصهيوني.
القانون يصبح مرنًا.
والعدالة انتقائية.
والدم الفلسطيني يُؤجَّل مرة أخرى.
هنا تتكامل الصورة:
النظام نفسه الذي يدير الأسواق بالخوف،
ويستخدم الجسد للابتزاز،
هو نفسه الذي يمنح كيانًا إحلاليًا حصانة أخلاقية وقانونية،
رغم الإبادة،
ورغم التدمير،
ورغم الشهود.
في هذا السياق،
الصهيونية ليست دينًا ولا هوية.
إنها وظيفة داخل نظام أوسع.
وظيفة شارك فيها
يهود ومسيحيون ومسلمون،
علمانيون ومتدينون،
ليس بالانتماء،
بل بالمصلحة.
وظيفة ترى التفوّق حقًا،
والقوة معيارًا،
والإنسان وسيلة.
وحين يلتقي هذا المشروع مع زعيم مثل ترامب،
لا تُنتج السياسة،
بل تُبرَم صفقة كونية:
الكل قابل للضغط،
الكل قابل للخسارة،
إلا المركز.
لهذا، ما جرى في الأسواق ليس مجرد هبوط.
إنه رسالة.
رسالة تقول إن العالم يعيش داخل كازينو،
وإن الموزّع لا يؤمن بالحظ،
بل بالتحكّم.
الخطر الحقيقي ليس في الخسارة المالية وحدها،
بل في تآكل المعنى.
حين يفقد الذهب رمزيته،
وتفقد القيم صدقيتها،
ويُختزل الإنسان إلى رقم أو ملف أو ورقة ابتزاز،
ندخل مرحلة لا تُدار فيها السياسة،
بل تُدار فيها الإنسانية نفسها.
هنا لا يعود السؤال:
ماذا فعل ترامب؟
بل:
أي عالمٍ سمح لكل هذا أن يصبح طبيعيًا؟
نحن لا نعيش أزمة اقتصاد،
ولا أزمة سياسة،
بل أزمة معنى.
وحين يصبح المال أداة إخضاع،
والقانون ديكورًا،
والجسد ساحة سيطرة،
والحرب وسيلة إدارة،
تتحوّل المعركة الحقيقية إلى معركة
على تعريف الإنسان نفسه.
وهنا، بالضبط،
يُكتب هذا النص.
لا كصرخة.
ولا كتحريض.
بل كشهادة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
3/2/2026
ولم تُمحَ تريليونات الدولارات لأن السوق أصيب بالجنون.
كما لا تندلع الحروب لأن شرارة عابرة أخطأت طريقها.
ما جرى كُتب قبل أن يُرى.
تقدّم ببطء.
واستُكمل بصمت.
ومُرِّر كما تُمرَّر الخدع الكبرى:
تحت ضجيج الأخبار،
وتحت إيقاع الخوف،
وتحت وهم أن الصورة المكتملة هي ما يظهر على الشاشات.
العالم كان ينظر في اتجاه واحد.
نحو الشرق.
نحو إيران.
نحو احتمال الضربة.
نحو عناوين الحرب.
بينما كانت اليد الأخرى تُعيد ترتيب الطاولة.
حين تحرّك المال، لم يكن ذلك لأن الذهب فقد جوهره،
بل لأن الثقة صُنعت ثم سُحبت في اللحظة المناسبة.
وهذه أخطر أشكال الخداع:
أن يُقاد الجميع إلى زاوية واحدة،
ثم يُترك الانهيار ليفعل فعله.
العالم اندفع نحو الذهب بوصفه ملاذًا.
والملاذ، حين يُقدَّم كإجماع، يتحوّل إلى فخ.
لا لأن المعدن خان،
بل لأن السردية أُديرت.
يكفي تغيير إشارة واحدة.
ترشيح.
تصريح.
رفع هامش.
ثم تُترك الآلة تعمل.
الذهب لا يُسرق.
بل يُنزَع عنه المعنى.
والسوق لا يُغتصَب.
بل يُقاد إلى حيث يُراد له أن يكون.
المدّخر الصغير يرى الأرقام تهوي ولا يجد تفسيرًا.
الدولة النامية تشعر بالاختناق ولا تعرف أين بدأ الخطأ.
الدولة النفطية تكتشف أن الاستقرار كان أضعف مما ظنّت.
أما المركز، فيبقى واقفًا… يراقب، ويعيد التقاط أنفاسه.
هذا ليس خللًا تقنيًا.
ولا حادثًا عابرًا.
إنه منطق إدارة العالم بالابتزاز.
ترامب لم يأتِ ليكسر القواعد.
بل ليقول، بصوتٍ عالٍ، ما كان يُمارَس همسًا.
في هذا المنطق،
الاقتصاد ليس عقدًا اجتماعيًا،
بل أداة ضغط.
والحلفاء ليسوا شركاء،
بل رهائن.
والخوف ليس طارئًا،
بل مادة خام.
لهذا لا يحتاج إلى حرب حقيقية في كل مرة.
يكفيه أن يجعلها ممكنة في الأذهان.
كما في الخداع العسكري:
لا تُصِب الهدف،
دع الخصم يغيّر موقعه بنفسه.
لكن هذا المنطق لا يكتفي بالمال وحده.
هناك سلاحٌ أقدم وأقسى: الجسد.
في قلب النظام الذي يدير الأسواق ويقيس الأرباح،
تُدار أيضًا شبكات أظلم:
بيع البشر،
الاتجار بالأطفال جنسيًا،
تسليع الضعف،
وتحويل الفضائح إلى ملفات ضغط.
ليست هذه جرائم هامشية.
إنها أدوات سيطرة.
حين تُمسَك الحقيقة الأكثر فظاعة بيد من يملك القرار،
يصبح السياسي قابلًا للكسر،
والرأسمالي قابلًا للابتزاز،
وصاحب النفوذ أسيرًا للصمت.
بهذا السلاح تُسقَط رؤوس،
وتُدار ولاءات،
وتُغلق ملفات،
وتُفتَح أخرى.
لا لأن العدالة غابت صدفة،
بل لأن الجريمة حين تكون مفيدة،
تُؤجَّل محاسبتها،
وحين تنتهي صلاحيتها،
تُرمى في الضوء.
هنا لا دين، ولا طائفة، ولا هوية تُفسِّر المشهد.
هنا نظام يعرف كيف يستخدم كل شيء:
المال،
الخوف،
القانون،
والجسد الإنساني نفسه.
وفي قلب هذا النظام،
تقف فلسطين.
ليست بوصفها “قضية”،
بل بوصفها المركز الكاشف.
فلسطين ليست ملفًا جانبيًا في هذا العالم،
إنها مرآته.
هنا يُختبَر كل ما يُقال عن القيم.
هنا يُقاس صدق القانون.
هنا يُعرَّى الخطاب حين يصطدم بالواقع.
في غزة، لا تُقصف البيوت فقط،
بل تُقصف فكرة الإنسان.
وفي الضفة، لا تُسرق الأرض وحدها،
بل يُسرق الزمن،
ويُعاد تشكيل اللغة،
ويُحوَّل الحق إلى “تفصيل إداري”.
الإبادة تُنقَل مباشرة،
والشهود حاضرون،
ومع ذلك يُطلب من العالم أن يناقش “التوازن”
وأن يبحث عن “السياق”.
محاكم العدل الدولية تُستدعى حين يسمح السياق،
وتُفرَّغ من معناها حين تصطدم بالكيان الصهيوني.
القانون يصبح مرنًا.
والعدالة انتقائية.
والدم الفلسطيني يُؤجَّل مرة أخرى.
هنا تتكامل الصورة:
النظام نفسه الذي يدير الأسواق بالخوف،
ويستخدم الجسد للابتزاز،
هو نفسه الذي يمنح كيانًا إحلاليًا حصانة أخلاقية وقانونية،
رغم الإبادة،
ورغم التدمير،
ورغم الشهود.
في هذا السياق،
الصهيونية ليست دينًا ولا هوية.
إنها وظيفة داخل نظام أوسع.
وظيفة شارك فيها
يهود ومسيحيون ومسلمون،
علمانيون ومتدينون،
ليس بالانتماء،
بل بالمصلحة.
وظيفة ترى التفوّق حقًا،
والقوة معيارًا،
والإنسان وسيلة.
وحين يلتقي هذا المشروع مع زعيم مثل ترامب،
لا تُنتج السياسة،
بل تُبرَم صفقة كونية:
الكل قابل للضغط،
الكل قابل للخسارة،
إلا المركز.
لهذا، ما جرى في الأسواق ليس مجرد هبوط.
إنه رسالة.
رسالة تقول إن العالم يعيش داخل كازينو،
وإن الموزّع لا يؤمن بالحظ،
بل بالتحكّم.
الخطر الحقيقي ليس في الخسارة المالية وحدها،
بل في تآكل المعنى.
حين يفقد الذهب رمزيته،
وتفقد القيم صدقيتها،
ويُختزل الإنسان إلى رقم أو ملف أو ورقة ابتزاز،
ندخل مرحلة لا تُدار فيها السياسة،
بل تُدار فيها الإنسانية نفسها.
هنا لا يعود السؤال:
ماذا فعل ترامب؟
بل:
أي عالمٍ سمح لكل هذا أن يصبح طبيعيًا؟
نحن لا نعيش أزمة اقتصاد،
ولا أزمة سياسة،
بل أزمة معنى.
وحين يصبح المال أداة إخضاع،
والقانون ديكورًا،
والجسد ساحة سيطرة،
والحرب وسيلة إدارة،
تتحوّل المعركة الحقيقية إلى معركة
على تعريف الإنسان نفسه.
وهنا، بالضبط،
يُكتب هذا النص.
لا كصرخة.
ولا كتحريض.
بل كشهادة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
3/2/2026