بشير العبيدي - انغمارٌ في حمّام تونس

كم تُخبّىءُ الأيّام في كمّها من عجائب! لقد راغ اليوم في خاطري أن ألجَ إلى حمّامٍ تونسيٍّ عتيقٍ، شكروهُ لي، فانعطفتُ إليه بعد أن صلّيتُ الفجر في مسجد "باي محمّد" في نهج الحلفاوين الشّعبيّ، على مقربة من مسجد يوسف صاحب الطّابع.

فما أنْ خطوتُ في ردهة الحمّام خطواتٍ، حتّى سمعتُ رجلاً يرفع عقيرته بالصّياح، وهو ينزل من السّطح منتعلاً قبقاباً تطقطق به قدمه على الدّرج، ويقول نحوا من هذا:
- "ألا تحشم في هذا الصّباح؟ تربية هذه؟ تالله لولا أنّي أخاف من ربّي لألصقتك بالحائط كلقمة الإسمنت".
فما شككتُ أنّه صاحب الحمّام يعنّف عاملاً له، أو أنّه يتخانق مع زوجته. ثمّ بان لي من تحت خيوط الضّوء الّتي تخترق عتمة الرّدهة رجلاً بديناً، خفيف اللّحية متّقد العينين، يتأزّر بفوطة وبأخرى يتستّر، ولم ألبث حتّى بادرني بالقول:
- صباح الخير.
- قلتُ : الخيرُ صباحك، من هذا الّذي يمنعك الخوف من ربّك من أنْ تلصقه بالحائط؟
- قال وقد تطلّق: القطّ ! قطّي المدلّل ! وضعتُ بجانبه قطيطاً صغيرًا فوق سطح الحمّام، فهو يلتهم كلّ الأكل ولا يرحم القُطيط أبدًا، ويأكل حصّته ويقفز على حصّة القطيط سواء كنتُ حاضراً أم غائباً... ما أشبه هذه البهائم ببني آدم... هيا تفضّل... أتريد حمّاماً فقط أم مع "طيّاب"؟
- قلتُ، وقد استحمقته: بل مع "طيّاب"، وهو الاسم الّذي يعرف به ذاك المكلّف بتدليك نزلاء الحمّام العربي...
اجتزتُ أروقة الغرف، إلى أنْ وصلت إلى الحجرة السّاخنة حيث حوض الماء الحارّ، فوجدتُ شيخاً صفّرتْ عليه الثّمانون، قد دلّى رجليه في الحوض، وقبالته شاب تميد به أغصان الثّلاثين، وقد دلّى رجليه هو الآخر في الحوض السّاخن من الجهة المقابلة، مع الانهماك في مداعبة عضلاته، والنّظر إلى فتائلها بإعجاب، فتشاغلت عنهما برهة مسنداً ظهري إلى الجدار الحامي، وقد عمّت الرّطوبة الحجرة والبخار. ثمّ جاء الطّيّابُ وصاح: هيّا تفضّل ! فقام الشّاب وتبع الطّيّاب طائعاّ إلى دكّانة في الحجرة الوسطى الأقلّ حرارة، وجلست أنا في زاوية أتأملّ من بعيد ما سيحصل لي بعد برهة.

1770291031909.png

طرح الطّيّاب زبونه على بساط الفوطة، وأخذ في تدليكه بطريقة ما كانت تخطر لي على بال. لقد اعتلاه في حركة رشيقة، وابتدره مستقبلاً من منبت عظم التًّرقوة، وزلق يديه في اتجاهين متضادّين على لوحيّ الكتف، ومرّر يديه ضاغطاً على العضدين، فالزّند والكعبرة والرّسغ، قبل أنْ يفرّق يديه كجناحي دجاجة تحنّ على كتاكيتها، في حركة عجيبة احتوت مشطيّ اليد وسلاميّات الأصابع، كأنّما يعتصر من الشّاب كلّ التّعب، ويلقي به خارج الجسد من ناحية اليدين. ثمّ انهال عليه من أوسط الفخذين في اتّجاهين متوازيين، وانزلق ضاغطاً على الرّضفة والقصبة وصولا إلى منطقة عظم الكاحل، فمشط القدمين، قبل أنْ يقذف بقوّة الدّفع في اتّجاه سلاميّات أصابع القدم، يطرد التّعب والتوتّر والإنهاك. ثمّ دلّكه بنفس النّظام مستدبراً، قبل أنْ يسند الطّيّاب يديه للجدار المقابل، ويمشى على ظهر الشّاب من منطقة النّخاع الشّوكيّ، حتّى إنّي والله خشيت أنْ يدقّ عظامه، ثمّ نزل وثنى أعطافه كثني الطّفل للورق، فلم يطلقه إلّا مع صوت فرقعة العظام، ثمّ دلّك كامل الجسد بخرقة في يده يزيل الخلايا الميّتة، ثمّ طلى الجسم بالصّابون في حركة سريعة، ثمّ عمّم الماء يصبّه بالسّطل تلو الآخر، كلّ ذلك والشّاب طيّع كأنّما هو دمية في يد لاعب.
أطلق الطّيّاب الشّاب بعد تهنئته وتوديعه وصاح بالشّيخ:
- "هيّا يا حاج، دالتك"...
فصعد المسكين بصعوبة بالغة على الدّكّانة، وقد تدلّت غباغبه، على عِظَم بطنه ودقّة رجليه، وانحناء ظهره، فأيقنتُ بهلاك هذا الحاج المسكين، ودقّ عظامه الهرمة لو تعرّض لمصير الشّاب، وبدأت أتساءل عن مصيري، لولا أنّي رأيته يعامل الشّيخ كأنّه يعالج كومة صوف منفوش بريشة طاووس، فمرّر عليه يده بلين ولطف، ودلّكه كدلك النّفساء لرضيعها، ثمّ طلاه بصابونة في يده وصبّ عليه الماء، وبعثه للرّيح مودّعاً، وما دام دوامه مع الشّيخ سوى عُشُر الّذي كان مع الزّبون الأوّل...
ثمّ صاح بي: "تفضّل يا سيّد، دورك"...
فتوقّعتُ الأسوأ. ولأنّني كنتُ بلا نظّارتي في الحمّام العربيّ، ما تأمّلت ملامح ذاك الطّيّاب حتّى وضع رأسي في حجره، لقد كان في موكب الخمسين من العمر، فضحك لمّا رأى جهلي بكيفيّة التّماهي مع حركاته، ففضحتْ ضحكته فماً أدردا، ثمّ بدأ يستعد أنْ يعاملني معاملة توقّعتها "منزلة ما بين المنزلتين"، فاستوقفه، قبل أنْ يتسلّط عليّ، طيّابٌ له زميلٌ، صاح به بأعلى صوته:
- "أسمعت الأخيرة يا شكري، مجانين هؤلاء؟ والله ما اشتريته أبدًا ولو قتلوني... هذا مختار قال لي الآن أنّ خروف العيد، قد بلغ ثمنه ألف دينار في بعض أحياء تونس".
- فردّ الطّيّاب مستنكراً: "والله لن أشتريه بنصف ذلك الثّمن، ولو اكتفيت بذبح أرنب".
ثمّ خاطبني الطّيّاب، متغضّبا:
- أيعجبك بالله هذا؟ خروف بألف دينار؟ فلنزد للخروف عجلتين ومحرّكاً ومكابحاً، ولنتّخذه درّاجةً ناريّةً! قهرونا أولاد "الهطّاية"...
ثمّ انهال عليّ بالتّدليك كما فعل مع الشّاب حتّى سمعت لغة عظامي، وبدأت أشعر بشيء من الإغماء، وأتمالك كي لا يرى وهني.
وفجأة، توقّف الطيّاب عن تدليكي وقال لي :
- أيّ شيء سماك الله؟
- قلتُ: بشير.
- قال: سي البشير، أستحلفك بالله ألسنا نعيش في مجتمع منافق كلّه؟ أليست مشكلتنا في فحش الأغنياء وفقر الفقراء؟
- فأجبت، وأنا أقلّل من الكلام حرصاً على أنْ يعاملني كأيّ زبون له: لا شكّ أنّ النّفاق لا يخلو منه مجتمع، والفقر فقر الأخلاق.
- فاعترض: "لا يا سيدي، نحن مجتمع تونسيّ منافق كلّه. ألا ترى لو أنّ جميع النّاس رفضوا شراء تلك الخراف، أكان يصل ثمنها إلى ثمن درّاجة ناريّة؟ برأس أمّك يا سي بشير قل لي: لو ارتفع ثمن البصل حتّى يبلغ من الدّنانير خمسة، فرفض النّاس الشّراء، أليس صاحب البصل سيعمل ببصله كبسة لشعره، ويرمي ببضاعته قدّام البغال، فتأنف من أكل البصل النتن؟ هلمّ معي هنا ناحية سوق الملاسين، وقف معي قدّام القصّابين، سترى البيّاع يقول: كيلو الخروف باثنين وعشرين ديناراً، وارقب التّونسيّ ماذا يفعل، سيقول: لم كلّ هذا الغلاء؟ لقد أشعلتم النّار في اللّحم؟ ثمّ انظر كيف أنّ ذلك الشّاري المحتجّ - نفاقاً - يمدّ يده إلى جيبه، فيخرج الدّنانير الأربعة والأربعين، دينارٌ يحكّ ديناراً، ثمّ يشتري ضعف حاجته من اللّحم، وقد يصل المبلغ إلى خمسين ديناراً حين يتعذّر القصّاب بلحمة زائدة طريّة لا يريد أنْ يحرم منها الزّبون، زادت على الوزن المطلوب. أليس هذا يا سي بشير شعبا منافقا؟ بالله عليك قل لي؟ وبرحمة من يعزّ عليك، انظر إلى التّونسيّين وتساءل: من أين يستهلكون، الله يهلكهم، كلّ هذه البضائع من مآكل وملابس وهواتف وتجهيزات، وسيّارات و"شيخات" (احتفالات)؟ نحن شعبٌ منافقٌ، كثير السّلف ممّا لا يردّ، يحبّ الخبزة الباردة، ويستسهل الحياة... حرام عليهم والله، أفّ ... أفّ "...
ثمّ استند طيّابنا على الحائط واعتلاني، وعفس على عمودي الفقريّ من أعلاه إلى أسفله بما أذهب غيظه، ثمّ نزل وقلّبني كشريحة التّين المجفّف، وأخذ يدلّك صدري بقوّة، وينظّف أعطافي، وأضاف:
- - "أمّا أنا فقانع والله بما عندي. هذه دريهمات أكسبها من دلك الزّبائن، يومٌ أجمع خلاله ويوم لا أجمع شيئاً، وعلى قدر كسائي أمدّ رجليّ".
فابتسمت له ابتسامة أستحثّه أنْ ينهي ويطلقني للرّيح. فرابته ابتسامتي وقال:
- أنت تسكن في هذه الحومة؟
- قلت: لا، بل أختي تسكن هنا، جئتها زائراً.
فرابه كلامي حين سمع أنّني ألازم العربيّة الفصحى في كلامي، ولعلّه ظنّ أنني من أثرياء بلاد النفط والنفج، فقال:
- أنت تونسيّ؟
- قلت : نعم.
- قال: كلامك لا يشبه كلامنا.
فسكتّ آملا أنْ ينتهي الحديث إلى هنا. فسألني:
- من أين أنت؟ تبدو لي غريباً.
لم أجد بدّاً من أنْ أعترف أنّني قدمت من باريس. فتهلّل وجهه وتطلّق وتعجّب من باريسيّ يكلّمه بفصيح اللّسان العربي، ثمّ أخذ يدلّكني بأضعاف ما كان يفعل، ويلاطفني على غير ما كان، وقد خفّض صوته، وتسدّدت حركاته، ونقص هيجانه، وأردف قائلا :
- مرحبا بك هذه البلاد بلادك وهذا الشّعب شعبك.
فابتسمتُ آملاً أنْ يتذكّر قوله لي آنفا بأنّ "هذا الشّعب منافق كلّه". فواصل يحادثني ويقول:
- "وهي بعد ماذا أجرتي عندكم أنتم ناس الخارج. فوالله الّذي لا إله إلّا هو سبحانه، لا شريك له ولا معبود سواه، ما نأخذه منكم لا يشتري قاروة خمر ولا حتّى عبوّة جعة. وليتك تدفع لي الثّمن بالعملة الصّعبة.
فاستحمقت الطيّاب لقسمه بمن لا معبود سواه، في معرض الحديث عن الأجرة التي لا تكفي لشراء أم الخبائث المحرّمة، وقلت له: ما معي سوى الدّينار، العملة السّهلة. فصمت برهةً، ثمّ دلّكني بالصّابون وصبّ عليّ الماء صبّاً، وتمنّى لي إقامةً سعيدة في بلدي وهو يقول: باهية تونس. باهية تونس.
فانسللت إلى بهو الحمام لارتداء ملابسي، ولم يطل بي المقام في ذاك البهو جرّاء انخناقي بدخان التّبغ الّذي أبغضه، ودفعتُ للحمّام والطّيّاب ما طاب، وخرجت وأنا لا أدري أيّ الشّخصين أظرف وأطرف: هل هو مالك الحمّام صاحب القطّ المبجّل والقطيط، أم عامله الطّيّاب صاحب القول المتبّل والبسيط. ولقد أنساني أوّلهما الثّاني، وأنساني الثّاني شأني، فخرجتُ من عندهما أنسج حكايتهما بكلماتي نسجًا، وأخفي ضحكي في ثنايا السّطور، ولقد صدق ما قاله أجدادنا في مثلهم : لا يكون دخول الحمام كالخروج منه...
من كتاب : خواطر الأنفاق وبشائر الآفاق ص 85
مكان الحمام : باب سويقة |حاضرة تونس

بقلم: بشير العبيدي
شعبان 1447
كَلِمةٌ تَدْفَعُ ألَمًا وكَلِمةٌ تَصْنَعُ أمَلًا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى