مكاشفات سيميائية :
استنطاق الأنساق البصرية في تجربة الفنان التشكيلي المغربي كريم فريدي
إعداد ومحاورة الباحثة: سناء سقي
توطئة سياقية (الخلفية المنهجية) :
يأتي هذا الحوار ضمن سلسلة لقاءات بحثية نقدية تهدف إلى تفكيك "الأنساق السردية والبصرية" في التجربة التشكيلية المعاصرة . انطلاقاً من المنهج السيميائي، نسعى لتجاوز القراءة السطحية للوحة، نحو استنطاق "مطبخ المعنى" وكشف العلاقات الخفية بين المادة، الضوء، والزمن . إن هذا العمل يندرج ضمن مشروع توثيقي يربط البحث الأكاديمي بالممارسة الإبداعية، لتقديم رؤية نقدية مغايرة للمنجز البصري المغربي .
تقديم الضيف :
نستضيف في هذه الحلقة من "مكاشفات سيميائية" الفنان التشكيلي كريم فريدي ( من مواليد 22 دجنبر 1976 بمدينة سطات) ؛ فنان عصامي شق طريقه ببحث مستمر وممارسة مكثفة، يشتغل بشغف لتطوير تجربته الفنية، وعمله الجاد منحه أسلوباً متفرداً بصم حضوره بأعماله الفنية المميزة في معارض وطنية ودولية .
إنه المبدع الذي اختار "الفضاء الطلق" مرسماً، و"المتلاشيات" لغةً، و"اللحظة الروحية" بوصلة .
فنانٌ يسافر بالريشة نحو "البعد الرابع"، حيث تلتقي فيزياء الضوء بصوفية المادة، ليقدم لنا أعمالاً لا تكتفي بالعرض، بل تفرض حضوراً وجودياً ككائنات حَيّة تتنفس الصّدْق وسط الطبيعة .
يطرح الفنان كريم فريدي مادة دسمة للتحليل، خاصة حين ينقلنا من اللوحة كـ "سطح" إلى اللوحة
كـ "زمن وطاقة" .
وهذا ما سنسعى لاكتشافه معا من خلال عناصر هذه المحاورة .
العتبات (المفاتيح النقدية لتجربة كريم فريدي) :
سيميائية الوجدان (الصدق الفني) :
الفنان كريم فريدي لا يرسم الواقع الخارجي، بل يوثق "اللحظة الروحية" . هنا، اللوحة تصبح "مخططاً للروح" (Psychogram) وليست مجرد تمثيل بصري .
دينامية "البعد الرابع" :
البعد الرابع في الفن يعني الزمن، عندما يدمج الفنان كريم فريدي "الحركة" و"الضوء"، فهو يحاول إلغاء جمود اللوحة وجعل المتلقي يشعر بمرور الزمن أو تدفق الطاقة داخل العمل .
العصامية كمنهج تحرر:
كونه فناناً عصامياً، فهذا يعني أن "الأنساق البصرية" لديه غير مقيدة بقواعد الأكاديمية الصارمة، مما يمنحه حرية أكبر في تجريب خامات وأساليب تعبر عن "ذاته" بصدق وعفوية مباشرة .
محاور الحوار :
المحور الأول: سيميائية المادة (تحولات الهامش)
سناء سقي : أستاذ كريم، يرتكز اشتغالك على "المتلاشيات" والخامات المستعملة في الفضاء الطلق على طقس شبه صوفي . سيميائياً، كيف يتحول "الهامشي" والمهمش بين يديك إلى "مركز" للجمال ؟
وهل تدوير المتلاشيات هو محاولة لترميم ما انكسر في الروح البشرية عبر بوابة المادة ؟
كريم فريدي : وجدتُ في المتلاشيات تجاوباً ذاتياً عميقاً ؛ فهي تحقق لي فكرة أن الجمال يختلف عن "الحُسن". فالحُسن قيمة توجد في أصل الشيء، أما الجمال فهو تفاعل حي بين المادة والمتلقي، وأنا أحاول إبراز الجمال الكامن في عمق الخامة . أحياناً أحافظ على هوية المادة (لونها وشكلها) كما صقلها الزمن كدلالة رمزية قائمة بذاتها، وأحياناً أضيف لمستي لأبرز عنصرها التعبيري، كنوع من رد الاعتبار للمهمش في دورة الزمن مع الطبيعة، وحينها فقط أشعر بوجودي كفاعل .
المحور الثاني: هندسة الضوء والبعد الرابع
سناء سقي : تراهن في أعمالك على تمثيل "البعد الرابع" من خلال دينامية الحركة والضوء . كيف تتحول اللوحة عندك من مساحة ساكنة ببُعدين إلى فضاء زمني يمنح المتلقي إحساساً بالتدفق ؟
وهل يعتبر الضوء في أعمالك "بطلا سرديا" يحكي قصة الروح، أم هو أداة تقنية لبناء الفراغ ؟
كريم فريدي : في الحقيقة، أعتبر "الفراغ" هو البعد الرابع الفعلي، وهو المجال الحاضن للأبعاد الثلاثة . قد يغيب أحد الأبعاد السطحية، لكن الفراغ يظل هو الفاعل ؛ فبدونه لن ندرك الأبعاد الأخرى . فالفراغ هو الذي يخلق الحركة من خلال تدافع عناصر البناء، وهو ما يحرر اللوحة من جمودها ويجعلها فضاءً زمنياً متدفقاً بالطاقة .
المحور الثالث : جيولوجيا اللوحة والصدق الفني
سناء سقي : نلمس في لوحاتك "تراكمات" لونية وخطوطاً تشبه الأعصاب البصرية . سيميائياً، هل هذا التراكم هو توثيق لمراحل "تفاعل مستوى الصدق الروحي بالفني المادي " أثناء عملية الخلق والإبداع ؟ وكيف توازن بين عفوية الضربة الفنية وبين "فيزياء اللوحة" المتماسكة ؟
كريم فريدي: هناك قوة داخلية أترك لها زمام التحكم، لنسمِّها "اللاوعي". في تلك اللحظة، تتراجع المراقبة الواعية والمعرفة الأكاديمية لإفساح المجال للحالة الروحية كي تعبر عن نفسها . العملية الإبداعية عندي هي "ردة فعل" وليست فعلاً مقصوداً، هي نتاج حالة وجدانية فنية لستُ فيها المسيطر؛ لذا فإن التوازن الذي ترينه ليس حسابياً، بل هو وليد لحظة روحية يصعب وصفها لأنني أكون منقاداً لها لا قائداً لها .
المحور الرابع : مرسم الطبيعة ومقاومة الجاذبية
سناء سقي : وَلَعُك أستاذ كريم بتوثيق لحظات الشروق والغروب بعدستك واشتغالك في الطبيعة يحرر اللوحة من منطق الجاذبية الأرضية . ماذا يمنحك الفضاء الطلق وتفتقده في المرسم المُغلق ؟
كريم فريدي : معانقتي للطبيعة مسألة وجودية ؛ تمنحني شعوراً بالانتماء وبالاندماج كجزء من الوجود الكوني . في حين المرسم المغلق يمثل لي "الانحصار"، أما الهواء الطلق فهو انفتاح الروح على الإلهام المباشر . الطبيعة توفر للوحة أو العمل الفني أيا كانت مادته التشكيلية حياة لا تمنح له بين فضاء محاصر بالجدران، حيث تصبح الحركة والسكون جزءاً من كينونة وروح العمل الفني .
المحور الخامس : سيميائية الصمت (بين الروح واللوحة)
سناء سقي : نأتي لمنطقة تسكن أعمالك وتسبق ريشتك "الصمت" . بين سكون المادة الخام وصمت الفضاء لحظة الغروب أو الشروق، كيف يتبلور المعنى في داخلك ؟
وأي منهما أبلغ سيميائياً : الصمت الذي يسبق الخلق الإبداعي، أم الصمت الذي يفرضه العمل المكتمل على المتلقي ؟
كريم فريدي : الصمت هو الفراغ، وما يفعله الصمت لا يفعله الصوت ؛ فالفراغ فاعل "مستفز" لروحي كمُرسِل وللمتلقي كمُستقبل معاً . تماماً كالعزف الموسيقي، يقع الإحساس الروحي الأعمق في لحظات الصمت بين النوتات، وليس أثناء العزف المستمر . هذا التدافع بين الفراغ والكثافة هو ما يخلق الاستقرار الروحي والمعنى في أعمالي .
المحور السادس : المقاومة البصرية واسترداد الذاكرة
سناء سقي : هل يمكن اعتبار أسلوبك في "التدوير للمتلاشيات نوعاً من "المقاومة البصرية" وامتدادا لفكرة الاستبصار الصوفي ؟
سيميائيا، المادة المتلاشية تحمل "ذاكرة الغياب"، وأنت تمنحها حضورا متجددا . هل الرسم أو الإبداع بصفة عامة هو استرداد لما ضاع من الطبيعة ومن أنفسنا ؟
كريم فريدي : لا أعتبرها مقاومة بالمعنى الصِدامي بقدر ما هي "توافق ذاتي" واختبار لفكرة أن القبيح قد يصبح جميلاً في التجربة الفنية الروحية . هو تمرد على "البرمجة المعرفية الظالمة" التي تقصي الأشياء بناءً على المصلحة . حين أحمل قطعة مهملة، أسمع بأُذن قلبي منادياً يقول لها : "هذا قدركِ . . أن نردّ لكِ الاعتبار"، وهذا هو فعل الاسترداد لما ضاع من الطبيعة ومن أنفسنا .
خاتمة :
أستاذ كريم، لقد كانت هذه المحاور دعوة لمشاركة القارئ والباحث "مختبرك الخاص"، حيث المادة تُبعث من جديد، والضوء يصبح هوية، والصمت يصبح لغة أبلغ من الكلام . شكراً لرحابة صدرك وصدق كشفك .
إضاءة سيميائية : (انبعاث الدلالة)
في أعمال فريدي التي تعتمد الخامات الخشبية والأسلاك، نلحظ انتقال المادة من نظام "الاستهلاك" إلى نظام "الاستبصار" . تحولُ الخشب المهمل إلى بؤرة ضوئية يمثل سيميائياً "انبعاث الدلالة" من ركام النسيان .
انفجار منظم" للطاقة الفنية (الروحية) في الصورة أعلاه (وهي تجسد عملا فنيا في طور الإنجاز، لم يكتمل بعد) تعكس بوضوح ما ذكره الفنان كريم فريدي عن "البعد الرابع" والحركة .
إضاءة سيميائية : (التدفق الناري والمركز الكوني) :
سيميائية المركز : نلاحظ وجود "بؤرة" مضيئة في منتصف اللوحة أعلاه، تنبثق منها الألوان . سيميائياً، هذا يمثل "نقطة الانفجار الروحي" ؛ فكل شيء يبدأ من الداخل (الذات) ويتشظى نحو الخارج .
صراع العناصر : دمج اللون البرتقالي المحترق مع الأزرق السماوي ليس مجرد تضاد لوني، بل هو تمثيل لجدلية "الأرض والسماء" أو "الجسد والروح" .
البعد الرابع : الخطوط السوداء هنا ليست "رذاذاً" عشوائياً، بل هي "خيوط زمنية" . نلاحظ أنها توحي بحركة دائرية (دوامة)، والدوامة في السيميائيات هي الرمز الأسمى للزمن الذي لا ينتهي .
إضاءة سيميائية : (الشفافية والطبقات الروحية) :
تعدد الطبقات (Stratigraphy) : يظهر هنا "الضوء" كأداة بناء وليس كمجرد لون . نرى تواجد طبقات شفافة بشكل مكثف، توحي بأن هناك "ما وراء" خلف السطح .
هذا يخدم فكرة "الصدق الفني" ؛ والفنان كريم فريدي يكشفها للمتلقي طبقة تلو الأخرى .
سيميائية "اللاشكل" : اللون يسيح ويتداخل دون حدود حادة . يخلق نوعا من "سيولة المعنى" . ومن ثمة فالفنان هنا يرفض سجن الروح في أشكال هندسية ضيقة، ويترك للضوء حرية تشكيل المساحة .
سيميائية اللون والتدفق : (Chromatic Flow)
الأزرق الملكي والأصفر الفاقع : يجسدان نوعا من الصراع البصري بين برودة الأزرق واشتعال الأصفر، مما يخلق نوعاً من "التوتر الجمالي" .
سيادة الأسود (الخطوط الديناميكية) : الخطوط السوداء ليست مجرد حدود، بل هي "مسارات حركية" توحي بالسرعة والاندفاع، وكأنها نبضات روحية حية .
البعد الرابع (الزمن والحركة)
أغلب اللوحات لا تمنح المتلقي زاوية ثابتة للنظر؛ فالعين تنتقل من البؤرة المضيئة في الوسط إلى "الرذاذ" الأسود في الأعلى مثلا ؛ هذا الانتقال هو "الزمن" الذي يستغرقه المتلقي في استكشاف العمل، وهو تجسيد حي للبعد الرابع الذي يراهن عليه الفنان فريدي في كل أعماله .
الجدل بين الضوء والظلمة
الضوء في اللوحات هنا ينبعث من "الداخل" إلى "الخارج" عبر المساحات البرتقالية والصفراء والبيضاء، مما يعطي انطباعاً بالشفافية والعمق .
خاتمة :
أستاذ كريم، لقد كانت هذه المحاور دعوة لمشاركة المتلقي والباحث "مختبرك الخاص"، حيث المادة تُبعث من جديد، والضوء يصبح هوية، والصمت يصبح لغة أبلغ من الكلام . شكراً لرحابة صدرك وصدق كشفك .
ملخص المحاورة :
يروم هذا الحوار استنطاق المنجز البصري للفنان التشكيلي المغربي كريم فريدي من منظور سيميائي، مع التركيز على تحليل "الأنساق البصرية والسردية" الكامنة في تجربته الفنية . حيث يتناول الحوار فلسفة التعامل مع "المتلاشيات" كعلامات دالة، وكيفية تحويل الهامشي إلى مركز جمالي عبر طقوس "الاستبصار الصوفي" . كما يسلط الضوء على مفهوم "البعد الرابع" (الزمن) وتجلياته من خلال دينامية الضوء والفراغ في الفضاء الطلق . تخلص المحاورة إلى أن تجربة فريدي تمثل "مقاومة بصرية" تسعى لترميم الذاكرة والمادة، مكرسةً مفهوماً جديداً للصدق الفني الذي يربط بين فيزياء اللوحة وجيولوجيا الروح المبدعة .
الهوامش النقدية والمراجع :
سيميائية المادة: يُنظر في هذا السياق إلى مفهوم "المادة السيميائية"
عند جيرار ديليدال، حيث تتحول المادة من كينونة فيزيائية إلى علامة حاملة لدلالات ثقافية وروحية بمجرد دخولها في سياق العمل الفني.
البعد الرابع: يقصد الفنان هنا "الزمنية" (Temporality كما طرحها موريس ميرلو بونتي في "فينومينولوجيا الإدراك"، حيث لا تُدرك اللوحة كسطح ساكن بل كحدث مستمر يتشكل عبر حركة عين المتلقي والضوء .
الأنساق البصرية : الإحالة هنا إلى منهج جان ماري فلوش (Jean-Marie Floch) في تحليل الخطاب البصري، خاصة في التمييز بين الأنساق التشكيلية (الشكل، اللون، الفضاء) والأنساق الأيقونية .
جان ماري فلوش، السيميائية والبصرية. باريس PUF. 1985)
رولان بارت . بلاغة الصورة. (ترجمة إبراهيم الخطيب). 1982.
Umberto Eco . (1976). A Theory of Semiotics. Indiana University Press *
استنطاق الأنساق البصرية في تجربة الفنان التشكيلي المغربي كريم فريدي
إعداد ومحاورة الباحثة: سناء سقي
توطئة سياقية (الخلفية المنهجية) :
يأتي هذا الحوار ضمن سلسلة لقاءات بحثية نقدية تهدف إلى تفكيك "الأنساق السردية والبصرية" في التجربة التشكيلية المعاصرة . انطلاقاً من المنهج السيميائي، نسعى لتجاوز القراءة السطحية للوحة، نحو استنطاق "مطبخ المعنى" وكشف العلاقات الخفية بين المادة، الضوء، والزمن . إن هذا العمل يندرج ضمن مشروع توثيقي يربط البحث الأكاديمي بالممارسة الإبداعية، لتقديم رؤية نقدية مغايرة للمنجز البصري المغربي .
تقديم الضيف :
نستضيف في هذه الحلقة من "مكاشفات سيميائية" الفنان التشكيلي كريم فريدي ( من مواليد 22 دجنبر 1976 بمدينة سطات) ؛ فنان عصامي شق طريقه ببحث مستمر وممارسة مكثفة، يشتغل بشغف لتطوير تجربته الفنية، وعمله الجاد منحه أسلوباً متفرداً بصم حضوره بأعماله الفنية المميزة في معارض وطنية ودولية .
إنه المبدع الذي اختار "الفضاء الطلق" مرسماً، و"المتلاشيات" لغةً، و"اللحظة الروحية" بوصلة .
فنانٌ يسافر بالريشة نحو "البعد الرابع"، حيث تلتقي فيزياء الضوء بصوفية المادة، ليقدم لنا أعمالاً لا تكتفي بالعرض، بل تفرض حضوراً وجودياً ككائنات حَيّة تتنفس الصّدْق وسط الطبيعة .
يطرح الفنان كريم فريدي مادة دسمة للتحليل، خاصة حين ينقلنا من اللوحة كـ "سطح" إلى اللوحة
كـ "زمن وطاقة" .
وهذا ما سنسعى لاكتشافه معا من خلال عناصر هذه المحاورة .
العتبات (المفاتيح النقدية لتجربة كريم فريدي) :
سيميائية الوجدان (الصدق الفني) :
الفنان كريم فريدي لا يرسم الواقع الخارجي، بل يوثق "اللحظة الروحية" . هنا، اللوحة تصبح "مخططاً للروح" (Psychogram) وليست مجرد تمثيل بصري .
دينامية "البعد الرابع" :
البعد الرابع في الفن يعني الزمن، عندما يدمج الفنان كريم فريدي "الحركة" و"الضوء"، فهو يحاول إلغاء جمود اللوحة وجعل المتلقي يشعر بمرور الزمن أو تدفق الطاقة داخل العمل .
العصامية كمنهج تحرر:
كونه فناناً عصامياً، فهذا يعني أن "الأنساق البصرية" لديه غير مقيدة بقواعد الأكاديمية الصارمة، مما يمنحه حرية أكبر في تجريب خامات وأساليب تعبر عن "ذاته" بصدق وعفوية مباشرة .
محاور الحوار :
المحور الأول: سيميائية المادة (تحولات الهامش)
سناء سقي : أستاذ كريم، يرتكز اشتغالك على "المتلاشيات" والخامات المستعملة في الفضاء الطلق على طقس شبه صوفي . سيميائياً، كيف يتحول "الهامشي" والمهمش بين يديك إلى "مركز" للجمال ؟
وهل تدوير المتلاشيات هو محاولة لترميم ما انكسر في الروح البشرية عبر بوابة المادة ؟
كريم فريدي : وجدتُ في المتلاشيات تجاوباً ذاتياً عميقاً ؛ فهي تحقق لي فكرة أن الجمال يختلف عن "الحُسن". فالحُسن قيمة توجد في أصل الشيء، أما الجمال فهو تفاعل حي بين المادة والمتلقي، وأنا أحاول إبراز الجمال الكامن في عمق الخامة . أحياناً أحافظ على هوية المادة (لونها وشكلها) كما صقلها الزمن كدلالة رمزية قائمة بذاتها، وأحياناً أضيف لمستي لأبرز عنصرها التعبيري، كنوع من رد الاعتبار للمهمش في دورة الزمن مع الطبيعة، وحينها فقط أشعر بوجودي كفاعل .
المحور الثاني: هندسة الضوء والبعد الرابع
سناء سقي : تراهن في أعمالك على تمثيل "البعد الرابع" من خلال دينامية الحركة والضوء . كيف تتحول اللوحة عندك من مساحة ساكنة ببُعدين إلى فضاء زمني يمنح المتلقي إحساساً بالتدفق ؟
وهل يعتبر الضوء في أعمالك "بطلا سرديا" يحكي قصة الروح، أم هو أداة تقنية لبناء الفراغ ؟
كريم فريدي : في الحقيقة، أعتبر "الفراغ" هو البعد الرابع الفعلي، وهو المجال الحاضن للأبعاد الثلاثة . قد يغيب أحد الأبعاد السطحية، لكن الفراغ يظل هو الفاعل ؛ فبدونه لن ندرك الأبعاد الأخرى . فالفراغ هو الذي يخلق الحركة من خلال تدافع عناصر البناء، وهو ما يحرر اللوحة من جمودها ويجعلها فضاءً زمنياً متدفقاً بالطاقة .
المحور الثالث : جيولوجيا اللوحة والصدق الفني
سناء سقي : نلمس في لوحاتك "تراكمات" لونية وخطوطاً تشبه الأعصاب البصرية . سيميائياً، هل هذا التراكم هو توثيق لمراحل "تفاعل مستوى الصدق الروحي بالفني المادي " أثناء عملية الخلق والإبداع ؟ وكيف توازن بين عفوية الضربة الفنية وبين "فيزياء اللوحة" المتماسكة ؟
كريم فريدي: هناك قوة داخلية أترك لها زمام التحكم، لنسمِّها "اللاوعي". في تلك اللحظة، تتراجع المراقبة الواعية والمعرفة الأكاديمية لإفساح المجال للحالة الروحية كي تعبر عن نفسها . العملية الإبداعية عندي هي "ردة فعل" وليست فعلاً مقصوداً، هي نتاج حالة وجدانية فنية لستُ فيها المسيطر؛ لذا فإن التوازن الذي ترينه ليس حسابياً، بل هو وليد لحظة روحية يصعب وصفها لأنني أكون منقاداً لها لا قائداً لها .
المحور الرابع : مرسم الطبيعة ومقاومة الجاذبية
سناء سقي : وَلَعُك أستاذ كريم بتوثيق لحظات الشروق والغروب بعدستك واشتغالك في الطبيعة يحرر اللوحة من منطق الجاذبية الأرضية . ماذا يمنحك الفضاء الطلق وتفتقده في المرسم المُغلق ؟
كريم فريدي : معانقتي للطبيعة مسألة وجودية ؛ تمنحني شعوراً بالانتماء وبالاندماج كجزء من الوجود الكوني . في حين المرسم المغلق يمثل لي "الانحصار"، أما الهواء الطلق فهو انفتاح الروح على الإلهام المباشر . الطبيعة توفر للوحة أو العمل الفني أيا كانت مادته التشكيلية حياة لا تمنح له بين فضاء محاصر بالجدران، حيث تصبح الحركة والسكون جزءاً من كينونة وروح العمل الفني .
المحور الخامس : سيميائية الصمت (بين الروح واللوحة)
سناء سقي : نأتي لمنطقة تسكن أعمالك وتسبق ريشتك "الصمت" . بين سكون المادة الخام وصمت الفضاء لحظة الغروب أو الشروق، كيف يتبلور المعنى في داخلك ؟
وأي منهما أبلغ سيميائياً : الصمت الذي يسبق الخلق الإبداعي، أم الصمت الذي يفرضه العمل المكتمل على المتلقي ؟
كريم فريدي : الصمت هو الفراغ، وما يفعله الصمت لا يفعله الصوت ؛ فالفراغ فاعل "مستفز" لروحي كمُرسِل وللمتلقي كمُستقبل معاً . تماماً كالعزف الموسيقي، يقع الإحساس الروحي الأعمق في لحظات الصمت بين النوتات، وليس أثناء العزف المستمر . هذا التدافع بين الفراغ والكثافة هو ما يخلق الاستقرار الروحي والمعنى في أعمالي .
المحور السادس : المقاومة البصرية واسترداد الذاكرة
سناء سقي : هل يمكن اعتبار أسلوبك في "التدوير للمتلاشيات نوعاً من "المقاومة البصرية" وامتدادا لفكرة الاستبصار الصوفي ؟
سيميائيا، المادة المتلاشية تحمل "ذاكرة الغياب"، وأنت تمنحها حضورا متجددا . هل الرسم أو الإبداع بصفة عامة هو استرداد لما ضاع من الطبيعة ومن أنفسنا ؟
كريم فريدي : لا أعتبرها مقاومة بالمعنى الصِدامي بقدر ما هي "توافق ذاتي" واختبار لفكرة أن القبيح قد يصبح جميلاً في التجربة الفنية الروحية . هو تمرد على "البرمجة المعرفية الظالمة" التي تقصي الأشياء بناءً على المصلحة . حين أحمل قطعة مهملة، أسمع بأُذن قلبي منادياً يقول لها : "هذا قدركِ . . أن نردّ لكِ الاعتبار"، وهذا هو فعل الاسترداد لما ضاع من الطبيعة ومن أنفسنا .
خاتمة :
أستاذ كريم، لقد كانت هذه المحاور دعوة لمشاركة القارئ والباحث "مختبرك الخاص"، حيث المادة تُبعث من جديد، والضوء يصبح هوية، والصمت يصبح لغة أبلغ من الكلام . شكراً لرحابة صدرك وصدق كشفك .
إضاءة سيميائية : (انبعاث الدلالة)
في أعمال فريدي التي تعتمد الخامات الخشبية والأسلاك، نلحظ انتقال المادة من نظام "الاستهلاك" إلى نظام "الاستبصار" . تحولُ الخشب المهمل إلى بؤرة ضوئية يمثل سيميائياً "انبعاث الدلالة" من ركام النسيان .
انفجار منظم" للطاقة الفنية (الروحية) في الصورة أعلاه (وهي تجسد عملا فنيا في طور الإنجاز، لم يكتمل بعد) تعكس بوضوح ما ذكره الفنان كريم فريدي عن "البعد الرابع" والحركة .
إضاءة سيميائية : (التدفق الناري والمركز الكوني) :
سيميائية المركز : نلاحظ وجود "بؤرة" مضيئة في منتصف اللوحة أعلاه، تنبثق منها الألوان . سيميائياً، هذا يمثل "نقطة الانفجار الروحي" ؛ فكل شيء يبدأ من الداخل (الذات) ويتشظى نحو الخارج .
صراع العناصر : دمج اللون البرتقالي المحترق مع الأزرق السماوي ليس مجرد تضاد لوني، بل هو تمثيل لجدلية "الأرض والسماء" أو "الجسد والروح" .
البعد الرابع : الخطوط السوداء هنا ليست "رذاذاً" عشوائياً، بل هي "خيوط زمنية" . نلاحظ أنها توحي بحركة دائرية (دوامة)، والدوامة في السيميائيات هي الرمز الأسمى للزمن الذي لا ينتهي .
إضاءة سيميائية : (الشفافية والطبقات الروحية) :
تعدد الطبقات (Stratigraphy) : يظهر هنا "الضوء" كأداة بناء وليس كمجرد لون . نرى تواجد طبقات شفافة بشكل مكثف، توحي بأن هناك "ما وراء" خلف السطح .
هذا يخدم فكرة "الصدق الفني" ؛ والفنان كريم فريدي يكشفها للمتلقي طبقة تلو الأخرى .
سيميائية "اللاشكل" : اللون يسيح ويتداخل دون حدود حادة . يخلق نوعا من "سيولة المعنى" . ومن ثمة فالفنان هنا يرفض سجن الروح في أشكال هندسية ضيقة، ويترك للضوء حرية تشكيل المساحة .
سيميائية اللون والتدفق : (Chromatic Flow)
الأزرق الملكي والأصفر الفاقع : يجسدان نوعا من الصراع البصري بين برودة الأزرق واشتعال الأصفر، مما يخلق نوعاً من "التوتر الجمالي" .
سيادة الأسود (الخطوط الديناميكية) : الخطوط السوداء ليست مجرد حدود، بل هي "مسارات حركية" توحي بالسرعة والاندفاع، وكأنها نبضات روحية حية .
البعد الرابع (الزمن والحركة)
أغلب اللوحات لا تمنح المتلقي زاوية ثابتة للنظر؛ فالعين تنتقل من البؤرة المضيئة في الوسط إلى "الرذاذ" الأسود في الأعلى مثلا ؛ هذا الانتقال هو "الزمن" الذي يستغرقه المتلقي في استكشاف العمل، وهو تجسيد حي للبعد الرابع الذي يراهن عليه الفنان فريدي في كل أعماله .
الجدل بين الضوء والظلمة
الضوء في اللوحات هنا ينبعث من "الداخل" إلى "الخارج" عبر المساحات البرتقالية والصفراء والبيضاء، مما يعطي انطباعاً بالشفافية والعمق .
خاتمة :
أستاذ كريم، لقد كانت هذه المحاور دعوة لمشاركة المتلقي والباحث "مختبرك الخاص"، حيث المادة تُبعث من جديد، والضوء يصبح هوية، والصمت يصبح لغة أبلغ من الكلام . شكراً لرحابة صدرك وصدق كشفك .
ملخص المحاورة :
يروم هذا الحوار استنطاق المنجز البصري للفنان التشكيلي المغربي كريم فريدي من منظور سيميائي، مع التركيز على تحليل "الأنساق البصرية والسردية" الكامنة في تجربته الفنية . حيث يتناول الحوار فلسفة التعامل مع "المتلاشيات" كعلامات دالة، وكيفية تحويل الهامشي إلى مركز جمالي عبر طقوس "الاستبصار الصوفي" . كما يسلط الضوء على مفهوم "البعد الرابع" (الزمن) وتجلياته من خلال دينامية الضوء والفراغ في الفضاء الطلق . تخلص المحاورة إلى أن تجربة فريدي تمثل "مقاومة بصرية" تسعى لترميم الذاكرة والمادة، مكرسةً مفهوماً جديداً للصدق الفني الذي يربط بين فيزياء اللوحة وجيولوجيا الروح المبدعة .
الهوامش النقدية والمراجع :
سيميائية المادة: يُنظر في هذا السياق إلى مفهوم "المادة السيميائية"
عند جيرار ديليدال، حيث تتحول المادة من كينونة فيزيائية إلى علامة حاملة لدلالات ثقافية وروحية بمجرد دخولها في سياق العمل الفني.
البعد الرابع: يقصد الفنان هنا "الزمنية" (Temporality كما طرحها موريس ميرلو بونتي في "فينومينولوجيا الإدراك"، حيث لا تُدرك اللوحة كسطح ساكن بل كحدث مستمر يتشكل عبر حركة عين المتلقي والضوء .
الأنساق البصرية : الإحالة هنا إلى منهج جان ماري فلوش (Jean-Marie Floch) في تحليل الخطاب البصري، خاصة في التمييز بين الأنساق التشكيلية (الشكل، اللون، الفضاء) والأنساق الأيقونية .
جان ماري فلوش، السيميائية والبصرية. باريس PUF. 1985)
رولان بارت . بلاغة الصورة. (ترجمة إبراهيم الخطيب). 1982.
Umberto Eco . (1976). A Theory of Semiotics. Indiana University Press *