خير جليس سعيد حجي - هنا وسط الكتاب... شيء من الحب لا يشبهه شيء آخر أبدا…

هنا وسط الكتاب ، شيء من الحب لا يشبهه شيء آخر أبدا…
هنا حيث تنام الكلمات مثل قناديل صغيرة في عتمة الروح ، وحيث تصبح الصفحة مساحة بيضاء تتسع لكل ما ضاق في صدرك يوما…
وسط الكتاب تجد تفسير مطبات لذاتك المتكسرة ، شرحا لنفسك الجامحة التي لا تريد أن تهدأ ، كأن الحروف تعرف تضاريسك أكثر مما تعرفها المرايا…
وسط الكتاب قد تجد عبارات شاردة ، عابرة كطيور مهاجرة ، لكنها تمنحك جرعات أمل قد تكفيك لسنة كاملة كي لا تسقط ، كي لا تتآكل تحت وطأة الأيام…
وسط الكتاب تجد طول نفس يقوم اعوجاج ذاتك التي لم تعد تقاوم لأجل أن تصبر ، تجد صبرا مكتوبا بحبر هادئ ، صبرا يشبه يدا خفية تربت على كتفك دون أن تسأل عن اسمك…
وسط الكتاب ستجد فقرات تمحي عنك آثار نفس تشظت ذات يوم ، كأن القراءة ترميم بطيء لأجزاء منك كانت تتساقط بصمت…
وسط الكتاب تجد فكرة شاردة لكنها صالحة لكي تمنحك خريطة لا تزال في حالة جيدة لتخرجك من دهاليز ، دهاليز الداخل ، دهاليز الأسئلة الثقيلة ، دهاليز المعنى الذي يتوارى حين يعلو الضجيج…
هنا حتى النقط والفاصلة تدعوك لأن تتوقف قليلا وسط الصخب ، لأجل أن تأخذ نفسا ، لأن الحياة ليست سباقا دائما ، الحياة أحيانا مقطع موسيقي يحتاج إلى سكون بين نغمة وأخرى…
حتى الصفحات ورائحة الكتاب تشبه بُنًّا بسيطا يحمي ذاكرتك من التلف ، رائحة الورق مثل ذاكرة قديمة لا تريد أن تنقرض…
وسط الكتاب تجد لحظة انكسار مكتوبة بعناية ، لحظة تشبهك تماما ، فتشعر أن أحدا ما سبقك إلى هذا الجرح ، سبقك إلى هذا التعب ، وترك لك علامة كي لا تضل الطريق…
وسط الكتاب تجد عزلة ناعمة ، عزلة لا تجرح ، عزلة تشبه غرفة صغيرة في بيت داخلي ، بيت لا يدخله أحد سوى الحقيقة…
تقرأ ، فتشعر أن الكلمات ليست حروفا تنتهي في حواف الذاكرة ، إنها طاقة رمزية ، إنها أثر إنساني ، إنها بقايا أرواح مرت من هنا وكتبت كي لا تختنق…
تقرأ ، فتشعر أن كل سطر يمد لك خيطا رفيعا نحو نفسك ، نحو تلك النسخة منك التي تاهت في زحام المدينة ، في الاستهلاك ، في السرعة ، في الاستنزاف اليومي…
وسط الكتاب تجد إعادة ترتيب للفوضى ، هندسة جديدة للداخل ، كأن القراءة فعل وجودي ، فعل تحارب من خلاله التلاشي…
وسط الكتاب تتعلم أن الحزن ليس نهاية ، الحزن مادة خام يمكن أن تتحول إلى معرفة ، إلى حكمة ، إلى اتساع…
تجد اللغة هنا كأنها طقس قديم ، كأنها نسوك بلا صوت ، كأنها محاولة لترويض القلق الذي يسكن الإنسان منذ ولادته…
تجد الجملة أحيانا مثل نافذة ، وأحيانا مثل جرح مفتوح ، وأحيانا مثل يد تمتد من زمن بعيد…
وسط الكتاب يتوقف العالم الخارجي قليلا ، تتراجع أصوات الهواتف ، تتراجع نشرات الأخبار ، تتراجع ضوضاء المقارنات ، ويبقى الإنسان أمام جوهره ، أمام هشاشته ، أمام ذلك السؤال الكبير الذي لا يشيخ…
من أنا ، وماذا أفعل بكل هذا الشعور المتراكم في صدري…؟
وسط الكتاب تكتشف أن الذات ليست صلبة كما نتخيل ، الذات طبقات ، شروخ ، ذاكرة ، طفولة ، خوف قديم ، حلم مؤجل ، وحنين لا يعرف عنوانه…
وسط الكتاب تتعلم أن الإنسان كائن سردي ، يعيش لأنه يحكي نفسه لنفسه ، لأن القصة تمنحه معنى ، تمنحه شكلا وسط الفوضى…
هناك جمل تمر كالماء ، وهناك جمل تستقر كالحجر في القلب…
هناك صفحات تشبه ضوء الصباح ، وهناك صفحات تشبه ليالي طويلة من التفكير…
تقرأ ، فتشعر أن الكاتب لم يكتب فحسب ، إنما عاش ، احترق ، ثم ترك رماده على الورق كي لا تحترق وحدك…
وهذا هو الحب الخفي في الكتب ، حب لا يطلب مقابلا ، حب يشبه ما كتبه ماركيز ذات مرة عن تلك القوى التي تجعل القلب يستمر في الخفقان وسط الخراب…
وسط الكتاب تتغير علاقتك بالزمن ، يصبح الزمن أقل قسوة ، أقل استعجالا ، يصبح الزمن مساحة للتأمل لا مجرد عدّ تنازلي نحو التعب…
وسط الكتاب تدرك أن الحياة الحديثة تسرق الإنسان من نفسه ، تضعه في دوامة الإنتاج ، في اقتصاد الانتباه ، في استهلاك المعنى حتى آخر قطرة…
والكتاب هنا يصبح ملاذا ، يصبح نوعا من الانسحاب النبيل ، انسحابا يعيدك إلى العمق ، إلى الأسئلة الأولى ، إلى المعنى الذي لا يباع ولا يشترى…
وسط الكتاب تنفتح أمامك مفاهيم ثقيلة ، الاغتراب ، القلق الوجودي ، التشظي ، الهوية كسؤال لا كإجابة ، الإنسان كمشروع غير مكتمل…
تكتشف أن المجتمع نفسه يخلق تعبا جماعيا ، يوزع القلق كما توزع المدن دخانها ، وأن الفرد يحمل فوق كتفيه ما هو أكبر من قدرته أحيانا…
وهكذا يصبح الكتاب مساحة مقاومة رمزية ، مساحة لاستعادة السيادة الداخلية ، لاستعادة صوتك وسط جوقة الأصوات…
تصير القراءة فعلا فلسفيا دون أن تشعر ، تصير محاولة لإعادة بناء المعنى في عالم يتساقط فيه المعنى كل يوم…
في النهاية ، حين تغلق الكتاب ، لا تغلقه تماما…
يبقى شيء منه فيك ، يبقى أثر ، يبقى نور صغير ، يبقى خيط غير مرئي يربطك بالحياة من جديد…
وفي آخر السطر ، هناك ظل مفكر بعيد ، ظل أنطونيو غرامشي ، يمر كنسمة ثقيلة ، يذكرك أن الوعي شكل من أشكال النجاة ، وأن الإنسان حين يفهم عالمه قليلا ، يصبح أقل قابلية للانكسار…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى