بشير مفتي - الكاتب والليل

كاشفني صديقٌ بملاحظةٍ ذاتِ أهميّة - أو هكذا حسبها هو - وهو الذي يعرفني منذ بداياتي الأدبيّة إلى اليوم، حيث لفت انتباهي إلى حضور الليل في عناوين كتبي، منذ «أمطار الليل»، مجموعتي القصصيّة الأولى التي صدرت سنة 1992، وكنتُ شابًّا في العشرينات، مرورًا برواية «خرائط لشهوة الليل»، التي صدرت عام 2008 ثم «سيرة طائر الليل»، صدر في سنة 2013 وأخيرًا «وحيدًا في الليل»، الرواية التي صدرت في عام 2019
وبقينا نتحدّث في الموضوع: هل الليل واحدٌ في هذه العناوين ويعكس الرؤية نفسها، أم أنّه يختلف باختلاف النصوص التي حملته كعنوانٍ دالّ، وباختلاف السياقات التي كُتبت فيها تلك النصوص واخترتُ لها هذه العناوين؟ صحيحٌ أنّ الليل مفتوحٌ على تأويلاتٍ لا حصر لها، وهو يعكس نفسيّة الكاتب في لحظةٍ شعوريّة معيّنة، قد تكون واضحة أو مبهمة، لا يهمّ.
في «أمطار الليل» كان الليل رومانسيًّا، على ما أظنّ، بالمعنى الشعريّ لليل.
أمّا في «خرائط لشهوة الليل» فهو يأخذ دلالةً أخرى مرتبطةً بموضوع الرواية التي تتحدّث عن شخصيّةٍ نسويّة تعيش بين عالمين: عالم النهار كطالبة، وعالم الليل كمومسٍ ومخبرة… إلخ.
أمّا في «سيرة طائر الليل» فالأمر يذهب إلى معنى آخر: إنّه الليل الذي يمنحنا فرصة الخلوة بالنفس، والقراءة الهادئة للكتب والنصوص التي نحبّ.
حتّى نصل إلى «وحيدًا في الليل» الذي يرمز إلى الظلمات التي يجد نفسه فيها البطل، الذي ارتكب جريمةً في شبابه، وبعد منفى أستراليّ طويل الزمن، تعود الجريمة لتُنغّص عليه حياته، وتُغرقه في ليلٍ خاصّ، موجِع، ومخيف …أعترفُ بحضور هذا الليل بالمعاني والتأويلات التي ذكرتُها، وهو يعكس قربي من عالمه، سواءً كقارئ أو كاتب. فقراءتي المفضّلة للكتب تحدث في الليل، كما أنّ الحَجم الأكبر من رواياتي كُتِب في الليل، كما أنّ زمن الليل يحضر في معظم رواياتي، لأنّه يحدث فيه أشياء كثيرة تُخفى عن الناس الذين يعيشون في النهار فقط.
فالليل يعطي الانطباع بالقلق والخوف، والجرأة، والمغامرة، وحبّ الاختراق، والذهاب إلى المناطق الخطيرة.
ودائمًا يطرح السؤال نفسه: ماذا يُخفي الليل عن النهار؟
أعلى