محمد محمد مستجاب - الثاني.. عطر الأحباب...يحيى حقي

جسدك الضئيل الذي يستند على عكاز البهجة، وابتسامتك العذبة التي تذكرنا بفرن الخبيز الحامي، ولونك الوردي الذي يشبه خدود حبيباتنا، وإنصاتك لمعانتنا، لأوجاعنا، لمشاكلنا، لتراثنا، لتاريخنا الذي ذبل على شجرة الأيام، يدل على إنك أحد رهبان المعابد الفرعونية ضل طريقة للمعبد ذات يوم، فجلس على قارعة الطريق " في محراب الفن" أسفل شجرة عتيقة على رأس الوطن، ليكتب لنا عن " عطر الأحباب".
أنه " يحيى حقي" الذي له أنف شرلوك هولمز وعيون زرقاء اليمامة ومرونة ثعلب ودفء قط سيامي وإدراك سياسي وسخرية جحا وصبر أيوب ووعي حكيم، ولو رفعت اسم "يحيى حقي" من سلسلة القصة الحديثة لتداعت أعمدتها وانفكت حلقاتها وتساقطت من أول يوسف إدريس ومحمود البدوي مرورًا بأبو المعاطي أبو النجا وسعيد الكفراوي وزكريا تامر وزفزاف حتى حسن علوان ومحمد عبد النبي وأنيس الرافعي، ذلك أن هذا القصير المبتسم الباسم المهذب ذو الأصول التركية، دخل حقل التعبير المعاصر عن طريق البيئة سواء كانت شعبية أو ريفية، تمرغ في ترابها وطرقها ومزارعها وحاراتها ووظائفها وسلالم دواوينها وأوحالها وشطآنها دون اهتمام بالمقاييس والطرق التيمورية- نسبة إلى محمود وأحمد تيمور- السائدة في زمانه، مع أن وظائفه كلها التي عمل فيها كانت استعلائية، أي تحول بينه وبين الواقع وتكويناته وبشره وحركتهم اليومية، فمثله كان يمكن أن يصاب بعقدة السيطرة والهيمنة والمستوي اللائق للسلوك المتعالي، ابتداء من كونه ملاحظ بوليس- وهي وظيفة قديمة كانت تضعه في أول صفوف مديري المديريات ( المحافظين الان)، ومرورًا بعملة الأنيق الأرستقراطي في السلك الدبلوماسي بالخارجية المصرية، وانتهاء بإدارته لمصلحة الفنون أو رئاسته لمجلة " المجلة" والتي من شدة الارتباط بها أصبحت تسمي" مجلة يحيى حقي"، تلك التي قدم فيها الكثير من الأسماء الشابة وفتح لهم الباب للنشر وللشهرة وللتحقق، خاصة الشرفة العظيمة التي كان يجلس فيها مستقبلا كل الأدباء، أو ما تلاها وشابة ذلك من مناصب رفيعة، وكل ذلك كان يجعله مجرد كاتب قصة رومانسي النزعة، يكتب القصة لمجرد تأكيد الوجاهة الفنية استكمالا للوجاهة الاجتماعية، كما فعل ذلك كتّاب عيديون – حصدوا المناصب وكتبوا روايات – وفور الخروج من المنصب لم يعد أحد يتذكرهم.
إلا هذا الرجل- يحيى حقي – والذي تمر تلك الأيام الذكري المائة والثامنة عشر على مولده في مثل تلك الأيام ( 17 يناير 1905- توفي في 9ديسمبر1992) - فلم يكن فنانًا فقط، أو كاتبًا فقط، أو قاصًا فقط، أو مبدعًا فقط، بل كان فاهمًا واعيًا، مدركًا لحركة الناس حوله سواء كانوا جماعات أو أفرادًا، يتقلب خلال حركته بين تقاليد حركة الناس وعلاقتها بالتفاعل اللغوي والبيئي الذي يعيشون فيه، أي هو الذي يستطيع أن يختار عناوين قصصه بشكل جديد جميل دالٍ ومعبر: "خليها على الله"، "أم العواجز"، "عقرب أفندي"، "مولد بلا حمص" ، "ذكريات دكان "، وإلى غير ذلك من تعبيرات ليس فيها ما هو سائد في قصص رسائل الغرام والعشق والخيانة والشرف المثلوم، ولو كتب غيره قصة " البوسطجي" لأسماها " ساعي البريد"، لكنه كان يخترق البيئة وينادم أبطالها من غجر وحلب وشياه وقتله وغوازي وحمير وتجار نخالة وعسالين، كان إحساسه الفني بالناس يختلف عن التعاطف الإنساني الإنشائي الذي عطل كثيرًا من مسيرة التعبير لدي كثير من الكّتاب، وكانت نظرته الثاقبة تضع اختياراته في المجال الساحر للغة العربية، فمع إدراكه لقدرة اللهجة العامية على إفراز البلاغة البيئية، لم يتنازل أبدًا عن الأداء الفصيح، ليزاوج بينهما في اقتران جميل ماكر وذكي ولماح ومتفرد، حتى أنه صنع مجدًا مبكرًا بخمس وثلاثين قصة وراويتين قصيرتين، في حين أن بعض من زاملوه كتبوا ما يزيد على ستمائة قصة وعشرات الروايات دون أن يكونوا في مثل قامته الأدبية الشامخة، هذه القامة التي تمددت في تضاريس مصر، وأصبحت جزءًا من ملامحها الثقافية الأصيلة، والتي ولدت أجيالا من ذوي القامات الأدبية الرفيعة، لكن واحدًا منهم لن يحظى بلقب إلا –الرائد- "يحيى حقي" الكاتب العظيم.
وأجمل ما في يحيى حقي – الكاتب؛ أنه كان يكتب في هدوء وينصت في وعي ويقرأ في سكينة ويضع وجهه نظرة مع ابتسامة دون أن ينتقص من وجهه نظرك، وكان يخاصم في حرج ويعترض في يسر ويكاد قلبه ينزف عطفًا على أعدائه، ما تكاد تراه حتى يعطيك انطباعات عدة، فهو فلاح خارج توًا من نزح مياه أصابت زرعه جاره، أو هو موظف يختنق بدفتر الحضور والانصراف الذي يضعه رئيسه له كأنه حبل مشنقة، أو هو طبيب يريد أن يعالج جروح الناس بدمه، ثم هو دبلوماسي يستقبل وفود الأعداء ويرحب بالذئاب ويودع القاسية قلوبهم، قادر في حركته أن يخلع كل تلك الأسمال والأردية الوظيفية والحياتية، فيخلع جلباب الفلاح وبدلة الدبلوماسي وروب الطبيب ونجوم العسكري ويرتدي معطف الأديب الفاهم الناصح الحكيم.
فحرث أرض الأدب، ومهد الطرق لكل من جاء بعده، ولم يكن أنانيًا كي يصرخ ويطالب بحقه في مملكة الأدب، لكنه – كان راضيًا بما أثمره من أعمال، نابعة في الأساس من رؤيته الحياتية، وراضيًا بما أستطاع أن يقدمه – رغم قلة إنتاجه، حتى طلبه اعتزال عالم الأدب في بداية السبعينيات، كان طلبًا مرفوضًا من الجميع سواء كتّاب أو قراء، وربما كان واقعًا تحت الحصار الذي فرض على مجلة " المجلة" منذ بداية عصر السادات، وبالتالي شعر بأنه موجه ضده، فلم يصرخ أو يطالب بأي شيء، فقد كان راضيًا، يستطيع كما ذكرت أن يتبسم في وجه أعدائه ويربت على أكتافهم، لأنه فهم الروح الإنسانية وفهم البشر وحركتهم ومطالبهم ونوازعهم.
ولقد كتب – يحيى حقي- كي يرى الناس ويشعروا بما شاهده وشعر به، يريد أن يوقظ العقول لفهم تراث بلدهم وما تفعله البيئة في الشخصيات من حولها، وما يستطيعون تقديمه، أو تطوير أنفسهم وخيالهم. لذا فخلال مسيرته الأدبية، كان ك – قصاص الأثر- الذي ركز إبداعه على إظهار الكادحين الذين لا يعلم عنهم أحدًا شيئًا، وصنع لهم تاريخ وسيرة وأدب حقيقي يصمد أمام الأيام وأمام تطور السرد الأدبي، كما رصد تخبط المثقفين بين المثالية المنشودة والواقع المعاش، فقدم لهم بعض المفاهيم والأسس التي شعر بأنها قد تساعدهم في كتابتهم ومسيرتهم الإبداعية.
هكذا استطاع – يحيى حقي- أن يجعل الناس تقرأ في الشوارع والأزقة والنجوع والصحاري ليس في مصر فقط، بل وفي جميع البلاد العربية، ذلك لأنه قدم ما لم يقدمه أحد، وأنار العقول كما لم يفعل إلا قلة قليلة في هذا المضمار، كما أن إنسانية أعماله وإنسانية شخصيته جعلنا نشعر بالضيق أحيانا من عدم قدرتنا على رؤية الأمور أو تصارعنا على أشياء تبدو غالية، وهو ما جعلنا ننسي إنسانيتا، لكن بمجرد أن نقوم بقراءة – يحيى حقي- تعود لنا سكينتنا، ويعود لنا الاشباع، ونستطيع إذا كنا فهمنا ما يقصده أن نرفع السماعة على أعدائنا كي نهنئهم على جائزة أو على كتابة حلوة، فنحن أحفاد هذا العملاق الذي أرشدنا إلى طريق الأدب، ومن خلال هذا الطريق أرشدنا إلى طريق الإنسانية التي تم التهام جزء كبير منها في حياتنا الآن.
محمد محمد مستجاب
أعلى