ماذا لو نظرنا في شعر ثلاثة شعراء من الضفة الغربية وأمعنا النظر في موقفهم مما جرى في غزة ؟ وماذا ، في المقابل لو نظرنا في قصائد لشعراء من غزة في موففهم مما جرى ؟
والأفضل بالتأكيد أن يكون الشعراء من المكانين من أبناء فصيل واحد أو من فصائل لا تمت لحماس والجهاد بصلة .
لي صديق فتحاوي غالبا ما يلعن طوفان الأقصى ومن قام به ، وهو يحمل ما يعاني منه قطاع غزة لحركة حماس وللجهاد الإسلامي .
في ٢٢ شباط نشرت مقالا عنوانه " ماذا لو استقبلت حماس بنيامين نتنياهو بأغصان الزيتون ؟ " وقد أثار نقاشا شارك فيه كتاب ذوو توجهات متعددة .
بعد النشر التقيت صديقي الفتحاوي المؤيد للسلطة الوطنية الذام لحركة حماس وتجادلنا وطلبت منه أن يقرأ المقال وحولته إليه وحولت إليه أيضا أشرطة فيديو لقادة من فتح أفصحوا فيها عن مواقفهم في بداية طوفان الأقصى منه ، مثل محمد اشتية وجبريل الرجوب ، وحولت إليه أيضا شريطا لهاني المصري يحكي فيه ما سمعه عن رأي ينسب لرأس هرم السلطة - إن كان ما قاله هاني صحيحا .
أنا لا أدافع عن حماس ولا أفضلها على فتح ، وما يهمني هو أن ينجز حل ما للقضية الفلسطينية يحقق عودة اللاجئين إلى فلسطين كلها ، وهذا حقهم .
لم يحقق اتفاق أوسلو واحدا من قضايا ثلاثة أساسية هي الانسحاب من الضفة الغربيةو عودة اللاجئين ووقف الاستيطان .
في ٩٠ القرن ٢٠ تتبعت نصوص أبرز الكتاب الفلسطينيين وكتبت في جريدتي " الأيام " و "البلاد" مقالات تحت عنوان " أدب السلم .. أدب الخيبة " أصدرها الشاعر أحمد دحبور في كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ( ١٩٩٨ ) ، عن منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية ، وكما قال لي فقد سأله بعض المسؤولين كيف نشر الكتاب الذي احتفلت به لاحقا مؤسسة الثقافة الفلسطينية في دمشق المؤيدة لحماس ، فأصدرت منه طبعة ثانية . وعندما استضافتني فضائية مؤيدة لها وحاورتني في الكتاب سألني المحاور عن رأيي ، ظانا أنني سأقف إلى جانب حماس ونهجها ، فأجبته منطلقا مما أرى على أرض الواقع بأنه لا نهج أوسلو أنجز ولا نهج حماس ، وغالبا ما أقتبس من جدارية محمود درويش : " لست أنا النبي لأدعي وحيا
وأعلن أن هاويتي صعود " ، وغالبا ما أرى أن العدو الإسرائيلي لا يرمي إلا إلى طردنا وتهجيرنا ، وهو ما رآه إبراهيم طوقان قبل مائة عام في قوله :
لنا خصمان ذو حول وطول
وآخر ذو اقتناص واجتهاد
و
أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو أم محونا والإزالة ؟
قبل فترة أرسل إلي الشاعر جمال سلسع المؤيد لفصيل وطني ، قصيدته " كيف التحفنا الخيام ؟ " . قرأتها وتأملت في نهايتها ، فالنهاية تكثف القصد وتقول ما يرمي إليه صاحب النص ، وكتبت تحت عنوان " ثلاثة شعراء من الضفة وما يجري" وأدرجت القصيدة واقتبست نهايتها :
"فأي الحروف ستشعل دربي /إذا ما تذوق طعم الحسام؟/وكيف ستترك قمحك /
بين الضباب ....../..../ما قادني وجع الأرض/ يوقظ صوت الزمام /تمط الشفاه..
ولا تشتري غير رغو الكلام /فكيف نسينا حروف الصهيل /وكيف التحفنا الخيام ؟"
وكنت كتبت عن قصيدة عبد الناصر " قدمان " ( الأيام ٢٥ / ١٠ / ٢٠٢٥ ) ، ومنذ بدايات أوسلو توقفت أمام موقف المتوكل طه منه وأشرت إلى ازدواجية لسان الشاعر ؛ لسان مع " أبو عمار " ولسان مع المقاومة " ما كان مسخا صار أمنية " ( راجع كتابي " أدب المقاومة ط ١ ص ١٤٧ ) .
هل اختلف عبد الناصر ؟ وماذا قال في قصيدته " قدمان ":
" يخرج أبناء الشمس من الأنفاق /ينتشرون /فيندلع الماء وتخضر الأوراق
... " .
ما كتبته عن شعراء الضفة ومواقفهم لم يرق لقسم من شعراء غزة ممن ينتمون إلى فصائل وطنية ، وقد عبروا في مقالاتهم وفي أشعارهم عن آرائهم ، وأذكر منهم شجاع الصفدي وناصر رباح وعبدالله نايف أبو شاويش، وقد تجادلت مع ناصر حول مفهوم شعر المقاومة .
منذ بداية طوفان الأقصى كتب شجاع سلسلة حلقات تحت عنوان " وأخيرا قررت حماس أن تحارب " وواظب على كتابتها لفترة متأخرة . لقد رأى أن حماس أخطأت فيما أقدمت عليه .
لم أقرأ لناصر ولآخرين قصائد تشبه نغمتها نغمة قصائد شعراء الضفة الثلاثة ، فلم يتغن بالقدمين وفعلهما ، ولم يكتب أنه نسي صهيل الحروف ، ومثله عبدالله . لقد كتبا عن معاناة الناس اليومية . عن نجاتهما . عن الخيمة . عن تنقلاتهما من مكان لآخر . عن شظف العيش وقسوة الحياة منذ افتقدا بيتهما مثل مئات الآلاف . ولكي لا تكون الكتابة جزافية ، فيمكن قراءة نص لكل منهما ، وعليهما قس . يكتب ناصر :
" كيف عاشوا بلا كهرباء! كيف تحملوا مرور الدبابات على أجسادهم، وقصف الطائرات وتصدع الأبنية فوق رؤوسهم! كيف عبروا الحرب والعطش والجوع والموت! كيف تحملوا النزوح والبقاء في الخيام، شتاءً وصيفاً، كيف طبخوا كل شيء على الحطب، بل وصنعوا للأطفال الحلوى والمعجنات ليتعلموا بيعها، لا ليأكلوها، كيف أمضوا عاماً بحذاء واحد، وثوب واحد، كيف مشوا في شوارع ترابها عجن بمياه المجاري ولم يشمئزوا! كيف ركبوا على عربات الحمير ولم يتذمروا، كيف خلط السائقون السولار بالزيت لتوفير الوقود! كيف عادوا لبيوتهم المهدمة وطوقوها بالنايلون وعاشوا فيها! كيف دفنوا أطفالاً وانجبوا أطفالاً وأكملوا حيواتهم! كيف لم ينهزموا! كيف لم ينكسروا! ثم كيف حمدوا الله على الكارثة!
2024 " . طوفان الأقصى كارثة .
ويكتب عبدالله :
" لا شيء طوال الطريق غير الركام،
أمنيات ميتة على الجانبين،
_البيوت التي سبقتنا إلى الله_
رأيت شخصاً أمام بيت،
تخيلته أنا،
قلت: ليت هذا البيت لي.
لا أحد يطل إلى خارج النافذة،
أنا والسائق نغوص في مقعدينا بلا اهتمام، والسيارة تمضى مغمضة العينين.
الكتابة تطول والمساحة محدودة " .
٤ / ٣ / ٢٠٢٦
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٨ آذار ٢٠٢٦
عادل الاسطة
والأفضل بالتأكيد أن يكون الشعراء من المكانين من أبناء فصيل واحد أو من فصائل لا تمت لحماس والجهاد بصلة .
لي صديق فتحاوي غالبا ما يلعن طوفان الأقصى ومن قام به ، وهو يحمل ما يعاني منه قطاع غزة لحركة حماس وللجهاد الإسلامي .
في ٢٢ شباط نشرت مقالا عنوانه " ماذا لو استقبلت حماس بنيامين نتنياهو بأغصان الزيتون ؟ " وقد أثار نقاشا شارك فيه كتاب ذوو توجهات متعددة .
بعد النشر التقيت صديقي الفتحاوي المؤيد للسلطة الوطنية الذام لحركة حماس وتجادلنا وطلبت منه أن يقرأ المقال وحولته إليه وحولت إليه أيضا أشرطة فيديو لقادة من فتح أفصحوا فيها عن مواقفهم في بداية طوفان الأقصى منه ، مثل محمد اشتية وجبريل الرجوب ، وحولت إليه أيضا شريطا لهاني المصري يحكي فيه ما سمعه عن رأي ينسب لرأس هرم السلطة - إن كان ما قاله هاني صحيحا .
أنا لا أدافع عن حماس ولا أفضلها على فتح ، وما يهمني هو أن ينجز حل ما للقضية الفلسطينية يحقق عودة اللاجئين إلى فلسطين كلها ، وهذا حقهم .
لم يحقق اتفاق أوسلو واحدا من قضايا ثلاثة أساسية هي الانسحاب من الضفة الغربيةو عودة اللاجئين ووقف الاستيطان .
في ٩٠ القرن ٢٠ تتبعت نصوص أبرز الكتاب الفلسطينيين وكتبت في جريدتي " الأيام " و "البلاد" مقالات تحت عنوان " أدب السلم .. أدب الخيبة " أصدرها الشاعر أحمد دحبور في كتاب " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ( ١٩٩٨ ) ، عن منشورات وزارة الثقافة الفلسطينية ، وكما قال لي فقد سأله بعض المسؤولين كيف نشر الكتاب الذي احتفلت به لاحقا مؤسسة الثقافة الفلسطينية في دمشق المؤيدة لحماس ، فأصدرت منه طبعة ثانية . وعندما استضافتني فضائية مؤيدة لها وحاورتني في الكتاب سألني المحاور عن رأيي ، ظانا أنني سأقف إلى جانب حماس ونهجها ، فأجبته منطلقا مما أرى على أرض الواقع بأنه لا نهج أوسلو أنجز ولا نهج حماس ، وغالبا ما أقتبس من جدارية محمود درويش : " لست أنا النبي لأدعي وحيا
وأعلن أن هاويتي صعود " ، وغالبا ما أرى أن العدو الإسرائيلي لا يرمي إلا إلى طردنا وتهجيرنا ، وهو ما رآه إبراهيم طوقان قبل مائة عام في قوله :
لنا خصمان ذو حول وطول
وآخر ذو اقتناص واجتهاد
و
أجلاء عن البلاد تريدون
فنجلو أم محونا والإزالة ؟
قبل فترة أرسل إلي الشاعر جمال سلسع المؤيد لفصيل وطني ، قصيدته " كيف التحفنا الخيام ؟ " . قرأتها وتأملت في نهايتها ، فالنهاية تكثف القصد وتقول ما يرمي إليه صاحب النص ، وكتبت تحت عنوان " ثلاثة شعراء من الضفة وما يجري" وأدرجت القصيدة واقتبست نهايتها :
"فأي الحروف ستشعل دربي /إذا ما تذوق طعم الحسام؟/وكيف ستترك قمحك /
بين الضباب ....../..../ما قادني وجع الأرض/ يوقظ صوت الزمام /تمط الشفاه..
ولا تشتري غير رغو الكلام /فكيف نسينا حروف الصهيل /وكيف التحفنا الخيام ؟"
وكنت كتبت عن قصيدة عبد الناصر " قدمان " ( الأيام ٢٥ / ١٠ / ٢٠٢٥ ) ، ومنذ بدايات أوسلو توقفت أمام موقف المتوكل طه منه وأشرت إلى ازدواجية لسان الشاعر ؛ لسان مع " أبو عمار " ولسان مع المقاومة " ما كان مسخا صار أمنية " ( راجع كتابي " أدب المقاومة ط ١ ص ١٤٧ ) .
هل اختلف عبد الناصر ؟ وماذا قال في قصيدته " قدمان ":
" يخرج أبناء الشمس من الأنفاق /ينتشرون /فيندلع الماء وتخضر الأوراق
... " .
ما كتبته عن شعراء الضفة ومواقفهم لم يرق لقسم من شعراء غزة ممن ينتمون إلى فصائل وطنية ، وقد عبروا في مقالاتهم وفي أشعارهم عن آرائهم ، وأذكر منهم شجاع الصفدي وناصر رباح وعبدالله نايف أبو شاويش، وقد تجادلت مع ناصر حول مفهوم شعر المقاومة .
منذ بداية طوفان الأقصى كتب شجاع سلسلة حلقات تحت عنوان " وأخيرا قررت حماس أن تحارب " وواظب على كتابتها لفترة متأخرة . لقد رأى أن حماس أخطأت فيما أقدمت عليه .
لم أقرأ لناصر ولآخرين قصائد تشبه نغمتها نغمة قصائد شعراء الضفة الثلاثة ، فلم يتغن بالقدمين وفعلهما ، ولم يكتب أنه نسي صهيل الحروف ، ومثله عبدالله . لقد كتبا عن معاناة الناس اليومية . عن نجاتهما . عن الخيمة . عن تنقلاتهما من مكان لآخر . عن شظف العيش وقسوة الحياة منذ افتقدا بيتهما مثل مئات الآلاف . ولكي لا تكون الكتابة جزافية ، فيمكن قراءة نص لكل منهما ، وعليهما قس . يكتب ناصر :
" كيف عاشوا بلا كهرباء! كيف تحملوا مرور الدبابات على أجسادهم، وقصف الطائرات وتصدع الأبنية فوق رؤوسهم! كيف عبروا الحرب والعطش والجوع والموت! كيف تحملوا النزوح والبقاء في الخيام، شتاءً وصيفاً، كيف طبخوا كل شيء على الحطب، بل وصنعوا للأطفال الحلوى والمعجنات ليتعلموا بيعها، لا ليأكلوها، كيف أمضوا عاماً بحذاء واحد، وثوب واحد، كيف مشوا في شوارع ترابها عجن بمياه المجاري ولم يشمئزوا! كيف ركبوا على عربات الحمير ولم يتذمروا، كيف خلط السائقون السولار بالزيت لتوفير الوقود! كيف عادوا لبيوتهم المهدمة وطوقوها بالنايلون وعاشوا فيها! كيف دفنوا أطفالاً وانجبوا أطفالاً وأكملوا حيواتهم! كيف لم ينهزموا! كيف لم ينكسروا! ثم كيف حمدوا الله على الكارثة!
2024 " . طوفان الأقصى كارثة .
ويكتب عبدالله :
" لا شيء طوال الطريق غير الركام،
أمنيات ميتة على الجانبين،
_البيوت التي سبقتنا إلى الله_
رأيت شخصاً أمام بيت،
تخيلته أنا،
قلت: ليت هذا البيت لي.
لا أحد يطل إلى خارج النافذة،
أنا والسائق نغوص في مقعدينا بلا اهتمام، والسيارة تمضى مغمضة العينين.
الكتابة تطول والمساحة محدودة " .
٤ / ٣ / ٢٠٢٦
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٨ آذار ٢٠٢٦
عادل الاسطة