حاتم عبدالهادي - جويدة وسيمياء الوطن

تحتم ذكرى انتصار أكتوبر – في هذه الأيام – أن نتحدث عن المجد المصري العظيم في الانتصار على المستعمرين، وذا دفعني لكي أتناول قصيدة شاعر مصر الكبير الصديق عبد العزيز جويدة، فجاءت قصيدة مصر حيث يحيلنا الشاعر القدير إلي قضية حب الوطن بعيدًا عن التعصب والتمذهب فهو يقر بعشقه وذوبانه حتى النخاع في حب مصر، ويقيني أن الشاعر هنا قد دخل إلى موضوع القصيدة مباشرة - دون تمهيد أو مقدمات - حيث الحب والتعبير عن الذات لا يحتاجان إلى شروح وحواشٍ، بل تراه يخش دون تكلفٍ إلى عمق المعني حيث الوطن عنده هو المعادل الضمني للحياة.
إن اللغة عنده لا تحتاج إلى أن تتمكيج، أو تترمز أو تتغلف بقناع يحجب ما يريد التعبير عنه، عبر سيمياء النص، بل ترى المعنى مندمغًا مع مشاعره الدافقة والمتهادية، عبر زورق الوطن وشراع المحبة التي يحملها داخل قلبه الرهيف يقول:
يا مصرُ إن قضيتي
ليسَتْ صليبًا أو هلالْ
ليستْ جَنوًبا أو شَمالْ
يا مصرُ إن قضيتي
هي أنَّ حُبَّكِ
صارَ فوقَ الاحتمالْ
يا مصرُ أنتِ حبيبتي وحقيقتي
ومَنابعُ التقديسِ عندي والجّلالْ
لو مَرَّ ذِكرُكِ في كلامي أرتجِفْ
يَنتابُني إحساسُ فخرٍ أو شُموخٍ كالجِبالْ
لَكِ هَيبةٌ في القلبِ لا حَدٌ لها
مِن يومِ خَلقِكِ للحياةِ إلى الزَّوالْ
ثم ينتقل من التعميم إلى التخصيص؛ ليتحدث عن الشعب المصري الجسور والذي وصفه بالمتصوف الذي يجعل من الدين قضيته الأساسية في تفسير أي شيء، فهو شعب مفضال يتميز بالمحبة التي تجمع كل الأديان في بوتقة واحدة، حيث تصهر الوطنية الأديان في القلوب فلا يتبقى إلا الحب الذي يجمع الملل والنحل والأعراق والمذاهب داخل بوتقة المحبة الخالصة؛ يقول:
شَعبٌ عَظيمٌ رائعٌ مُتصوِّفٌ
باللهِ مربوطٌ بحبلٍ من وِصالْ
مَن قالَ إن الدينَ فرَّقَنا كَذَبْ
فالدينُ أكبرُ مِن تَخاريفٍ تُقالْ
في كلِّ مِئذنةٍ نعَمْ
في كلِّ قُداسٍ نَغَمْ
نَغَمٌ نَغَمْ
بينَ الضلوعِ كأنَّهُ زِلزالْ
يَنسابُ بينَ ضلوعِنا في الحالْ
ولكلِّ شيخٍ كلِّ قَسٍ في القلوبِ مَكانةٌ
هي في الحقيقةِ فَوقَ كلِّ خَيالْ
نِيلٌ شَرِبْناهُ معًا
حُلمٌ حَلُمْناهُ معًا
عُمرٌ قَطعناهُ معًا
فَرَحٌ معًا
حُزنٌ معًا
دَومًا معًا نَتقاسَمُ الأحوالْ
والأرضُ عِشقٌ لا يُفارقُنا معًا
شَوقٌ يَدِبُّ بهذهِ الأوصالْ لقد عبر الشاعر بصدق عن الوحدة الوطنية التي تجمع الشعب المصري عبر سيميائية الوطن دون تشدد مقيت فشريعة الحب هي المعادل السيمائي الذي يؤلف القلوب نحو الوطن الواحد الذي يضم الكنيسة والمسجد؛ ولا يفرق كذلك بين الشرائع التي بنت أركانها على الحب والأيمان الممتد؛ يقول:
"عِيسى" "مُحمدُ" أُخوةٌ
ورِسالةٌ مِن عِندِ خالِقِهِم لَنا
هُم أنبياءُ الحقِّ والصِّدقِ المُبينْ
والعُنفُ مَنبوذٌ هُنا
والقتلُ ذَنبٌ دائمًا وكبيرَةٌ
في كلِّ دِينْ
مِصرُ التي شَهِدتْ بُزوغَ الفجرِ
للدنيا وكانتْ قِبلةً للعاشقينْ
مِصرُ الحقيقةُ دَاخلي
مصرُ اليقينْ
مَهما اختلفنا بَيننا سِرٌ دَفينْ
هو ليسَ عِشقُ تُرابِها
هو ليسَ حُبُّ سمائِها
هو كلُّ هذا ذائِبٌ في نيلِها
هِبةُ الإلهِ لشعبِها
ولأهلِها
ولكلِّ مِلَّةْ
يا أنبياءَ اللهِ يا نورَ الهُدى
أنوارُكم شَمسٌ على الدنيا مُطِلَّة
عِيسى ومُوسى والنبيُّ مُحمدٌ
كانوا هُنا بقلوبِهم
وهناكَ آلافُ الأدلَّةْ... ثم يعرج بنا الشاعر الى قيم الأكسيولوجيا حيث يدعو إلى التسامح والتعايش السلمي، دون عنف أو قتل أو تدمير للمجتمع ونسيجه الوطني المتشابك والمتواشج بالمحبة والقيم الحضارية المصرية الأصيلة؛ يقول:
الخارجونَ عنِ الشرائعِ والسُّننْ
هُم مَارقونَ وقِلَّةٌ مُندسَّةٌ
في زَيفِ قِلَّةْ
أفكارُهم مَسمومةٌ مسعورةٌ
سُودُ القلوبِ جوارحٌ
مَرضى بِداءِ الفتكِ والتضليلِ
لا تَشفى لهُم في الأصلِ عِلَّةْ
وسيُحشرونَ إلى جَهنَّمَ مُكرهينَ مُقيَّدينَ
مُنكِّسينَ رُءُوسَهم سودًا أذِلَّةْ
مَن أنتُمو كي تَستحِلُّوا قَتلَنا؟
ودَمي الزكيُّ تُبيحُهُ؟
مَن أنتَ حتى تَستحِلَّه؟
اللهُ قد خلقَ القلوبَ لأجلِهِ
والدينُ في قلبِ العبادِ
كأنهُ نورُ الأهلَّةْ
حوَّلتُموهُ لسلعةٍ
والكلُّ هَبَّ ليستغِلَّهْ
يا مصرُ أُهديكِ السلامَ وأنحني
حُبًا وإجلالاً إلى وطنٍ
خُلِقْتُ لكي أُجلَّهْ
ويقيني أن لغة الخطاب تنحو إلى المباشرة المتعمدة، لكنها مباشرة محمودة لأن الموضوع لا يحتمل الترميز لأن الحب الصافي ينبغي أن ترادفه لغة واضحة؛ لتسع نطاقات وشرائح مجتمعية كثيرة.
ولقد جسد الشاعر مذهبه الشعري في الحب؛ حيث وصفه بأنه رسالة إنسانية؛ ونسيج سيميائى يجمع بين كل الشرائع والرسالات السماوية التي جاءت لتنشر الحب والسلام والتعايش والتآلف والمودة بين جميع بني البشر؛ يقول:
الحبُّ بينَ العابدينَ رِسالةٌ
ولكلِّ مَحبوبٍ مُحِبٌّ في الهوى حَتمًا أدَلَّة
الأنبياءُ أخِلَّةٌ للعابدينَ وصِدقِهمْ
ياويلَ خِلٍّ في التُقى ويَخونُ خِلَّهْ
يا مصرُ رَوعةُ أهلِنا في صِدقِهِم
وبساطةُ الإنسانِ حُبْ
وجهٌ بَشوشٌ رائعٌ مُتسامحٌ
قلبٌ يَفيضُ نَضارةً
ولذا يُحَبْ
مِن قبلِ أن تأتي الرسُل
في مصرَ كانتْ دعوةُ التوحيدْ
قلنا لهذا الكونِ رَبْ
فالدينُ يَضرِبُ في أصولِ جذورِنا
والدينُ أعذبُ مَنبعٍ للحبْ
لا تَسمعوا صَوتَ النَّعيقِ بأرضِكم
هو سِربُ غِربانٍ ويَزحفَ نحوَكم
مِن كلِّ صوبْ
مِن كلِّ آفاقٍ يُروِّجُ للفتنْ
بِدموعِهِ وصُراخِهِ وبزيِّهِ
والناسُ تَسقُطُ في الشّرَكْ
مِن غيرِ ذنبْ
هو ليسَ إلا حاقدًا ومُتاجرًا
عُذبَ اللسانِ وقلبُهُ كالذِّئبْ
أما الوطنْ
هو للجميعِ وكلُّنا في حُبِّ مصرَ منابعٌ
وبقلبِها حُبُّ الجميعِ يَصُبْ
وفي النهاية: لا نملك تجاه انسيابية السرد الشعري السيموطيقي سوى أن نشيد بمشاعر الذات التي تنطلق دون حدود أو قيود لمحبة الأوطان، حيث الدين يوحد الجميع تحت سماء الإنسانية الممتدة.
يظل الشاعر القدير/ عبدالعزيز جويدة هو شاعر الحب المجتمعي والوطني الذي يغوص في الذات لينطلق منها كمركز إلى الكون والعالم والمجتمع والحياة.

حاتم عبدالهادي السيد
شاعر وناقد من سيناء
01005762702

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى