د. نورة بنيحيى - الليالي الطويلة...

في الطابق السفلي من المستشفى، حيث لا تصل الشمس إلا كذكرى بعيدة، عاشت الطبيبة أكثر من ثمانية عشر عامًا وهي تصادق الليل. لم يكن الليل بالنسبة لها فراغًا أو سكونًا، بل كائنًا حيًا، ثقيل الخطى، يطرق باب المستعجلات كل ساعة، محمّلًا بالألم، بالخوف، وبالانتظار الطويل. كانت تعرف أن الليل لا يأتي وحيدًا؛ يأتي دائمًا بصحبة بشر مكسورين، أجسادهم مرتجفة وقلوبهم معلّقة بخيط رفيع من الأمل.
في ليال الشتاء الطويلة، حين تتكاثف البرودة في العظام، كانت أبواب المستعجلات تُفتح على صرخات مكتومة. أطفال بوجوه شاحبة، شيوخ تتكئ أعمارهم على عصيّ واهنة، نساء يحتضنّ بطونهنّ أو صدورهنّ كأنهنّ يحاولن احتواء الألم بأذرع مرتعشة. كانت الطبيبة تقف هناك، بمعطفها الأبيض الذي لم يعد أبيض تمامًا، وقد تشرب روائح المطهرات والدم والقلق، تنظر في العيون قبل أن تنظر في الأجهزة. كانت تؤمن أن التشخيص يبدأ من النظرة الأولى، من رعشة الصوت، من الطريقة التي يُمسك بها المريض يده أو يستسلم للسرير.
أما ليالي الصيف، فكانت نارًا أخرى. الحرارة لا ترحم، والمستعجلات تتحول إلى مسرح اختناق جماعي. أجساد منهكة، عرق، توتر، ونفَس متقطّع. كانت تشعر أن الهواء نفسه مريض، يحتاج إلى إسعاف. ومع ذلك، لم تفقد هدوءها. كانت تمسح جبين مريض، تطمئن أمًّا مذعورة، تهمس لطفل خائف أن الألم سيمر، حتى وإن لم تكن متأكدة من ذلك تمامًا. كانت تعرف أن بعض الكلمات، حين تُقال بحب، تتحول إلى دواء مؤقت، لكنه ضروري.
ثمانية عشر عامًا من الليال جعلتها شاهدة على كل شيء. على الحياة وهي تُنتزع من حافة الموت، وعلى الموت وهو يمرّ بصمت ثقيل، يترك خلفه فراغًا لا تملؤه أي كلمات. كم مرة جلست بعد نوبة قاسية، تحدق في الفراغ، تحاول أن تفهم لماذا نجا هذا ولم ينجُ ذاك. وكم مرة مسحت دموعها بسرعة، قبل أن تفتح الباب على حالة جديدة، لأن المستعجلات لا تمنح ترف الحزن الطويل.
لم تكن بطلة في نظر نفسها. كانت فقط طبيبة تؤدي واجبها، لكن الليل كان يراها بعين أخرى. كان يعرف أنها هناك حين ينهار الناس، وحين تخونهم أجسادهم، وحين يصبح الزمن عدوًا. كانت تعرف أصوات سيارات الإسعاف كما يعرف المرء دقات قلبه، وتعرف أن كل صافرة تحمل قصة، ربما بداية جديدة، وربما نهاية صامتة.
في عمق هذا العمل القاسي، كانت المحبة هي ما يبقيها واقفة. محبة البشر، رغم هشاشتهم، رغم صراخهم أحيانًا، رغم غضبهم وخوفهم. كانت ترى في كل مريض انعكاسًا لوجه قريب، لأب أو أم أو طفل، وتتصرف على هذا الأساس. لم تكن تعالج جسدًا فقط، بل تحاول، قدر الإمكان، أن تضمد روحًا.
وحين ينتهي الليل، وتخرج إلى ضوء الصباح، كانت تشعر بثقل التعب، لكن أيضًا بنوع غريب من الامتلاء. تعرف أنها ستعود، لأن هناك ليلًا آخر ينتظرها، وقلوبًا أخرى ستطرق باب المستعجلات. وهكذا، بين برد الشتاء ولهيب الصيف، بين الصراخ والصمت، كتبت هذه الطبيبة سيرة غير مكتوبة، سيرة امرأة اختارت أن تحب البشر في أصعب لحظاتهم، وأن تكون حاضرة حين يغيب الجميع.



FB_IMG_1773329404517.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى