وارد بدر السالم - نتنياهو.... ثقافة العنزة في حقل محترق

{إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الأرض}
"سورة القصص،" - الآية - 4


أحدهم اسمه نتنياهو. لا يُعرّف بأسماء الإشارة المعروفة في اللغة. غير تعريفه بأنه كائنٌ، لا نختلف في توصيفه الشخصي بأنه حشري. ملتبس على ذاته من الداخل والخارج. تنطوي ملامحه الخارجية على خدائع متكررة يمكن مشاهدتها من دون عناء.
هو فرد شاذ ومرتبك جداً، لكن بظاهرة صهيونية عالمية. اسم على مسمّى. ذئب هربَ من القطيع وتوحش أكثر مما يجب بتاريخ دموي وسلطة زمنية طويلة، تحوّل فيها الى سوبرمان وقاطع أرحام وأوطان. فاسد ومرتشٍ ولص عالمي مُطارَد في القارّات.
ليس بالضرورة أن يكون إنساناً مثلنا بعقل يفسّر ويحلّل ويستنتج ومن ثم يقرّر. فكثير من كائنات الغابات لها دليل على أن لا تكون مسالمة. خُلقتْ بهذا الشكل والوسيلة والسلوك المبرمج على وحشية فطرية؛ ليس لبيوتها نوافذ ترى العالم وتشم هواءهُ. وليس لها شرفات تطل على ربيع الحياة ونسائم الأزهار الوفيرة.
عندما نشخّص بأن كثيراً مثل نتنياهو في العالم النووي له مثل هذه الفرديات القاسية والصعبة سنُدرك بأن ما بين الإنسان والإنسان طيفُ إنسانٍ ثالث يتخفّى بينهما. شفاف كصفيحة شمعية. لا يظهر دائماً، غير إن ملامحه تظهر في الأزمات والكوارث والحروب ومنعطفات الشعوب القاسية. يتجلّى على نحوٍ واضح فيها، ليشكّل ملمحاً ظاهرياً في السلوك البشري، هو بمنزلة الضمير أو أكثر من ذلك. العقل المنير الراشد الذي يدبّر مرور الاستثناءات في الحياة بشكل صحيح من دون خسائر تُذكر.
ثقافة العقل هي ثقافة الضمير. وكلاهما؛ العقل والضمير؛ منحوتان بطريقة أكثر من مجهرية دقيقة. لا يمكن لمسهما مادياً، ولا رؤيتهما عيانياً، لذلك فهما المحرّكان الرئيسيان للفرد تحت صفيحة ثقافية مجتمعية، وما تخزنه من مواضعات ثقافية وأسطورية وتراثية وشعبية وتاريخية وعقلية، ليست خيالية في الحالات كلها، إنما تجسّد أفكار وثقافة ما يحمله الإنسان منها وما يغذّي به مواطن القوة الذاتية والشخصية.
لا نشك بأن هذا هو العقل البشري المتحرّك والفاعل الذي خلقه لله للبقاء على قيد الإنسانية والبشرية الاجتماعية منذ خلق الإنسان الأول على هذا الكوكب؛ قبل أن تفسده السياسة العالمية وخدعةُ مسمياتِها الكثيرة التي لها أول وليس لها آخِر. مثلما أوهمتنا بالكثير من المصطلحات السياسية والأخلاقية والاجتماعية والعقائدية والثيوقراطية المتطرفة. لهذا نرى بأنه منذ القِدَم؛ مع إنسان ما قبل التاريخ وبعده؛ تجلّت المودة بين الكائنات "عقلياً" وجُمعت صغائر الأمور وكبائرها بطريقة غريزية. وهذا ما يمكن أن نسميه ضمير الإنسان الأول. لذلك فإن الضمير البشري هو ما يتخفى بين إنسانين يعيشان على الأرض في جغرافيات متباعدة، وإن قرّبتْها ثقافة ما بعد الحداثة التكنولوجية في الكترونيات العصر الجديد؛ حتى بتنا نراها بالعين المجردة. ونرى ما يقع عليها. نسمع صرير الصواريخ المخيفة وصراخ العالم في كل مكان واحتضارات كل شيء على وجه الأرض الملغّمة بهم.
الإنسانان على الأرض هما التي تطلق عليهما الفلسفة: الخير والشر.
(1)
بين الإنسانين كثيرون انعدمت فيهم حاسة داخلية اسمها الضمير. خطرون بالقدر الذي تكون فيه الخطورة منبعاً للشر. تركوا الإنسانية خلفهم بعيداً، وتناسوا بأن الحياة هي الناس والطبيعة والكائنات الأخرى التي تعيش معهم وبينهم. لهذا نجد إن بين الخير والشر شراً أكبر وأوسع وأعظم. حمله الكثيرون بعفونة سياسية وعسكرية وعقائدية لا تريد أن تفصل كينونتها عن الواقع الاجتماعي والسياسة القبيحة. ومثل هؤلاء لا تغمض لهم عين، وتبقى عقولهم ملطخة بالدماء وعيونهم النووية تنظر الى أزرار الكيبورد الفتّاكة. هؤلاء نفايات سياسية بقيت على الكوكب لتزيد من فساده وتخرّب ما بنته الأجيال لتمعن في إذلاله. لفظوا الثقافة الاجتماعية والانسانية وصروحها الثقيلة المعبّأة بالجمال والفكر والوعي. واتجهوا الى ثقافة سهلة جداً هي ثقافة قطّاع الطرق في الأوطان.
(2)
أحدهم هو هذا العجوز الأنيق المتصابي الحاقد. اسمه نتن ياهو. متغطرس وسفاح. كائن نرجسي مجرم الى أبعد الحدود. لكن بمظلة صهيونية عالمية. اسم على مسمّى. ذئب فلت من القطيع وتوحش أكثر مما يجب. اعتاد على القتل بكل طريقة يمكنه بها أن يسحق أعداءه وأصدقاءه. عقلٌ متآمر. عفِن. فوضوي. فقاعة متورمة. عجوز سادي. ساذج الى الحد الذي يمكن لك أن تبصق عليه من دون أن يكون له ردة فعل كما للبشر. لكن تلك السذاجة الدونية وراءها عقل مركّب قوامه التدمير بكل برود. ثقافته في السياسة هي ثقافة العنزة في حقل محترق، تأكل كل شيء أمامها حتى لو كان ما تلفظه من أوساخ. وهذا ما يتوجب قوله ببساطة عن وحش بشري اسمه نتنياهو الذي ما يزال يعتاش على سياسة الحروب وتوابعها الدموية، ولن يخرج منها حتى تلتقطه رصاصة صغيرة أو شظية أصغر من السماء أو الأرض، فهو لا يحتاج الى أكثر من ذلك.
(3)
يقال بأن الحربَ خدعة. وصاحب الخدعة هو من يتقدم على عدوه بالمهارات الكثيرة التي تتوفر لديه. لكن نتنياهو مخدوع بالحرب، يقدّم نفسه فارساً لكن بلا سيف وحصان. متعته الفريدة هي الحروب. كونه لا يؤمن بالإيديولوجيا التي تسلّقها، بل اتخذها مبرراً دينياً لطبيعة المجتمع اليهودي في فلسطين. ذاتي النزعة. يوفر لنفسه طبقة شخصية من الاعتداد بالذات والهيمنة الموضعية في عمله على أقرب الناس اليه من السياسيين، خائف بطريقة استثنائية ممن يحيطون به. إذ يغذّيه شعور مَرَضي من إنه مستَهدف على مدار اليوم.
المتابع لحياته الشخصية يجده خارج حلقات المجتمع؛ لذلك فإن العنف أحد وسائله المقرّبة منه والتي يسلكها سلوكاً فائضاً عن لزومها، فيخامره شعور بأنه منتصر دائماً؛ حتى لو لم تكن ثمة معارك. هذا الشعور يتلبسه في كل لحظة بما يشي بنرجسية أكثر من المعتاد، إذ يعدّه نجاحاً ذاتيا لا يرتبط بالإيديولوجية الصهيونية العقائدية في أحد وجوهها البارزة. بل يرتبط بشخصه، وكأن مصير دولته المغتصِبة مرتبط بمصيره هو من دون غيره. أما التاريخ الشخصي لإسرائيل فهو تاريخ مفتوح على سياقات دينية - سياسية يتبعها شكلياً، كما يتبع ترانيم الكنيس في الظاهر.
هذا التمركز على الشخصنة الفردية هو نوع استبدادي، أكثر غطرسةً تخرج من مركزية الذات وتنتشر حول محيطه الشخصي والعام، بما يعني إنه كائن طموح يريد أن يصل الى أبعد من القمة؛ حتى لو سار على بحرٍ من الدماء البشرية. فهو مجموعة من أخلاق مشطورة الى مئة شطر. وكل شطر يفترق عن الآخر بمقدار مليار سنة ضوئية.
هو إنسان ما قبل الإنسان. حتى ما قبل الحيوان الشرس والداجن. مخلوق للقتل والجريمة التي لابد وأن تكتمل أركانها (غزة مثلاً) وحش نووي صادم. تطارده الحكومات؛ وتطارده تهم الفساد في الداخل الاسرائيلي. وسيمثل أمامها إن بقي حيّاً في الحرب التي شنّها على إيران.
فايروس بشري هجين. تكوين غريزي على حب الذات. نفاية- سياسية- غير أخلاقية؛ ليست له علاقة محتملة بين البشر من حيث أدوارهم الصغيرة والكبيرة في انقاذ الغابة من كواسرها ووحوشها التي تسير على أقدامٍ نووية ذرية فتاكة. بل يزيدها اشتعالاً كلما وجد فرصة مؤاتية له. ويعدُّ باحثون نفسيون إن السلوك السياسي له من النوع الخبيث. غابوي. قاسٍ بطريقة ممنهجة. كراهيته للعرب والمسلمين لا حد لها. يعرفه الفلسطينيون أكثر من غيرهم.
يخاف من النوم. يقظته مستمرة على مدار حياته، هي حياة اليقِظ الجبان الذي لا يريد أن يرى زهو الحياة وجمالها إلا من خلال الحروب والمعارك التي تحوم فوق رأسه المفلطح. ففي أحلامه وهمُ مجدٍ صهيوني ورثه عن أجداد لا يقلون عنه وهْماً وسوءاً وانشطاراً داخلياً في ذواتهم.
شخص بلا شخصية. ساحر لعوب تمكن من أن يدير رأس ربيبه النووي ترامب الكذاب. كلاهما من الفصيلة القاتلة ذاتها. يعيشان على الكذب والتخويف والهواء النووي الذي يُرهب دولاً ضعيفة ومستكينة ومستسلمة الى أقدارها.
**
( إسرائيل أبشع دولة في التاريخ، ولم يجلبوا للعالم منذ نشأتهم سوى الخراب والدمار..) الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون
**
(4)
يقال بأنه ولكي تجد صفاتٍ بيولوجية ووراثية لأي سياسي وعسكري ودجّال، عليك أن تبحث في النشأة والطفولة وتقرأ السيرة المجتمعية له آنذاك. إلا هذا النتن ياهو فلستَ بك حاجة أن تصرف وقتك في ماضي السوبرمان. لا تحتاج الى مثل هذا إطلاقاً. واضح ومكشوف. ارتقى من الهامش الدموي الى المتن الدموي وظل عالقاً فيه حتى تأذن السماء بقبض روحه السوداء. فشكاوى أطفال ونساء غزة ولبنان وايران والعراق وسوريا واليمن قد وصلت منذ وقت مبكر الى هناك.
للسماء حكمة لا نعرفها بسهولة. لا بالتوقع ولا بالتحليل والاستنتاج. إنها المنصّة الأعلى في الحياة التي تراقب كل شيء وترى ما يجول في عفونة تلك الضمائر التي خرجت الى التوحش منذ وقت طويل جداً، بعد أن تركت مشروع الإنسانية المفتوح.
(5)
ببساطة هو الوجه الأكثر قذارة لصاحبه الأبستوني ترامب الذي يصلّي له الكهنة الصهاينة في مشهد مضحك وبائس وملفّق. لكن عندما تتشابه الوجوه في ملامحها الخارجية لابد وأن تتشابه في ملامحها الداخلية. فترامب هو العُملة الأكبر، والنتن ياهو هو الخردة الصهيونية التي عليها الطاعة والتنفيذ الفوري، وهو ما نجح به حتى اليوم، موزَّع الجبهات والصواريخ والطائرات بطريقة جهنمية لا يجيدها إلا محترفو القتل والدمار والتخريب.
السيرة الذاتية لنتنياهو هي كما ترونها اليوم. لا نحتاج الى الماضي الأسري. فللوضوح المباشر أدلة على أن الماضي الطفولي صنع من هذا الصنم أيقونة صهيونية عالمية. لا شأن لنا بماضيه القديم، وشخصية "سيليا" والدته المتعصبة التي علّمت أبناءها (إظهار القوة) لكن الماضي القريب (7 أكتوبر الفلسطينية) كشفت الكثير من عُصابه الشخصي. فبدا فاقداً للتوازن, لعوباً. خائفاً من منافسيه السياسيين. مع إنه لاعب ماهر في تزييف الحقائق لصالح حزبه عندما استثمر الصحافة والإعلام والدعاية لصالحه الشخصي. لذا يكون ممثلاً بارعاً في أدوار كثيرة. كخطيب. ومتحدث بليغ. ذي كارزما شخصية أنيقة. يجيد الخطابة باللغة الانكليزية. يخيف الغرب من الإرهاب "الإسلامي".
يعظم الذات بنرجسية لا تُناسب حجمه الطبيعي. يتوجب أن يكون في الحياة لذلك يدافع عن وجوده فيها تحت مظلة اليهودية الدينية. كذاب من طراز نادر جداً. غير موثوق به. مُدّعٍ. مخادع من طراز خاص. منغلق. منبوذ حتى من بعض الصهاينة واليهود. غير اجتماعي. عنيد. عنيف. متهور. أرعن. يشعر بالفوز دائماً حتى لو خسر (يشبه ترامب) وكل هذا السمات الشخصية لابد أن تجعل منه كائناً لديه قدر جيد من الذكاء "الصناعي" عندما يريد أن يتعلم أي شيء بذاكرة حيّة، منها تمجيد السلف اليهودي القديم مع أن نتنياهو علماني النزعة، لكنه يستشعر بخطورة الدين في المجتمع فيمتثل له بتمثيلٍ راقٍ. المعتقدات الدينية ليست مركزية في جوهر شخصية نتنياهو. لكن في إسرائيل، حيث يختلط الدين بالسياسة فإنه يُصبح ذا أهمية كبيرة لزعمائها. أما نتنياهو فتصوره العلماني قائم بشعور التواصل الأصيل مع التاريخ اليهودي، وهو ما تمثله أسرته التي ترى في اليهودية حقاً مضاعفاً في فلسطين التي احتلتها. لهذا نرصد التوحش النتنياهوي وكأن مصيره التعيس هو مصير اسرائيل برمتها، بانتهاج قومية متطرفة للغاية.
**
{ أثناء زيارته لكنيس يهودي، قبّل نتنياهو غلاف لفافة التوراة ثم غمز خلسة إلى مراسل إحدى الصحف الذي رصد هذا التصرف.}
**
كثير من الرؤساء في العالم يمتثلون لا شعورياً الى ما يسمى بـ جنون العظمة، لهذا فنتنياهو شريك مباشر في الوهم الذي خلقه لنفسه، عندما يتصور بأن اسرائيل هي (الأقوى) وهذا نقص في أخلاقه السياسية الشخصية والعامة. لاسيما حينما ينغمر بشعور داخلي من إنه مستهدف كل الوقت وفي أي مكان يزوره. من منظوره فإنه يرى العالم عبارة عن غابة مكتظة بالوحوش والمفترسات، وعليه أن يكون أحدها لضمان البقاء الأعمى في الغابة. هذا الوهم النفسي ليس صناعة خارجية بالضبط. إنما هي صناعة داخلية بالتمام والكمال، تلك التي يتآزر معها ليكون سياسياً عدوانياً شرساً ليس له ضمير بشري إطلاقاً. وهذا بعض مفهوم القوة الذي يتلبّسه ويهيمن عليه. وهذه ثقافته التي تسيل منها دماء عربية وإسلامية كثيرة، من أجل أن يبقى على هرم السلطة الأكثر دموية منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى