في المغرب منذ زمن ليس ببعيد
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
أن تعرف كيف تعيش في مراكش: محادثة خاطفة تجري من عربة يجرّها حصان إلى درّاجة هوائية: سيجارة تُقدّم، موعد يُضرب. تدور عجلة الدراجة عند زاوية الشارع وتختفي.
في السمّارين، أسير عكس تيّار هذا السّيل البشري. انتابني انفعال ( لا إيحاء إيروتيكي فيه) بأنّ لكلّ واحد منهم قضيب وأنّ هذه الأعضاء الذكورية، كلّما تقاطعت خطواتنا، تتراصّ كأشياء متشابهة ومتسلسلة تمّ تقطيعها، بإيقاع منتظم، وفق قالب واحد. في هذا السّيل، ومع أنّهم يلبسون الثوب الخشن نفسه، الألوان عينها، الرّثاثة ذاتها، كان هناك من وقت لآخر قضيب مفتقد.
في سوق مراكش: زهرات بريّة في أكوام النّعناع.
المعلّم الضّئيل في مراكش: "سأفعل كلّ ما تريد" قالها بتحمّس، وبنظرة ممتلئة باللّطف والتواطؤ. ما يعني: سأمارس معك الجنس، وهذا كلّ شيْ.
رجل أسود، متدثّر بالكامل في جلبابه الأبيض ومغطّى بغطاء الرأس، يصير بهذا الشكل أكثر سوادا، إلى درجة أحسب وجهه بمثابة لثام امرأة.
على الطريق بين مراكش وبني ملال: عبد القائم، ولد فقير، لا يتكلّم الفرنسية، يحمل سلّة مستديرة وبسيطة، أقلّه لمئات من الأمتار. ما إن يستقرّ في السيّارة حتى يخرج من سلّته إبريقا ويمدّ إليّ كأس شاي ساخنا (كيف له أن يظلّ ساخنا؟)؛ ثمّ يترجّل ويختفي على جانب الطّريق.
مستوقف جدّ فقير يتنقّل بين مدينة وأخرى بحثا عن عمل (له عيون جميلة للغاية) يروي لي قصّة مروّعة لسيارة أجرة جماعية (كنّا نسير فيما يشبه غابة) قُتل سائقها من قبل أربعة ركّاب متنكّرين في أزياء نسائية. "لكنّ سائقي هذه السيّارات ليس لهم أبدا مال كثير." "ليس لهذا الأمر قيمة: السّارق سارق."
"سيّدي، تذكّر، أنّه لا يجب أبدا أن تقلّ في سيّارتك مغربيا لا تعرفه" يقول لي هذا المغربي الذي أقلّه في السيّارة ولا أعرفه.
فتاة تتسوّل: "أبي مات. لذلك أريد شراء دفتر"، إلخ. (الجانب المزعج في التسوّل، هو الضّجر من رتابة القوالب النمطية.)
على الطّريق الواصلة بين أگادير وتمريرت، شخص بزيّ عادي: مدني، أرمش، رثّ لكن بقبّعة موظّف رسمي وبحاملة مسدّس: إنّه حارس غابة. يحبّ الروايات البوليسية لأنّه "هو أيضا، وبصورة ما، كناية عن متحرّ (يراقب سرقة الأخشاب)؛ ويجد نفسه أحيانا يواجه مشاكل مماثلة "، إلخ.
الطالب المغربي، ذو الأسنان البارزة قليلا واللحية الدّقيقة، حصل على منحة دراسية كاثوليكية من ليل Lille لأنّ راهبا أبيض كان يعيش في قريته في أعالي الأطلس الكبير. إنّه قرأ (أو لم يقرأ) "أزهار الشرّ".
بقوائمه الأمامية المقيّدة والمثنية، وإجباره على الجثوّ كما لو أنّه أُهين، يبذل جمل جهودا رهيبة لكي ينهض.
جمل آخر رابض على الأرض، جامد الحركة، ينزف من فمه، معروض للعيان كأنّه عمود تشهير، محاط بدائرة من المتفرّجين (من بينهم سيّاح، أحدهم متكرّش ومتورّد، يلبس بنطلونا قصيرا ضيّقا للغاية، تتدلّى من على كتفه آلة نصوير). يصطرخ الجمل بصورة مخيفة، يرفس بقوائمه بكلّ قواه. مالكه، وهو رجل أسود قصير القامة، يضربه، يجمع حفنة من رمل و يرمي بها ملء عينيه.
جيرار، الذي أبوه فرنسي وأمّه من أهل البلد، يريد أن يدلّني على الطريق المؤدية إلى "الغزالة الذهبية"¹؛ يرتمي في السيارة حتى يكشف لي عن مفاتنه؛ ثمّ، وبرقّة نادرة، يبدي لي حجّة أخيرة لا تقاوم: "تعرف، أنا غير مختون ! "
ثلاثة شبّان شلوح على منحدر صخري يطلبون منّي درسا في اللغة الفرنسية. "كيف نقول...؟" وأنا أجيبهم، أدرك أنّ العضو التناسليّ يحتفظ بنسق صوتي متماثل² cul / con / queue . يندهش الشبّان الثلاثة وقد أصبحوا في لّحظة فيلولوجيين.
صبي جالس على حائط منخفض، على جانب الطريق، غير آبه بها ــ جالس هنا كما لو أنّه قاعد إلى الأبد، جالس هنا بقصد الجلوس، في وضع ملتبس :
"يجلس هادئا تماما، دون عمل شيء،
يحلّ الرّبيع وينبت العشب من تلقاء نفسه"³
جان، أستاذ شاب ــ أستاذ ماذا؟ ــ ينظر في كتابي: "لم أنجح أبدا في استيعاب هذا الرجل (يقصد بروست)⁴؛ لكنّي أحسّ أنّ ذلك سيحدث في أحد الأيّام." صديقه بيير، المنزعج، المتعجرف والفجّ (لا يبالي بالإجابة): "هل تدوّن ملاحظات؟"
أزمور: اشتريتُ حسائية ذات معدن أبيض من بائع شاب بلا أسنان اقترح أن يلتقي بي في "شقّته الصّغيرة".
السّعادة في مهيولة⁵: المطبخ الكبير، اللّيل، العاصفة التي في الخارج، الحريرة التي تُطهى على مهل، المصابيح الكبيرة التي تعمل بالبوتان، موجات من الزّيارات الصّغيرة، الدّفء، الجلاّبة وقراءة لاكان⁶(لاكان مهزوم أمام هذه البحبوحة المبتذلة.)
القيّمة على المزار امرأة عجوز بلا أسنان تعلّم صبيان القرية مقابل خمسين فرنكا لكلّ واحد. (يوجد الضريح بالقرب من مكعّب من الأرض يحمل الرقم 61 ــ إنّه المكان الذي يُغسل فيه الموتى؛ المقبرة مفتوحة: بعض الحُصر على الأرض، مزَق من أثواب تتدلّى على سبيل نذور من الصندوق الخشبي المطلي باللون الأخضر تحت صورة باهتة للسلطان السابق، زوجا صندل متروكان على حصيرة.)
م.، المريض، المنكمش في زاوية على حصيرة، يخفي قدميه العاريتين اللافحتين تحت جلبابه البنيّ.
رجل ضخم بلا أسنان، نبرته واثقة وشغوفة، يهمس بخصوص ماركة السجائر المعتادة أكثر: "ماركيز، بالنسبة لي، هي بمثابة الكيف ! "
الصّغير إ. يحمل إليّ ورودا، باقة قروية حقيقية: بعض رؤوس من زهرات الجيرانيوم، حزمة من نسرين أحمر، وردتان، أربعة أغصان من الياسمين. حصلت له هذه النزوة بعد البهجة الكبيرة التي منحتها له: أن طبعتُُ اسمه بصور مختلفة على ورقة أهديته إيّاها (الزّهرات مقابل الكتابة).
بعد أن أعطيتُ أحدهم حبّة إسبرين، أصبحوا جميعا يعانون من آلام الرأس فصرت كأنّي أقوم بدور صيدلية.
جماعة من الأولاد ساهموا في تسديد أجر عاهرة؛ أحدهم قطع مسافة ثلاثين كيلومترا على الدراجة ليقابلها في "أ" وليحضر لها شيئا من الشراب؛ ثمّ أخذ كلّ واحد منهم دوره.
في هذا البلد يمكن للكشّافة أن يصيروا بغيضين. حملتُ ثلاثة منهم إلى المدينة: هيأتهم غير منسّقة، شعور طويلة غير ممشوطة، قبّعات من كلّ لون ــ ومع ذلك لهم علم، شارات، تحيّة كشفية، وعبارة من قبيل ("الكشّافة هم أصدقاء الجميع"). كان "القائد"، بساقين عاريتين، يظهر عليه الانتصاب بينما الآخران ينشدان أناشيد كشفية حزينة (تحكي قصّة يتيم).
أعلى الباب، حفر البنّاء أحمد ميداس فوق الإسمنت، كلمات بأحرف غير مرتّبة: "مطبخ بالإكراه". الأب لا يرغب في هذا المطبخ الإضافي، بينما الأمّ تريده.
فتَيان عاريان اجتازا الوادي على مهل، ملابسهما موضوعة في صرّة على الرأس.
جلباب في حالة سكون وأمان (كما يُرى من الخلف) على ظهر حمار، علامة تتكرّر بانتظام في البوادي.
(1969)
هوامش: (من وضع المترجم)
1 ـ فندق فاخر كان مشيّدا بالقرب من مدينة تارودانت.
2 ـ عبارات عامية ذات مدلول جنسي.
3 ـ تُنسب العبارة إلى الحكيم الصيني القديم "لاو تسي" (بين القرنين السادس والخامس ق.م) صاحب "كتاب الطاو".
4 ـ يقصد بارط ربّما كتابه "Essais critiques"(1964). بارط لم يكرّس كتابا مستقلا لبروست، كتب عنه مقالات معدودة ضمّنها بعض مؤلفاته. ومؤخرا (منشورات سوي، 2020) صدرت هذه المقالات في كتاب حمل عنوان Marcel Proust Mélanges.
5 ـ مهيولة منطقة سياحية معروفة بزراعة الحوامض والرمان وهي عللا بعد 12 كلم من أزمور.
6 ـ جاك لاكان المحلل النفسي المعروف (1901 ـ 1981).
.Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.
"أضع نفسي في وضع من ينجز شيئا، وليس في وضع من يتكلّم عن شيء: لا أدرس منتوجا؛ وإنّما أنخرط في عملية إنتاجه؛ فأبطل الخطاب عن الخطاب؛ ولذلك لم يعد العالم يحضر عندي في شكل موضوع؛ ولكن في شكل كتابة؛ أي في شكل ممارسة؛ وهكذا أنتقل إلى نوع آخر من المعرفة (معرفة الهاوي)..."
ر. ب ((Incidents
أن تعرف كيف تعيش في مراكش: محادثة خاطفة تجري من عربة يجرّها حصان إلى درّاجة هوائية: سيجارة تُقدّم، موعد يُضرب. تدور عجلة الدراجة عند زاوية الشارع وتختفي.
في السمّارين، أسير عكس تيّار هذا السّيل البشري. انتابني انفعال ( لا إيحاء إيروتيكي فيه) بأنّ لكلّ واحد منهم قضيب وأنّ هذه الأعضاء الذكورية، كلّما تقاطعت خطواتنا، تتراصّ كأشياء متشابهة ومتسلسلة تمّ تقطيعها، بإيقاع منتظم، وفق قالب واحد. في هذا السّيل، ومع أنّهم يلبسون الثوب الخشن نفسه، الألوان عينها، الرّثاثة ذاتها، كان هناك من وقت لآخر قضيب مفتقد.
في سوق مراكش: زهرات بريّة في أكوام النّعناع.
المعلّم الضّئيل في مراكش: "سأفعل كلّ ما تريد" قالها بتحمّس، وبنظرة ممتلئة باللّطف والتواطؤ. ما يعني: سأمارس معك الجنس، وهذا كلّ شيْ.
رجل أسود، متدثّر بالكامل في جلبابه الأبيض ومغطّى بغطاء الرأس، يصير بهذا الشكل أكثر سوادا، إلى درجة أحسب وجهه بمثابة لثام امرأة.
على الطريق بين مراكش وبني ملال: عبد القائم، ولد فقير، لا يتكلّم الفرنسية، يحمل سلّة مستديرة وبسيطة، أقلّه لمئات من الأمتار. ما إن يستقرّ في السيّارة حتى يخرج من سلّته إبريقا ويمدّ إليّ كأس شاي ساخنا (كيف له أن يظلّ ساخنا؟)؛ ثمّ يترجّل ويختفي على جانب الطّريق.
مستوقف جدّ فقير يتنقّل بين مدينة وأخرى بحثا عن عمل (له عيون جميلة للغاية) يروي لي قصّة مروّعة لسيارة أجرة جماعية (كنّا نسير فيما يشبه غابة) قُتل سائقها من قبل أربعة ركّاب متنكّرين في أزياء نسائية. "لكنّ سائقي هذه السيّارات ليس لهم أبدا مال كثير." "ليس لهذا الأمر قيمة: السّارق سارق."
"سيّدي، تذكّر، أنّه لا يجب أبدا أن تقلّ في سيّارتك مغربيا لا تعرفه" يقول لي هذا المغربي الذي أقلّه في السيّارة ولا أعرفه.
فتاة تتسوّل: "أبي مات. لذلك أريد شراء دفتر"، إلخ. (الجانب المزعج في التسوّل، هو الضّجر من رتابة القوالب النمطية.)
على الطّريق الواصلة بين أگادير وتمريرت، شخص بزيّ عادي: مدني، أرمش، رثّ لكن بقبّعة موظّف رسمي وبحاملة مسدّس: إنّه حارس غابة. يحبّ الروايات البوليسية لأنّه "هو أيضا، وبصورة ما، كناية عن متحرّ (يراقب سرقة الأخشاب)؛ ويجد نفسه أحيانا يواجه مشاكل مماثلة "، إلخ.
الطالب المغربي، ذو الأسنان البارزة قليلا واللحية الدّقيقة، حصل على منحة دراسية كاثوليكية من ليل Lille لأنّ راهبا أبيض كان يعيش في قريته في أعالي الأطلس الكبير. إنّه قرأ (أو لم يقرأ) "أزهار الشرّ".
بقوائمه الأمامية المقيّدة والمثنية، وإجباره على الجثوّ كما لو أنّه أُهين، يبذل جمل جهودا رهيبة لكي ينهض.
جمل آخر رابض على الأرض، جامد الحركة، ينزف من فمه، معروض للعيان كأنّه عمود تشهير، محاط بدائرة من المتفرّجين (من بينهم سيّاح، أحدهم متكرّش ومتورّد، يلبس بنطلونا قصيرا ضيّقا للغاية، تتدلّى من على كتفه آلة نصوير). يصطرخ الجمل بصورة مخيفة، يرفس بقوائمه بكلّ قواه. مالكه، وهو رجل أسود قصير القامة، يضربه، يجمع حفنة من رمل و يرمي بها ملء عينيه.
جيرار، الذي أبوه فرنسي وأمّه من أهل البلد، يريد أن يدلّني على الطريق المؤدية إلى "الغزالة الذهبية"¹؛ يرتمي في السيارة حتى يكشف لي عن مفاتنه؛ ثمّ، وبرقّة نادرة، يبدي لي حجّة أخيرة لا تقاوم: "تعرف، أنا غير مختون ! "
ثلاثة شبّان شلوح على منحدر صخري يطلبون منّي درسا في اللغة الفرنسية. "كيف نقول...؟" وأنا أجيبهم، أدرك أنّ العضو التناسليّ يحتفظ بنسق صوتي متماثل² cul / con / queue . يندهش الشبّان الثلاثة وقد أصبحوا في لّحظة فيلولوجيين.
صبي جالس على حائط منخفض، على جانب الطريق، غير آبه بها ــ جالس هنا كما لو أنّه قاعد إلى الأبد، جالس هنا بقصد الجلوس، في وضع ملتبس :
"يجلس هادئا تماما، دون عمل شيء،
يحلّ الرّبيع وينبت العشب من تلقاء نفسه"³
جان، أستاذ شاب ــ أستاذ ماذا؟ ــ ينظر في كتابي: "لم أنجح أبدا في استيعاب هذا الرجل (يقصد بروست)⁴؛ لكنّي أحسّ أنّ ذلك سيحدث في أحد الأيّام." صديقه بيير، المنزعج، المتعجرف والفجّ (لا يبالي بالإجابة): "هل تدوّن ملاحظات؟"
أزمور: اشتريتُ حسائية ذات معدن أبيض من بائع شاب بلا أسنان اقترح أن يلتقي بي في "شقّته الصّغيرة".
السّعادة في مهيولة⁵: المطبخ الكبير، اللّيل، العاصفة التي في الخارج، الحريرة التي تُطهى على مهل، المصابيح الكبيرة التي تعمل بالبوتان، موجات من الزّيارات الصّغيرة، الدّفء، الجلاّبة وقراءة لاكان⁶(لاكان مهزوم أمام هذه البحبوحة المبتذلة.)
القيّمة على المزار امرأة عجوز بلا أسنان تعلّم صبيان القرية مقابل خمسين فرنكا لكلّ واحد. (يوجد الضريح بالقرب من مكعّب من الأرض يحمل الرقم 61 ــ إنّه المكان الذي يُغسل فيه الموتى؛ المقبرة مفتوحة: بعض الحُصر على الأرض، مزَق من أثواب تتدلّى على سبيل نذور من الصندوق الخشبي المطلي باللون الأخضر تحت صورة باهتة للسلطان السابق، زوجا صندل متروكان على حصيرة.)
م.، المريض، المنكمش في زاوية على حصيرة، يخفي قدميه العاريتين اللافحتين تحت جلبابه البنيّ.
رجل ضخم بلا أسنان، نبرته واثقة وشغوفة، يهمس بخصوص ماركة السجائر المعتادة أكثر: "ماركيز، بالنسبة لي، هي بمثابة الكيف ! "
الصّغير إ. يحمل إليّ ورودا، باقة قروية حقيقية: بعض رؤوس من زهرات الجيرانيوم، حزمة من نسرين أحمر، وردتان، أربعة أغصان من الياسمين. حصلت له هذه النزوة بعد البهجة الكبيرة التي منحتها له: أن طبعتُُ اسمه بصور مختلفة على ورقة أهديته إيّاها (الزّهرات مقابل الكتابة).
بعد أن أعطيتُ أحدهم حبّة إسبرين، أصبحوا جميعا يعانون من آلام الرأس فصرت كأنّي أقوم بدور صيدلية.
جماعة من الأولاد ساهموا في تسديد أجر عاهرة؛ أحدهم قطع مسافة ثلاثين كيلومترا على الدراجة ليقابلها في "أ" وليحضر لها شيئا من الشراب؛ ثمّ أخذ كلّ واحد منهم دوره.
في هذا البلد يمكن للكشّافة أن يصيروا بغيضين. حملتُ ثلاثة منهم إلى المدينة: هيأتهم غير منسّقة، شعور طويلة غير ممشوطة، قبّعات من كلّ لون ــ ومع ذلك لهم علم، شارات، تحيّة كشفية، وعبارة من قبيل ("الكشّافة هم أصدقاء الجميع"). كان "القائد"، بساقين عاريتين، يظهر عليه الانتصاب بينما الآخران ينشدان أناشيد كشفية حزينة (تحكي قصّة يتيم).
أعلى الباب، حفر البنّاء أحمد ميداس فوق الإسمنت، كلمات بأحرف غير مرتّبة: "مطبخ بالإكراه". الأب لا يرغب في هذا المطبخ الإضافي، بينما الأمّ تريده.
فتَيان عاريان اجتازا الوادي على مهل، ملابسهما موضوعة في صرّة على الرأس.
جلباب في حالة سكون وأمان (كما يُرى من الخلف) على ظهر حمار، علامة تتكرّر بانتظام في البوادي.
(1969)
هوامش: (من وضع المترجم)
1 ـ فندق فاخر كان مشيّدا بالقرب من مدينة تارودانت.
2 ـ عبارات عامية ذات مدلول جنسي.
3 ـ تُنسب العبارة إلى الحكيم الصيني القديم "لاو تسي" (بين القرنين السادس والخامس ق.م) صاحب "كتاب الطاو".
4 ـ يقصد بارط ربّما كتابه "Essais critiques"(1964). بارط لم يكرّس كتابا مستقلا لبروست، كتب عنه مقالات معدودة ضمّنها بعض مؤلفاته. ومؤخرا (منشورات سوي، 2020) صدرت هذه المقالات في كتاب حمل عنوان Marcel Proust Mélanges.
5 ـ مهيولة منطقة سياحية معروفة بزراعة الحوامض والرمان وهي عللا بعد 12 كلم من أزمور.
6 ـ جاك لاكان المحلل النفسي المعروف (1901 ـ 1981).
.Roland Barthes, Incidents, Paris, Seuil, 1987.