صديقي العزيز ، الكاتب المبدع جهاد رنتيسي
تحية طيبة وبعد:
ملاحظتك بخصوص تقاطعات رواية المريض الانجليزي ورواية باب الشمس مشروعة نقديًا، لكنها تحتاج إلى قدر من النقاس والتفكيك حتى لا تتحول من سؤال إلى اتهام .
الثابت أولًا هو أن رواية The English Patient صدرت سنة 1992، ثم حُوّلت إلى فيلم سنة 1996، بينما صدرت باب الشمس سنة 1998، ثم قدّمها يسري نصر الله سينمائيًا سنة 2004. كما أن رواية أونداتجي تقوم على فضاء علاجي/حربي في فيلّا إيطالية مهدّمة، حيث تتكشف الحكاية عبر الذاكرة والتناوب الزمني، في حين تقوم باب الشمس على مشهد السرير/الغيبوبة في مخيم شاتيلا، حيث يتكفّل السرد باستدعاء فلسطين المفقودة عبر التذكر والشهادة والحكايات المتراكبة. هذه الوقائع وحدها تجعل المقارنة ممكنة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات “أخذ” مباشر أو تبعية نصية. 
نعم، توجد أوجه شبه تقنية تستحق التوقف عندها. في العملين هناك جسد جريح/شبه غائب في المركز، وحول هذا الجسد تنشأ بنية استرجاعية غير خطية؛ الذاكرة لا تأتي بوصفها ماضيًا مرتبًا، بل شظايا تتجمع ببطء. كذلك يشتغل العملان على الربط بين الحب والحرب، وعلى جعل التاريخ الكبير يمر عبر مصائر حميمة، لا عبر خطاب أيديولوجي مباشر. وفي كليهما أيضًا يصبح السرد محاولة لإنقاذ ما لا يُنقَذ: هوية، اسم، وطن، أو جسد. هذا يجعل السؤال عن القرابة الفنية سؤالًا جادًا، لا انطباعًا عابرًا. 
لكن، في المقابل، هناك فروق حاسمة لا يجوز طمسها. The English Patient رواية عن التمزق والهوية والذاكرة ضمن أفق حرب عالمية واستعمار وتقاطعات شخصية متعددة، أما باب الشمس فهي، في جوهرها، رواية شهادة كبرى على النكبة واستمرارها، حيث يتحول السرد إلى أرشيف شفهي وجماعي للفلسطينيين، لا إلى مجرد لعبة بناء زمني أو جماليات استرجاع. وإذا كان أونداتجي يشتغل على الغموض والهوية المتكسرة والذاكرة الفردية المتشعبة، فإن خوري يشتغل على تحويل الحكاية الفلسطينية إلى ملحمة من الأصوات والندوب والشهادات. لهذا فالتشابه في “التكنيك” لا يعني بالضرورة التشابه في “الوظيفة الجمالية والتاريخية” للنص. 
الأدق، إذن، أن يقال: هناك تقاطع بنيوي واضح، لكن ليس من السليم القفز منه مباشرة إلى دعوى الاستنساخ. فالسرد الحديث، خصوصًا في روايات الحرب والاقتلاع والصدمة، كثيرًا ما يعود إلى أدوات متقاربة: الراوي المعلّق بين الحياة والموت، السرير أو الملجأ بوصفه إطارًا حكائيًا، الاسترجاع، التقطيع الزمني، وتحوّل الذاكرة إلى المسرح الحقيقي للأحداث. السؤال النقدي الأجدى ليس: “هل أخذ خوري من أونداتجي؟” فقط، بل: كيف أعاد خوري توطين هذه الأدوات داخل التجربة الفلسطينية، وحوّلها من تقنية حداثية إلى جهاز لشهادة جماعية؟ هذا سؤال أكثر خصوبة وأقل انفعالًا. 
أما ملاحظتك الأخيرة عن أن بعض الروائيين الفلسطينيين “خرجوا من معطف خوري” فهذه بدورها تحتاج إلى تفكيك. تأثير خوري في السرد العربي، والفلسطيني خصوصًا، أمر يصعب إنكاره: في مركزية الذاكرة، وفي تسييل الحدود بين الشهادة والتخييل، وفي بناء النص بوصفه فسيفساء أصوات. لكن التأثر شيء، والتحنيط داخل “أيقونة” شيء آخر. الناقد الجاد لا يكتفي بالاحتفاء بالاسم الكبير، بل يسأل: متى صار أثر خوري تطويرًا فنيًا، ومتى صار وصفة جاهزة؟ ومتى تحولت “الكتابة على فلسطين” من مغامرة شكلية وأخلاقية إلى مجرد رأسمال رمزي يفتح أبواب التصدير الثقافي؟ هنا يبدأ النقد .
احترامي وتقديري
تحية طيبة وبعد:
ملاحظتك بخصوص تقاطعات رواية المريض الانجليزي ورواية باب الشمس مشروعة نقديًا، لكنها تحتاج إلى قدر من النقاس والتفكيك حتى لا تتحول من سؤال إلى اتهام .
الثابت أولًا هو أن رواية The English Patient صدرت سنة 1992، ثم حُوّلت إلى فيلم سنة 1996، بينما صدرت باب الشمس سنة 1998، ثم قدّمها يسري نصر الله سينمائيًا سنة 2004. كما أن رواية أونداتجي تقوم على فضاء علاجي/حربي في فيلّا إيطالية مهدّمة، حيث تتكشف الحكاية عبر الذاكرة والتناوب الزمني، في حين تقوم باب الشمس على مشهد السرير/الغيبوبة في مخيم شاتيلا، حيث يتكفّل السرد باستدعاء فلسطين المفقودة عبر التذكر والشهادة والحكايات المتراكبة. هذه الوقائع وحدها تجعل المقارنة ممكنة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات “أخذ” مباشر أو تبعية نصية. 
نعم، توجد أوجه شبه تقنية تستحق التوقف عندها. في العملين هناك جسد جريح/شبه غائب في المركز، وحول هذا الجسد تنشأ بنية استرجاعية غير خطية؛ الذاكرة لا تأتي بوصفها ماضيًا مرتبًا، بل شظايا تتجمع ببطء. كذلك يشتغل العملان على الربط بين الحب والحرب، وعلى جعل التاريخ الكبير يمر عبر مصائر حميمة، لا عبر خطاب أيديولوجي مباشر. وفي كليهما أيضًا يصبح السرد محاولة لإنقاذ ما لا يُنقَذ: هوية، اسم، وطن، أو جسد. هذا يجعل السؤال عن القرابة الفنية سؤالًا جادًا، لا انطباعًا عابرًا. 
لكن، في المقابل، هناك فروق حاسمة لا يجوز طمسها. The English Patient رواية عن التمزق والهوية والذاكرة ضمن أفق حرب عالمية واستعمار وتقاطعات شخصية متعددة، أما باب الشمس فهي، في جوهرها، رواية شهادة كبرى على النكبة واستمرارها، حيث يتحول السرد إلى أرشيف شفهي وجماعي للفلسطينيين، لا إلى مجرد لعبة بناء زمني أو جماليات استرجاع. وإذا كان أونداتجي يشتغل على الغموض والهوية المتكسرة والذاكرة الفردية المتشعبة، فإن خوري يشتغل على تحويل الحكاية الفلسطينية إلى ملحمة من الأصوات والندوب والشهادات. لهذا فالتشابه في “التكنيك” لا يعني بالضرورة التشابه في “الوظيفة الجمالية والتاريخية” للنص. 
الأدق، إذن، أن يقال: هناك تقاطع بنيوي واضح، لكن ليس من السليم القفز منه مباشرة إلى دعوى الاستنساخ. فالسرد الحديث، خصوصًا في روايات الحرب والاقتلاع والصدمة، كثيرًا ما يعود إلى أدوات متقاربة: الراوي المعلّق بين الحياة والموت، السرير أو الملجأ بوصفه إطارًا حكائيًا، الاسترجاع، التقطيع الزمني، وتحوّل الذاكرة إلى المسرح الحقيقي للأحداث. السؤال النقدي الأجدى ليس: “هل أخذ خوري من أونداتجي؟” فقط، بل: كيف أعاد خوري توطين هذه الأدوات داخل التجربة الفلسطينية، وحوّلها من تقنية حداثية إلى جهاز لشهادة جماعية؟ هذا سؤال أكثر خصوبة وأقل انفعالًا. 
أما ملاحظتك الأخيرة عن أن بعض الروائيين الفلسطينيين “خرجوا من معطف خوري” فهذه بدورها تحتاج إلى تفكيك. تأثير خوري في السرد العربي، والفلسطيني خصوصًا، أمر يصعب إنكاره: في مركزية الذاكرة، وفي تسييل الحدود بين الشهادة والتخييل، وفي بناء النص بوصفه فسيفساء أصوات. لكن التأثر شيء، والتحنيط داخل “أيقونة” شيء آخر. الناقد الجاد لا يكتفي بالاحتفاء بالاسم الكبير، بل يسأل: متى صار أثر خوري تطويرًا فنيًا، ومتى صار وصفة جاهزة؟ ومتى تحولت “الكتابة على فلسطين” من مغامرة شكلية وأخلاقية إلى مجرد رأسمال رمزي يفتح أبواب التصدير الثقافي؟ هنا يبدأ النقد .
احترامي وتقديري