قراءة نقدية فنّية في " مدينة" "عصفور صغير..

قراءة نقدية فنّية في " مدينة" "عصفور صغير" "في ضوء أدب الطفل".
........

- هام عصفور صغيرْ- تائها بين المدنْ
- باكيا يشكو الأنينْ- دون أرض أو وطنْ.
...
- يقدّم نشيد "مدينة"للشاعر العراقي علي عبدالرحيم صالح .حيث يتناول فيه قصة "عصفور صغير" تلك القصة التي تشكّل لوحة شعرية شفافة تنفتح على أبعاد نفسية وتربوية عميقة، تتجاوز بساطة اللّغة إلى رؤية إنسانيّة تمسّ قضايا الوطن والاغتراب والأمن والحرية والظلم. ويستثمر النّص الرمز الحيواني واللّغة الإيقاعيّة لبناء عالم قريب من وجدان الطفل، لكنّه يحمل في طياته دلالات فكريّة وتربويّة ثريّة.
- أولًا: العصفور رمز للطفل الباحث عن الانتماء
- يعتمد النّشيد على صورة "العصفور الصغير" بوصفها معادلًا رمزيًا للطفل. فالعصفور كائن رقيق، هشّ، سريع التّأثر، يحتاج إلى مأوى يحميه. ويأتي البكاء في قول الشّاعر "باكيًا يشكو الأنين" ليعبّر عن حالة نفسيّة يعيشها الطفل حين يشعر بالضّياع أو فقدان الأمان. إنّ هذا البكاء ليس مجرد حالة عاطفيّة عابرة، بل هو تعبير عن حاجة نفسيّة عميقة إلى الانتماء والاستقرار، وهي من أهم الحاجات الأساسيّة في نمو الطفل النّفسي والاجتماعي.
-ثانيًا: الوطن بوصفه حضنًا نفسيًا وروحيًا
- يتجلّى الوطن في النّشيد بوصفه فضاء وجدانيًا حميمًا، وليس مجرد مكان جغرافي. ويتضح ذلك في قول الشاعر:
"أرضها أمّ حنون"
فالوطن هنا يتحوّل إلى صورة الأم، وهي من أقوى الصور تأثيرًا في أدب الطفل، لأنّ الطفل يفسّر العالم عبر علاقاته الأولى. وبذلك يصبح الوطن حضنًا آمنًا، والعودة إليه عودة إلى الطمأنينة، ممّا يعمّق لدى الطفل مفهوم الانتماء العاطفي للوطن،ويمكننا الإشارة إلى بعض المعاني اللّغويّة حيث يقول الشاعر:
باكيا يشكو الأنينْ- دون أرض أو وطنْ- إنّ شاعر في هذه الكلمات.. يقدم لنا صورة العصفور باستخدام عبارة" هام "والهيام لا يعني دائما الضّياع والتيهان ،وهو يستخدم عبارة تائها ،وذلك ما يجعل القارئ أمام حالة من اللُّبس في المعنى ،وكذلك قوله: باكيا يشكوالأنينْ. كيف يشكو الأنين..؟ إنّ فعل يشكو هنا يفسد المعنى القويّ لصورة الحزن..، وكان من الصّواب أن يقول: "ياكيا يعلي الأنينْ" ،وبذلك يستقيم المعنى اللّغوي،وأيضا قوله: دون أرض أو وطنْ ،فالمعنى هنا ضعيف فالأرض تتضمن معنى الوطن والعكس صحيح إذا تعلق الأمر بالحديث عن الوطن. وقوله: طاف في هذي البلادْ- بين نخل وعمادْ
ففي هذا المقطع من النّشيد نجد الشاعر يدرج كلمة "عماد"والمعنى القويّ يتجلىّ أكثر حين نقول: بين نخل ووهادْ ، فالوهاد أقرب من حيث التّشكيل الطبيعة الجغرافية المكان.
- ثالثًا: الغربة والضياع كخبرة نفسيّة
- حين "تاه بين المدن" تتشكّل تجربة الغربة بوصفها حالة نفسيّة قبل أن تكون انتقالًا مكانيًا. فالتيه بين المدن يوحي بفقدان الجذور، وبكاء العصفور يكشف أن الحريّة دون مأوى آمن تتحوّل إلى قلق. وهنا يرسّخ النّص فكرة تربويّة مهمة، وهي أنّ الطفل يحتاج إلى وطن كما يحتاج إلى الحريّة، لأنّ الحريّة بلا أمان تفقد معناها النّفسي.
- رابعًا: الأمن شرط للنمو النّفسي
يبرز مفهوم الأمن بوضوح في قول الشاعر:
"عاش فيها بوئام
دون خوف أو خصام"
إذ يقدّم النّص الأمن في أبسط صورة يفهمها الطفل: غياب الخوف. فالطفل حين يشعر بالأمان ينطلق نحو اللّعب والاكتشاف والإبداع. وهكذا يربط النّشيد بين الأمن والازدهار النفسي، في رؤية تربويّة عميقة ومناسبة لخصائص المرحلة العمريّة.
- خامسًا: الحريّة بين التّحليق والانتماء
- يحلّق العصفور "بين النّجوم"، لكن هذا التّحليق لا يمنحه السّعادة. هنا يطرح النّص مفارقة فنية، الطيران يرمز إلى الحريّة، غير أن الحريّة وحدها لا تكفي لتحقيق الطمأنينة. إنّ السّعادة تتحقّق عندما يجد العصفور وطنًا يأويه. وبذلك يقدّم النّص مفهومًا متوازنًا للحريّة، بوصفها حريّة مرتبطة بالأمان والانتماء.
- سادسًا: الظلم بوصفه حضورًا ضمنيًا
- لا يصرّح النّشيد بوجود الظلم، لكنّه يوحي به عبر صور الضّياع والبكاء والبحث عن أرض بلا خوف. البحث عن مكان آمن يدل ضمنًا على وجود أماكن يهيمن عليها الخوف. وهذا الأسلوب الرّمزي مناسب لأدب الطفل، إذ يلمّح إلى القضايا الإنسانيّة دون مباشرة ثقيلة.
- سابعًا: البناء الفني وخصائص الخطاب الشّعري
- يتسم النّشيد بعدد من السّمات الفنّية التي تعزّز قيمته في أدب الطفل، منها:
- استخدام الرّمز الحيواني الذي يسهل التّماهي معه.
- الجمل القصيرة ذات الإيقاع الموسيقي المناسب للطفل.
- الصّور الطبيعية التي ترسم وطنًا جميلًا ومطمئنًا.
- النّهاية المتفائلة التي تمنح الطفل أفقًا إنسانيًا إيجابيًا.
- خاتمة
- يرسم النّشيد رحلة نفسيّة تبدأ بالضّياع، ثم البحث، فالأمل، وصولًا إلى الانتماء والأمان. وهو بذلك يرسّخ في وجدان الطفل أن الوطن حضن، وأنّ الغربة قلق دائم، وأنّ الأمن أساس السّعادة، وأنّ الحريّة الحقيقيّة تتحقق في ظلّ العدالة والطمأنينة. وتلك رؤية إنسانيّة عميقة التي يقدّمها الشاعرفي هذاالنّص بلغة بسيطة، وهو ما يميّز أدب الطفل القادر على مخاطبة العقل والقلب في آن واحد. وفقك الله صديقي الشاعر دمت منشدا للطفولة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى