تمهيد: في الاقتراب من نص يقاوم التصنيف
قبل أن نلجَ إلى هذه الدراسة النقدية، لا بد من الإقرار بشيء يجعل الكتابة عن عمّار نعمة جابر مغامرةً فكرية حقيقية لا مجرد تمرين أكاديمي: إن نصوصه تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الكتابات التي تُقاوم أن تُقرأ قراءةً واحدة، وتُعاند أن تُختزَل في أطروحة واحدة. إنها نصوص تعيش في التوتر، تتنفس في الفجوات، وتجد معناها الحقيقي في ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
المقال الذي بين أيدينا يُقدّم قراءةً شاملة لمسار عمّار الفكري والجمالي عبر أربع مسرحيات محورية، ويرسم خطاً تطورياً يمتد من السخرية الاجتماعية إلى الفلسفة الوجودية، مروراً بنقد المؤسسات وصولاً إلى تشريح الهوية المهاجرة. هذه الدراسة النقدية لن تكتفي بإعادة قراءة ما قيل، بل ستسعى إلى التنقيب في الطبقات العميقة لهذا المسار، مستعينةً بالفلسفة وعلم الجمال المسرحي والنظرية النقدية المعاصرة، لتكشف عمّا يجعل هذا الكاتب العراقي ظاهرةً تستحق الدرس المتأني.
أولاً: السياق الذي يلد النص — جغرافيا الروح العراقية
-المكان كجرح أصلي
لا يمكن فهم مسار عمّار نعمة جابر خارج سياقه الجغرافي-التاريخي الذي يُشكّل ما يمكن تسميته بـ"الجرح الأصلي" في وعيه الإبداعي. الجنوب العراقي ليس مجرد موقع على الخريطة بالنسبة لهذا الكاتب؛ إنه فضاء تاريخي مُركّب تتشابك فيه طبقات من الهوية: هوية عربية إسلامية ، وهوية وطنية عراقية مُتصدّعة، وهوية انسانية كونية تطمح إلى ما هو أبعد من الحدود. هذا التشابك هو الذي يمنح نصوصه تلك الكثافة الدلالية التي تجعلها تحمل أكثر مما تقول.
الجنوب العراقي تحديداً يحمل في ذاكرته الجمعية طبقات من القمع المتراكم: من الاستعمار البريطاني إلى الملكية إلى الجمهوريات المتعاقبة إلى الديكتاتورية البعثية، وصولاً إلى الانهيار الكارثي الذي أعقب عام 2003 وما تلاه من حروب وطائفية ومحن. هذا التاريخ المتراكم من الجراح لا يظهر في نصوص عمّار على شكل توثيق تاريخي مباشر، بل يتسرّب في نسيج الكلام، في بنية الصمت، في طريقة تحريك الشخصيات بين ظلمة وظلمة.
- الكاتب بين الشاهد والضحية
ما يميّز عمّار عن كثير من الكتّاب الذين عاشوا التجربة العراقية هو موقعه الخاص بين الشاهد والضحية. إنه لا يكتب من موقع الناجي الذي ينظر إلى الوراء بعيون باردة، ولا من موقع الضحية التي تغرق في رثاء الذات. بل يكتب من موقع ثالث أكثر خطورةً وأكثر إثماراً: موقع المحقّق الذي يُعاين جرحه بعيون الفيلسوف، الذي يتألم ويسأل في آنٍ واحد . هذه الخاصية تجعل نصوصه تتجاوز حدود الشهادة الشخصية لتبلغ مرتبة الرواية الكونية عن الإنسان تحت وطأة السلطة، أيّ سلطة وفي أي مكان. ولهذا يجد القارئ الأوروبي أو الأفريقي أو الآسيوي نفسه منعكساً في مرايا هذه النصوص، لأنها تتحدث بلغة القهر الإنساني الكوني رغم انتمائها العميق إلى تربة جنوب العراق.
ثانياً: البنية الفكرية العميقة — ما وراء الخط التطوري
- التوتر الجدلي كمنهج وجودي
المقال الذي ندرسه يُشير بوعي إلى ما يُسميه "الحوار الجدلي" كخاصية ثابتة في كتابة عمّار. لكن لا بد هنا من التدقيق الفلسفي: هذا الجدل لا ينتمي فحسب إلى الجدلية الهيغيلية الكلاسيكية التي تسير نحو تركيب synthesis ينحل فيه التناقض. بل هو جدل أقرب إلى ما يصفه الفيلسوف الفرنسي Maurice Merleau-Ponty بـ"التوتر المنتج"، أي ذلك الصراع بين قطبين يرفضان الانصهار، وتكمن قيمته في استمراره لا في حلّه.
في نصوص عمّار، الحوار بين "الحقيقة" و"الوهم"، بين "الوطن" و"المهجر"، بين "السلطة" و"المقهور"، لا يُفضي أبداً إلى نتيجة مريحة. الشخصيات لا تصل إلى قناعة ثابتة، والمشاهد لا يُمنح إجابة جاهزة. وهذا ليس قصوراً في البنية الدرامية، بل هو اختيار فلسفي واعٍ: المسرح كفضاء للسؤال لا للإجابة، كمختبر للشك لا لليقين.
هذا الموقف يضع عمّار في تقاطع مثير مع الفيلسوف الدنماركي Søren Kierkegaard الذي رأى أن "الحقيقة هي ذاتية"، أي أنها لا تُوجَد خارج تجربة الفرد المُعيشة. ونصوص عمّار تتجسّد هذه الفكرة مسرحياً: لا توجد "حقيقة" معلّقة في الهواء تنتظر أن يكتشفها أحد، بل توجد "تجارب" متعددة تتصادم وتتكسّر وتُولّد بينها مناطق من الضوء والظل.
- الوعي بالوعي: المستوى الميتا-مسرحي
ثمة بُعد لا يُشير إليه المقال صراحةً لكنه يسري في عروقه: بُعد الميتا-مسرحية، أي المسرح الذي يُراقب نفسه ويُساءل آليات اشتغاله. حين يقول المقال إن عمّار في مرحلته المتقدمة يُنتقِد "المسرح نفسه" بوصفه مؤسسةً من مؤسسات الثقافة، فهو يُلمّح إلى هذه الخاصية الخطيرة في كتابته.
المسرح عند عمّار لا يكتفي بتصوير الواقع أو نقده؛ إنه في لحظات معيّنة يلتفت على نفسه ويسأل: ما دوري أنا؟ هل أنا فضاء للتحرر أم آلية أخرى من آليات الترويض والإيهام؟ هل يستطيع المسرح أن يُغيّر شيئاً أم أنه يُعيد إنتاج الوهم بصورة أكثر جمالاً؟ هذه الأسئلة المُضمَرة هي التي تمنح الكتابة طابعها الإشكالي المُنزعِج.
هذا يضعه في حوار صامت مع بريخت وسؤاله الشهير عن العلاقة بين المسرح والتغيير السياسي، لكن دون أن يتبنّى الحل البريختي الإيبي-تيئتري. عمّار لا يريد كسر الوهم المسرحي ليُحرّر المتفرج للتفكير السياسي الرصين؛ بل يريد تعميق الوهم حتى يتفجّر من الداخل، يريد استدراج المتفرج إلى قلب الوهم حتى يُدرك أنه كان يعيش داخله طوال الوقت.
ثالثاً: المرحلة المبكرة — السخرية بوصفها نقيضاً للصمت
- النكتة كسلاح فلسفي
المقال يُحدد المرحلة المبكرة لعمّار بالسخرية الاجتماعية والنقد الساخر للواقع العراقي. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: لماذا السخرية تحديداً؟
السخرية في سياق الكتابة العراقية ليست مجرد أسلوب أدبي؛ إنها في أغلب الأحيان رد فعل دفاعي على قسوة الواقع التي تتجاوز قدرة الخطاب الجدي على استيعابها. حين يكون الألم بالغاً إلى حد أن الكلام المباشر يعجز عنه، تأتي السخرية كوسيط قادر على حمل الحقيقة المؤلمة في حجاب من الضحكة. هذا ما يجعل الكوميديا السوداء في الأدب العراقي ظاهرةً ليست ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية.
عمّار في مرحلته المبكرة يستخدم "القبلية الساخرة" - على حد تعبير المقال - أي تلك النكتة المُضمَرة التي تحمل شفرة مزدوجة: تُضحك من يقرأها على السطح، وتُدمي من يفهمها في العمق. هذا الأسلوب يُحقق ما يُسميه الفيلسوف الفرنسي Henri Bergson "الضحكة كمصحّح اجتماعي"، غير أن عمّار يذهب أبعد من برغسون: الضحكة عنده ليست مجرد تصحيح للسلوك الاجتماعي المنحرف، بل هي فضح للبنية الكاملة التي تُنتج هذا السلوك.
تفكيك الهيرارشيا بلغة الهامش
في هذه المرحلة، يلجأ عمّار إلى شخصيات من هامش المجتمع - العامل، الفقير، الإنسان البسيط - ليجعلها مرايا تعكس خلل البنى الكبرى. هذه الاستراتيجية لها جذور أدبية عميقة تمتد من تشيخوف في استخدامه للأصوات الصغيرة لرصد انهيار الطبقات الكبرى، إلى بريخت في جعله "الإنسان العادي" بطلاً جدلياً، إلى غوركي في فضحه لـ"القاع" الاجتماعي كمرآة للمنظومة بأسرها.
لكن عمّار يُضيف إلى هذا الإرث شيئاً خاصاً به: إن شخصياته الهامشية لا تحمل وعياً ثورياً جاهزاً، ولا تُقدَّم كضحايا نقيّة تستحق التعاطف الخالص. بل هي شخصيات مُعقّدة تحمل في داخلها انعكاس القيم التي تقمعها. المقهور عنده يحمل أحياناً آليات القاهر في داخله، وهذا هو الوجه الأكثر تعقيداً وأكثر صدقاً في رؤيته للتراتبية الاجتماعية. وهو بهذا يقترب من ما يُسميه علم الاجتماع الحديث بـ"العنف الرمزي" عند بيير بورديو، حيث يُستبطِن المقهور قواعد القهر ويُطبّقها على نفسه دون أن يُدرك ذلك.
رابعاً: المرحلة الفلسفية — حين يصبح المسرح محكمةً وجودية
"بعد يوم القيامة": اللاهوت السياسي وانهيار المطلق
تُمثّل هذه المسرحية منعطفاً حاسماً في مسار عمّار، لأنها تُحقق تحولاً مزدوجاً: تحوّل موضوع النقد (من السلوك الاجتماعي إلى البنية الأنطولوجية للسلطة)، وتحوّل أداة التعبير (من السرد الساخر إلى الحوار الفلسفي المشحون).
العنوان وحده يستحق توقفاً طويلاً: "بعد يوم القيامة". اللحظة التي يختارها عمّار ليست لحظة السقوط، بل ما يأتي بعده. وهذا اختيار بالغ الدلالة الفلسفية، لأنه يضع السؤال الأعمق: إذا كان "يوم القيامة" قد مضى، إذا كان النظام قد سقط والآلهة الزائفة قد تهاوت، فماذا تبقّى؟ من أنا في غياب المرجع الكبير الذي كان يُعرّفني ولو بالسلب؟
هذا السؤال هو في جوهره سؤال نيتشوي بامتياز. حين أعلن نيتشه "موت الإله" لم يكن يُعلن انتصار الإلحاد؛ بل كان يُطرح السؤال المُرعب الذي يليه: إذا مات الإله، كيف نُعيد بناء القيمة؟ كيف نُحدد ما هو "خير" و"شر"، ما هو "عدل" و"ظلم"، بعد أن تهاوت المراجع الكبرى؟
عمّار يُطرح هذا السؤال بصيغته العراقية-العربية الخاصة: موت "الإله السياسي"، أي انهيار الديكتاتور المُنزَّه الذي كان يُقدّم نفسه إلهاً أرضياً ومرجعاً مطلقاً، هذا الموت لا يُحرّر الناس تلقائياً؛ بل يتركهم في فراغ وجودي خطير لا يعرفون فيه كيف يُعيدون تركيب أنفسهم وقيمهم. السقوط السياسي تُرجمه عمّار كـ"نكبة أخلاقية وجودية" وهذا ما يجعل رؤيته تتجاوز التحليل السياسي إلى البصيرة الفلسفية.
الفضاء المسرحي في هذه المسرحية - بما وصفه المقال بأنه "مفتوح رمزياً كأنه ساحة محاكمة" - يُحقق معادلاً بصرياً لهذا الفراغ الوجودي. إنه فضاء لا يحتوي على أثاث اليقين، ليس له جدران حاسمة، كأن العالم نفسه بات مكشوفاً ومعلّقاً في الهواء.
الشخصية كـ"قوة" لا كـ"فرد"
المقال يُشير إلى أن شخصيات "بعد يوم القيامة" تعمل كـ"رموز لقوى فكرية وسياسية" أكثر من كونها شخصيات سوسيولوجية. هذا الملاحظة دقيقة وتستحق تعمقاً نقدياً.
هذا الأسلوب في بناء الشخصية يمتد إلى تقاليد مسرحية عريقة تبدأ من المسرح الأخلاقي الأوروبي القروسطي (Morality Plays)، حيث كانت الشخصيات تُجسّد مفاهيم مجرّدة كـ"الفضيلة" و"الخطيئة"، مروراً بمسرح المقامات العربي، وصولاً إلى مسرح الرمز الحديث عند اليوجينيو باريبا وغيره.
لكن عمّار يُقدّم هذه الشخصيات الرمزية دون أن يُجرّدها تجريداً كاملاً. إنها تحتفظ بلحمة إنسانية كافية لتجعل المتفرج يتعاطف معها، ثم تُباغته بانكشافها كرموز، فيجد نفسه في موقف غريب: يتألم لفرد ثم يكتشف أنه كان يتألم لمبدأ، يتعاطف مع إنسان ثم يُدرك أنه كان يتعاطف مع فكرة. هذه المفاجأة المضاعفة هي مصدر التأثير الجمالي والفكري معاً.
خامساً: "قاع..." — الجسد كمختبر للسلطة
- الفضاء المغلق كبنية لاهوتية معكوسة
مسرحية "قاع..." تمثّل ما يمكن تسميته بـ"قمة المرحلة الفلسفية" في مسار عمّار، رغم أنها تنفتح بصرياً وموضوعاتياً على المرحلة النقدية للمؤسسات.
الفضاء المغلق المُكثَّف الذي تبنيه هذه المسرحية - السفينة، الحجر الصحي، المكان الواحد - ليس مجرد خيار جمالي؛ إنه استراتيجية فلسفية عميقة. المكان المغلق في الفلسفة الوجودية (من الخندق في مسرح أنطوان أرتو إلى غرفة الجحيم في مسرحية "لا مخرج" لسارتر) يُحوّل المسرح إلى بنية تُمثّل انهيار المسافة بين الداخل والخارج، بين الفرد والمجتمع، بين الجسد والسلطة.
حين يُحيل المقال إلى مفهوم "القاع" كـ"رمز العمق الأسود الذي تسقط فيه الضمائر والكفاءات"، نحن نُوازي هذا مع مفهوم لافت في فلسفة الجسد عند ميشيل فوكو: الجسد كموقع للسلطة، كـ"ورقة" تكتب عليها المؤسسة قواعدها. فكرة "القاع" عند عمّار هي الفكرة الفوكوية ذاتها لكن بصياغة مسرحية شعرية: حين تنجح السلطة في تحويل الإنسان إلى "قاع"، أي في أن تُفرّغه من محتواه وتُبقيه كظلٍّ لإنسان، فهي لا تقهر جسده فقط؛ بل تستعمر وعيه، تُعيد كتابة هويته من الداخل.
تعدد الشخصيات كبنية ديموقراطية مكسورة
الملاحظة التي يُقدّمها المقال عن أن "قاع..." تُقسّم البطولة بين شخصيات متعددة تمثل الشرائح الثقافية المُهشَّمة، هذه الملاحظة تكشف عن بُعد جمالي-سياسي في آنٍ واحد.
التعدد في الشخصيات هنا ليس تنويعاً في الحبكة؛ إنه مقاومة لمنطق "البطل الواحد" الذي تُفرضه كل من الملحمة الكلاسيكية والديكتاتورية السياسية على حدٍّ سواء. حين يجعل عمّار البطولة جماعية ومُوزَّعة، فهو يُقترح نموذجاً مسرحياً يُعادل في بنيته رؤيته للتحرر: لا يكفي أن يقوم البطل الواحد بالخلاص، لأن الخلاص الحقيقي هو وعي جماعي وعمل جماعي.
لكن الخطورة الفكرية في هذه الرؤية تكمن في أن هذه الجماعة لا تُخلَّص ولا تُنجو. الكفاءات والضمائر المجتمعة في الفضاء المغلق تُهزم أيضاً. وهذا هو الوجه الأكثر مرارةً في نظرة عمّار: ليس كافياً أن يجتمع الأفراد الواعون؛ إن كانت البنية الكلية تُنتج القهر، فالاجتماع وحده لا يُغيّر.
سادساً: "وهم" — حين يُحاكم العقلُ نفسه
- الحوار الديالكتيكي كمسرح للمعرفة
تُمثّل مسرحية "وهم" أكثر نصوص عمّار تجريداً فلسفياً وأكثرها اقتراباً من النهج السقراطي في الحوار. حين يصف المقال الحوار هنا بأنه "أشبه بحوار بين مفهومين أكثر من كونه حكاية بين بشرين"، فهو يُشير إلى نوع خاص من الكتابة المسرحية يجعل الخشبة مختبراً للفلسفة لا مجرد مكان لتصوير الحياة.
هذا النهج يحمل في داخله مفارقة عميقة: المسرح الذي يتجاوز "القصة" إلى "الفكرة" يُخاطر بخسارة المتفرج العادي، لكنه يربح مكسباً لا يُعوَّض: إنه يُحوّل فعل المشاهدة إلى فعل تفلسف. الجمهور أمام "وهم" لا يُشاهد حكاية؛ بل يُشارك في عملية تفكير، يُدعى إلى أن يُحدد موقفه في الصراع بين "الحقيقة" و"الوهم"، وهو في الوقت ذاته يُباغَت بالسؤال: هل يقيني من أيهما حقيقي وأيهما وهم؟
الإعلام والدين والسلطة: مثلث إنتاج الوهم
المقال يُشير إلى أن "وهم" يُساءل "الاعتقاد المُصطَنع الذي يُقاد من قبل الإعلام، الدين، والسلطة". هذه الثلاثية تستحق تحليلاً نقدياً مُعمَّقاً لأنها تكشف عن بُعد في فكر عمّار يتجاوز النقد السياسي المباشر.
ما يُقترحه عمّار ضمنياً هو أن الوهم لا يُنتَج من مصدر واحد، بل هو منظومة مُترابطة: السلطة السياسية تحتاج إلى غطاء ديني يُقدّسها، والدين يحتاج إلى سلطة سياسية تحميه، والإعلام يحتاج إلى كليهما ليُوجد. هذا المثلث هو آلة إنتاج "الحقيقة المصطنعة" التي يعيش فيها الفرد دون أن يُدرك أنها مصطنعة. عمّار هنا يتقاطع مع نظرية أنطونيو غرامشي عن "الهيمنة الثقافية"، حيث يُصبح الوعي الجمعي نفسه رهينةً لمنطق الطبقة المهيمنة، لكنه يُضيف البُعد الديني الخاص بالسياق العراقي-العربي.
سابعاً: "هروب من المهجر" — الهوية في مرآة الغياب
- ما بعد المكان: الهوية كجرح مزمن
تُمثّل هذه المسرحية الخاتمة التطورية للمسار الذي رصده المقال، لكنها في الوقت ذاته ليست "نهاية" بقدر ما هي "انفتاح على سؤال أكبر".
الهجرة القسرية موضوع ليس جديداً في الأدب؛ من إدوارد سعيد في فلسفته عن "المثقف المنفي" إلى همي بهبها في نظريته عن "موضع الثقافة" وتهجينه، إلى أدب المهجر العربي من مهجريي المهجر الأول (جبران، نعيمة، ريحاني) إلى مهجريي القرن الحادي والعشرين الهاربين من حروب ومجازر. لكن عمّار يُقدّم هذا الموضوع بصياغة تُميّزه: "الهروب من الهجرة" لا من الوطن.
هذه الصياغة المفارِقة تُدرك حقيقة يغفل عنها كثيرون: إن المهاجر لا يتوقف عن الهجرة حين يصل إلى البلد الجديد؛ بل يبدأ هجرة ثانية داخلية وهي أكثر قسوة، لأنها هجرة لا تملك مكاناً تُسمّى إليه. إنه يهرب من "مهجر" لم يعد وطناً إلى "وطن" أصبح مهجراً في الذاكرة، يُسبح في الفراغ بين هويتين، يتمنى كل منهما أن تتجاوز الأخرى وكلتاهما تأبيان الانتصار الكامل.
- فضاء الانتظار كفلسفة مسرحية
المقال يُلاحظ أن الفضاء في "هروب من المهجر" يجمع بين "فضاء الانتظار" ( المطار) والفضاء السيكولوجي لعقل المهاجر. هذا الاختيار يُحيل إلى بُعد فلسفي-مسرحي بالغ العمق.
فضاء الانتظار في الأدب ليس مكاناً وظيفياً محايداً؛ إنه الفضاء الأكثر تعبيراً عن الحالة الوجودية لمن لا يعرف أين يقف: بين زمنين، بين مكانين، بين هويتين. المحطة والمطار والممر هي أماكن العبور، أماكن لا تُعاش فيها بل تُمرّ منها، لكن المهاجر كثيراً ما يكتشف أن "المرور" صار حالة دائمة لا محطة مؤقتة.
هذا الفضاء يُحيل مباشرة إلى بيكيت وـ"في انتظار غودو": الشخصيتان تنتظران كياناً لا يأتي، لكن الانتظار نفسه هو الحياة. عمّار يُعيد هذه الرؤية في سياق المهجر: المهاجر ينتظر أن "يصل" إلى مكان ما نهائياً، أن يكون "هنا" أو "هناك" بوضوح، أن تنحلّ ازدواجية هويته. لكن "غودو" لا يأتي؛ إن الاستقرار الهوياتي الكامل لا يحدث، والانتظار هو الشرط.
ثامناً: الخصائص الجمالية — بلاغة الصمت وشعرية الفضاء
- الصمت كنص موازٍ
من أبرز ما يُميّز كتابة عمّار، وما يُلمح إليه المقال حين يتحدث عن "الكلمات التي لم تُنطق" و"الألم الذي لا يُعلن"، هو توظيفه الخاص للصمت كعنصر دراماتورجي لا كغياب للكلام.
في نظرية Harold Pinter عن الصمت المسرحي - الذي سمّاه بـ"النص المضاد Counter-text" - الصمت ليس فراغاً بين الكلمات؛ بل هو كلام من نوع آخر، يحمل من الدلالة أحياناً أكثر مما تحمله الجمل. عمّار يُطبّق هذه الرؤية بأمانة عالية: في نصوصه، ما لا يُقال غالباً هو ما لا يُطاق قوله، هو الجرح الأعمق، الحقيقة التي إذا نُطق بها تهاوت المقدمات الوهمية التي يقوم عليها وجود الشخصيات.
هذا يجعل قراءة نصوصه مزدوجة: يجب أن تقرأ ما كُتب وما لم يُكتب في آنٍ واحد، أن تُصغي إلى الكلام والصمت معاً. وهذه مهارة قرائية خاصة يتطلبها عمّار من قارئه ومشاهده، مهارة تُحوّل المتلقي من مُستقبِل سلبي إلى شريك فاعل في بناء المعنى.
- الفضاء المغلق كبنية متكررة: جماليات السجن الرمزي
المقال يُلاحظ بدقة أن الفضاء المغلق المكثَّف (الزنزانة، الغرفة، الممر، المسرح نفسه) يتكرر في نصوص عمّار كخاصية ثابتة. ما الذي يقوله هذا التكرار عن رؤيته الجمالية والفلسفية؟
في علم الجمال المسرحي، الفضاء ليس محايداً أبداً؛ إنه يُنتج معنىً من بنيته قبل أن تُنطق كلمة واحدة. الفضاء المغلق يُنتج فوراً دلالات الاحتباس والضغط والتكثيف. لكن عمّار يُجاوز هذا الاستخدام التقليدي: الفضاء المغلق عنده لا يعني فقط السجن الجسدي؛ بل يُصبح خريطة للسجون المتعددة التي يحملها الإنسان داخله: السجن الأيديولوجي، السجن الهوياتي، السجن الديني، السجن الذاكراتي.
حين يضع شخصياته في مكان واحد لفترة طويلة، فهو يُجبرها وجمهوره على الإقامة في الانزعاج، على عدم الهروب من الأسئلة عبر الانتقال المكاني. المكان المغلق هو اشتراط جمالي لعدم الفرار الفكري.
تاسعاً: موقع عمّار في خريطة المسرح العربي والعالمي
- بين التراث والحداثة: التفرد في نسب مزدوج
لوضع عمّار نعمة جابر في سياقه الصحيح داخل خريطة المسرح العربي والعالمي، لا بد من رصد الأنساب الفكرية والجمالية التي تنتسب إليها كتابته، وما الذي يُميّزه عن سابقيه.
على المستوى العربي، يمكن وضعه في حوار مع سعدالله ونّوس في استخدامه المسرح كأداة للتغيير والتحريض الفكري، مع فارق جوهري: ونّوس بدأ ماركسياً إبيقياً (بريختياً) ثم انتقل إلى أسلوب أكثر تعقيداً يُقرّبه من الواقعية الشعرية، بينما عمّار يبدأ من الحساسية الفلسفية الوجودية ليصل إلى نقد مؤسساتي أكثر راديكالية.
وعلى الصعيد الجمالي، يمكن رؤية قرابة ما مع علي أحمد باكثير في توظيف التراث العربي كمادة لمعالجة همومٍ معاصرة، لكن عمّار يُحرّر نفسه من التراث لا يُسخّره؛ إنه يبني حواراً نقدياً مع التراث لا تناصاً تبجيلياً.
على المستوى العالمي، كما أشرنا عبر الدراسة، فإن خيوط كثيرة تربط عمّار ببيكيت (انتظار ما لا يأتي، الفضاء الوجودي المعلّق)، وببريخت (المسرح كأداة نقد سياسي-ثقافي)، وببينتر (توظيف الصمت والتوتر المضمر)، وبأرتو (المسرح كحدث قسري يُحرّك ما هو عميق في المُشاهِد).
لكن الخلاصة الأهم: عمّار ليس نسخةً عن أيٍّ من هؤلاء. إنه يستوعب هذه التقاليد ويُصهرها في بوتقة خاصة تنبع من جنوب العراق وتتجاوزه في الوقت ذاته.
عاشراً: الإشكاليات النقدية — ما الذي يفتقر إليه المقال؟
- الجانب الغائب: الجسد والأداء
رغم قيمة المقال المدروس وعمقه في رصد المسار الفكري لعمّار، إلا أنه يعاني من غياب لافت: إنه يتعامل مع النصوص كنصوص أدبية فقط، دون أن يأخذ في الاعتبار أن هذه النصوص كُتبت للمسرح، أي لجسد الممثل وحضوره وأدائه.
الدراماتورجيا الكاملة لأي نص مسرحي لا تكتمل دون تحليل الكيفية التي تُترجَم بها النصوص إلى أداء. كيف يُجسّد الممثل "الوهم"؟ كيف يُعبّر الجسد المسرحي عن "الهوية المنقسمة"؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة في المقال، وهي أسئلة لا تقل أهمية عن التحليل الفكري.
- غياب القارئ/المتفرج
ثغرة أخرى في المقال: إنه يُحلّل النصوص من منظور الكاتب فقط، دون أن يُساءل دور المتلقي في بناء المعنى. في النظرية المسرحية المعاصرة، المعنى ليس كامناً في النص وحده؛ بل يُنتَج في اللحظة التي يلتقي فيها النص بوعي المتفرج. وهذا اللقاء غائب من التحليل.
خاتمة: عمّار نعمة جابر والسؤال الكبير
ما الذي يجعل كاتباً مسرحياً "كبيراً" بالمعنى العميق لهذه الكلمة؟ ليس الشهرة، ولا الجوائز، ولا الترجمات. بل قدرته على أن يطرح سؤالاً لا يتقادم، سؤالاً يظل حياً ومُزعجاً مهما تبدّلت الأزمنة والأمكنة.
عمّار نعمة جابر يطرح سؤاله الكبير عبر مسيرته بأكملها: كيف يستطيع الإنسان أن يبقى إنساناً في مواجهة السجون المتعددة التي تحاصره: السياسية، والثقافية، والذهنية، والهوياتية؟
وليس عنده إجابة جاهزة. وهذا بالضبط ما يجعله كاتباً كبيراً: إنه يُبقي السؤال حياً، يرفض الإغراء السهل للإجابة المريحة، ويُصرّ على أن يظل المسرح مكاناً للانزعاج الخصيب والشك المُنتج.
المسرح عنده ليس مرآةً تعكس الواقع، ولا مصباحاً يُنير العتمة، ولا مطرقةً تكسر الأصنام. إنه شيء أكثر خطورةً وأكثر صدقاً: إنه الجرح المفتوح الذي لا يُشفى، لكنه بانفتاحه يُذكّرنا أننا ما زلنا أحياء نسأل، وفي السؤال تبدأ كل إنسانية حقيقية.
قبل أن نلجَ إلى هذه الدراسة النقدية، لا بد من الإقرار بشيء يجعل الكتابة عن عمّار نعمة جابر مغامرةً فكرية حقيقية لا مجرد تمرين أكاديمي: إن نصوصه تنتمي إلى تلك الفئة النادرة من الكتابات التي تُقاوم أن تُقرأ قراءةً واحدة، وتُعاند أن تُختزَل في أطروحة واحدة. إنها نصوص تعيش في التوتر، تتنفس في الفجوات، وتجد معناها الحقيقي في ما لا يُقال أكثر مما يُقال.
المقال الذي بين أيدينا يُقدّم قراءةً شاملة لمسار عمّار الفكري والجمالي عبر أربع مسرحيات محورية، ويرسم خطاً تطورياً يمتد من السخرية الاجتماعية إلى الفلسفة الوجودية، مروراً بنقد المؤسسات وصولاً إلى تشريح الهوية المهاجرة. هذه الدراسة النقدية لن تكتفي بإعادة قراءة ما قيل، بل ستسعى إلى التنقيب في الطبقات العميقة لهذا المسار، مستعينةً بالفلسفة وعلم الجمال المسرحي والنظرية النقدية المعاصرة، لتكشف عمّا يجعل هذا الكاتب العراقي ظاهرةً تستحق الدرس المتأني.
أولاً: السياق الذي يلد النص — جغرافيا الروح العراقية
-المكان كجرح أصلي
لا يمكن فهم مسار عمّار نعمة جابر خارج سياقه الجغرافي-التاريخي الذي يُشكّل ما يمكن تسميته بـ"الجرح الأصلي" في وعيه الإبداعي. الجنوب العراقي ليس مجرد موقع على الخريطة بالنسبة لهذا الكاتب؛ إنه فضاء تاريخي مُركّب تتشابك فيه طبقات من الهوية: هوية عربية إسلامية ، وهوية وطنية عراقية مُتصدّعة، وهوية انسانية كونية تطمح إلى ما هو أبعد من الحدود. هذا التشابك هو الذي يمنح نصوصه تلك الكثافة الدلالية التي تجعلها تحمل أكثر مما تقول.
الجنوب العراقي تحديداً يحمل في ذاكرته الجمعية طبقات من القمع المتراكم: من الاستعمار البريطاني إلى الملكية إلى الجمهوريات المتعاقبة إلى الديكتاتورية البعثية، وصولاً إلى الانهيار الكارثي الذي أعقب عام 2003 وما تلاه من حروب وطائفية ومحن. هذا التاريخ المتراكم من الجراح لا يظهر في نصوص عمّار على شكل توثيق تاريخي مباشر، بل يتسرّب في نسيج الكلام، في بنية الصمت، في طريقة تحريك الشخصيات بين ظلمة وظلمة.
- الكاتب بين الشاهد والضحية
ما يميّز عمّار عن كثير من الكتّاب الذين عاشوا التجربة العراقية هو موقعه الخاص بين الشاهد والضحية. إنه لا يكتب من موقع الناجي الذي ينظر إلى الوراء بعيون باردة، ولا من موقع الضحية التي تغرق في رثاء الذات. بل يكتب من موقع ثالث أكثر خطورةً وأكثر إثماراً: موقع المحقّق الذي يُعاين جرحه بعيون الفيلسوف، الذي يتألم ويسأل في آنٍ واحد . هذه الخاصية تجعل نصوصه تتجاوز حدود الشهادة الشخصية لتبلغ مرتبة الرواية الكونية عن الإنسان تحت وطأة السلطة، أيّ سلطة وفي أي مكان. ولهذا يجد القارئ الأوروبي أو الأفريقي أو الآسيوي نفسه منعكساً في مرايا هذه النصوص، لأنها تتحدث بلغة القهر الإنساني الكوني رغم انتمائها العميق إلى تربة جنوب العراق.
ثانياً: البنية الفكرية العميقة — ما وراء الخط التطوري
- التوتر الجدلي كمنهج وجودي
المقال الذي ندرسه يُشير بوعي إلى ما يُسميه "الحوار الجدلي" كخاصية ثابتة في كتابة عمّار. لكن لا بد هنا من التدقيق الفلسفي: هذا الجدل لا ينتمي فحسب إلى الجدلية الهيغيلية الكلاسيكية التي تسير نحو تركيب synthesis ينحل فيه التناقض. بل هو جدل أقرب إلى ما يصفه الفيلسوف الفرنسي Maurice Merleau-Ponty بـ"التوتر المنتج"، أي ذلك الصراع بين قطبين يرفضان الانصهار، وتكمن قيمته في استمراره لا في حلّه.
في نصوص عمّار، الحوار بين "الحقيقة" و"الوهم"، بين "الوطن" و"المهجر"، بين "السلطة" و"المقهور"، لا يُفضي أبداً إلى نتيجة مريحة. الشخصيات لا تصل إلى قناعة ثابتة، والمشاهد لا يُمنح إجابة جاهزة. وهذا ليس قصوراً في البنية الدرامية، بل هو اختيار فلسفي واعٍ: المسرح كفضاء للسؤال لا للإجابة، كمختبر للشك لا لليقين.
هذا الموقف يضع عمّار في تقاطع مثير مع الفيلسوف الدنماركي Søren Kierkegaard الذي رأى أن "الحقيقة هي ذاتية"، أي أنها لا تُوجَد خارج تجربة الفرد المُعيشة. ونصوص عمّار تتجسّد هذه الفكرة مسرحياً: لا توجد "حقيقة" معلّقة في الهواء تنتظر أن يكتشفها أحد، بل توجد "تجارب" متعددة تتصادم وتتكسّر وتُولّد بينها مناطق من الضوء والظل.
- الوعي بالوعي: المستوى الميتا-مسرحي
ثمة بُعد لا يُشير إليه المقال صراحةً لكنه يسري في عروقه: بُعد الميتا-مسرحية، أي المسرح الذي يُراقب نفسه ويُساءل آليات اشتغاله. حين يقول المقال إن عمّار في مرحلته المتقدمة يُنتقِد "المسرح نفسه" بوصفه مؤسسةً من مؤسسات الثقافة، فهو يُلمّح إلى هذه الخاصية الخطيرة في كتابته.
المسرح عند عمّار لا يكتفي بتصوير الواقع أو نقده؛ إنه في لحظات معيّنة يلتفت على نفسه ويسأل: ما دوري أنا؟ هل أنا فضاء للتحرر أم آلية أخرى من آليات الترويض والإيهام؟ هل يستطيع المسرح أن يُغيّر شيئاً أم أنه يُعيد إنتاج الوهم بصورة أكثر جمالاً؟ هذه الأسئلة المُضمَرة هي التي تمنح الكتابة طابعها الإشكالي المُنزعِج.
هذا يضعه في حوار صامت مع بريخت وسؤاله الشهير عن العلاقة بين المسرح والتغيير السياسي، لكن دون أن يتبنّى الحل البريختي الإيبي-تيئتري. عمّار لا يريد كسر الوهم المسرحي ليُحرّر المتفرج للتفكير السياسي الرصين؛ بل يريد تعميق الوهم حتى يتفجّر من الداخل، يريد استدراج المتفرج إلى قلب الوهم حتى يُدرك أنه كان يعيش داخله طوال الوقت.
ثالثاً: المرحلة المبكرة — السخرية بوصفها نقيضاً للصمت
- النكتة كسلاح فلسفي
المقال يُحدد المرحلة المبكرة لعمّار بالسخرية الاجتماعية والنقد الساخر للواقع العراقي. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: لماذا السخرية تحديداً؟
السخرية في سياق الكتابة العراقية ليست مجرد أسلوب أدبي؛ إنها في أغلب الأحيان رد فعل دفاعي على قسوة الواقع التي تتجاوز قدرة الخطاب الجدي على استيعابها. حين يكون الألم بالغاً إلى حد أن الكلام المباشر يعجز عنه، تأتي السخرية كوسيط قادر على حمل الحقيقة المؤلمة في حجاب من الضحكة. هذا ما يجعل الكوميديا السوداء في الأدب العراقي ظاهرةً ليست ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية.
عمّار في مرحلته المبكرة يستخدم "القبلية الساخرة" - على حد تعبير المقال - أي تلك النكتة المُضمَرة التي تحمل شفرة مزدوجة: تُضحك من يقرأها على السطح، وتُدمي من يفهمها في العمق. هذا الأسلوب يُحقق ما يُسميه الفيلسوف الفرنسي Henri Bergson "الضحكة كمصحّح اجتماعي"، غير أن عمّار يذهب أبعد من برغسون: الضحكة عنده ليست مجرد تصحيح للسلوك الاجتماعي المنحرف، بل هي فضح للبنية الكاملة التي تُنتج هذا السلوك.
تفكيك الهيرارشيا بلغة الهامش
في هذه المرحلة، يلجأ عمّار إلى شخصيات من هامش المجتمع - العامل، الفقير، الإنسان البسيط - ليجعلها مرايا تعكس خلل البنى الكبرى. هذه الاستراتيجية لها جذور أدبية عميقة تمتد من تشيخوف في استخدامه للأصوات الصغيرة لرصد انهيار الطبقات الكبرى، إلى بريخت في جعله "الإنسان العادي" بطلاً جدلياً، إلى غوركي في فضحه لـ"القاع" الاجتماعي كمرآة للمنظومة بأسرها.
لكن عمّار يُضيف إلى هذا الإرث شيئاً خاصاً به: إن شخصياته الهامشية لا تحمل وعياً ثورياً جاهزاً، ولا تُقدَّم كضحايا نقيّة تستحق التعاطف الخالص. بل هي شخصيات مُعقّدة تحمل في داخلها انعكاس القيم التي تقمعها. المقهور عنده يحمل أحياناً آليات القاهر في داخله، وهذا هو الوجه الأكثر تعقيداً وأكثر صدقاً في رؤيته للتراتبية الاجتماعية. وهو بهذا يقترب من ما يُسميه علم الاجتماع الحديث بـ"العنف الرمزي" عند بيير بورديو، حيث يُستبطِن المقهور قواعد القهر ويُطبّقها على نفسه دون أن يُدرك ذلك.
رابعاً: المرحلة الفلسفية — حين يصبح المسرح محكمةً وجودية
"بعد يوم القيامة": اللاهوت السياسي وانهيار المطلق
تُمثّل هذه المسرحية منعطفاً حاسماً في مسار عمّار، لأنها تُحقق تحولاً مزدوجاً: تحوّل موضوع النقد (من السلوك الاجتماعي إلى البنية الأنطولوجية للسلطة)، وتحوّل أداة التعبير (من السرد الساخر إلى الحوار الفلسفي المشحون).
العنوان وحده يستحق توقفاً طويلاً: "بعد يوم القيامة". اللحظة التي يختارها عمّار ليست لحظة السقوط، بل ما يأتي بعده. وهذا اختيار بالغ الدلالة الفلسفية، لأنه يضع السؤال الأعمق: إذا كان "يوم القيامة" قد مضى، إذا كان النظام قد سقط والآلهة الزائفة قد تهاوت، فماذا تبقّى؟ من أنا في غياب المرجع الكبير الذي كان يُعرّفني ولو بالسلب؟
هذا السؤال هو في جوهره سؤال نيتشوي بامتياز. حين أعلن نيتشه "موت الإله" لم يكن يُعلن انتصار الإلحاد؛ بل كان يُطرح السؤال المُرعب الذي يليه: إذا مات الإله، كيف نُعيد بناء القيمة؟ كيف نُحدد ما هو "خير" و"شر"، ما هو "عدل" و"ظلم"، بعد أن تهاوت المراجع الكبرى؟
عمّار يُطرح هذا السؤال بصيغته العراقية-العربية الخاصة: موت "الإله السياسي"، أي انهيار الديكتاتور المُنزَّه الذي كان يُقدّم نفسه إلهاً أرضياً ومرجعاً مطلقاً، هذا الموت لا يُحرّر الناس تلقائياً؛ بل يتركهم في فراغ وجودي خطير لا يعرفون فيه كيف يُعيدون تركيب أنفسهم وقيمهم. السقوط السياسي تُرجمه عمّار كـ"نكبة أخلاقية وجودية" وهذا ما يجعل رؤيته تتجاوز التحليل السياسي إلى البصيرة الفلسفية.
الفضاء المسرحي في هذه المسرحية - بما وصفه المقال بأنه "مفتوح رمزياً كأنه ساحة محاكمة" - يُحقق معادلاً بصرياً لهذا الفراغ الوجودي. إنه فضاء لا يحتوي على أثاث اليقين، ليس له جدران حاسمة، كأن العالم نفسه بات مكشوفاً ومعلّقاً في الهواء.
الشخصية كـ"قوة" لا كـ"فرد"
المقال يُشير إلى أن شخصيات "بعد يوم القيامة" تعمل كـ"رموز لقوى فكرية وسياسية" أكثر من كونها شخصيات سوسيولوجية. هذا الملاحظة دقيقة وتستحق تعمقاً نقدياً.
هذا الأسلوب في بناء الشخصية يمتد إلى تقاليد مسرحية عريقة تبدأ من المسرح الأخلاقي الأوروبي القروسطي (Morality Plays)، حيث كانت الشخصيات تُجسّد مفاهيم مجرّدة كـ"الفضيلة" و"الخطيئة"، مروراً بمسرح المقامات العربي، وصولاً إلى مسرح الرمز الحديث عند اليوجينيو باريبا وغيره.
لكن عمّار يُقدّم هذه الشخصيات الرمزية دون أن يُجرّدها تجريداً كاملاً. إنها تحتفظ بلحمة إنسانية كافية لتجعل المتفرج يتعاطف معها، ثم تُباغته بانكشافها كرموز، فيجد نفسه في موقف غريب: يتألم لفرد ثم يكتشف أنه كان يتألم لمبدأ، يتعاطف مع إنسان ثم يُدرك أنه كان يتعاطف مع فكرة. هذه المفاجأة المضاعفة هي مصدر التأثير الجمالي والفكري معاً.
خامساً: "قاع..." — الجسد كمختبر للسلطة
- الفضاء المغلق كبنية لاهوتية معكوسة
مسرحية "قاع..." تمثّل ما يمكن تسميته بـ"قمة المرحلة الفلسفية" في مسار عمّار، رغم أنها تنفتح بصرياً وموضوعاتياً على المرحلة النقدية للمؤسسات.
الفضاء المغلق المُكثَّف الذي تبنيه هذه المسرحية - السفينة، الحجر الصحي، المكان الواحد - ليس مجرد خيار جمالي؛ إنه استراتيجية فلسفية عميقة. المكان المغلق في الفلسفة الوجودية (من الخندق في مسرح أنطوان أرتو إلى غرفة الجحيم في مسرحية "لا مخرج" لسارتر) يُحوّل المسرح إلى بنية تُمثّل انهيار المسافة بين الداخل والخارج، بين الفرد والمجتمع، بين الجسد والسلطة.
حين يُحيل المقال إلى مفهوم "القاع" كـ"رمز العمق الأسود الذي تسقط فيه الضمائر والكفاءات"، نحن نُوازي هذا مع مفهوم لافت في فلسفة الجسد عند ميشيل فوكو: الجسد كموقع للسلطة، كـ"ورقة" تكتب عليها المؤسسة قواعدها. فكرة "القاع" عند عمّار هي الفكرة الفوكوية ذاتها لكن بصياغة مسرحية شعرية: حين تنجح السلطة في تحويل الإنسان إلى "قاع"، أي في أن تُفرّغه من محتواه وتُبقيه كظلٍّ لإنسان، فهي لا تقهر جسده فقط؛ بل تستعمر وعيه، تُعيد كتابة هويته من الداخل.
تعدد الشخصيات كبنية ديموقراطية مكسورة
الملاحظة التي يُقدّمها المقال عن أن "قاع..." تُقسّم البطولة بين شخصيات متعددة تمثل الشرائح الثقافية المُهشَّمة، هذه الملاحظة تكشف عن بُعد جمالي-سياسي في آنٍ واحد.
التعدد في الشخصيات هنا ليس تنويعاً في الحبكة؛ إنه مقاومة لمنطق "البطل الواحد" الذي تُفرضه كل من الملحمة الكلاسيكية والديكتاتورية السياسية على حدٍّ سواء. حين يجعل عمّار البطولة جماعية ومُوزَّعة، فهو يُقترح نموذجاً مسرحياً يُعادل في بنيته رؤيته للتحرر: لا يكفي أن يقوم البطل الواحد بالخلاص، لأن الخلاص الحقيقي هو وعي جماعي وعمل جماعي.
لكن الخطورة الفكرية في هذه الرؤية تكمن في أن هذه الجماعة لا تُخلَّص ولا تُنجو. الكفاءات والضمائر المجتمعة في الفضاء المغلق تُهزم أيضاً. وهذا هو الوجه الأكثر مرارةً في نظرة عمّار: ليس كافياً أن يجتمع الأفراد الواعون؛ إن كانت البنية الكلية تُنتج القهر، فالاجتماع وحده لا يُغيّر.
سادساً: "وهم" — حين يُحاكم العقلُ نفسه
- الحوار الديالكتيكي كمسرح للمعرفة
تُمثّل مسرحية "وهم" أكثر نصوص عمّار تجريداً فلسفياً وأكثرها اقتراباً من النهج السقراطي في الحوار. حين يصف المقال الحوار هنا بأنه "أشبه بحوار بين مفهومين أكثر من كونه حكاية بين بشرين"، فهو يُشير إلى نوع خاص من الكتابة المسرحية يجعل الخشبة مختبراً للفلسفة لا مجرد مكان لتصوير الحياة.
هذا النهج يحمل في داخله مفارقة عميقة: المسرح الذي يتجاوز "القصة" إلى "الفكرة" يُخاطر بخسارة المتفرج العادي، لكنه يربح مكسباً لا يُعوَّض: إنه يُحوّل فعل المشاهدة إلى فعل تفلسف. الجمهور أمام "وهم" لا يُشاهد حكاية؛ بل يُشارك في عملية تفكير، يُدعى إلى أن يُحدد موقفه في الصراع بين "الحقيقة" و"الوهم"، وهو في الوقت ذاته يُباغَت بالسؤال: هل يقيني من أيهما حقيقي وأيهما وهم؟
الإعلام والدين والسلطة: مثلث إنتاج الوهم
المقال يُشير إلى أن "وهم" يُساءل "الاعتقاد المُصطَنع الذي يُقاد من قبل الإعلام، الدين، والسلطة". هذه الثلاثية تستحق تحليلاً نقدياً مُعمَّقاً لأنها تكشف عن بُعد في فكر عمّار يتجاوز النقد السياسي المباشر.
ما يُقترحه عمّار ضمنياً هو أن الوهم لا يُنتَج من مصدر واحد، بل هو منظومة مُترابطة: السلطة السياسية تحتاج إلى غطاء ديني يُقدّسها، والدين يحتاج إلى سلطة سياسية تحميه، والإعلام يحتاج إلى كليهما ليُوجد. هذا المثلث هو آلة إنتاج "الحقيقة المصطنعة" التي يعيش فيها الفرد دون أن يُدرك أنها مصطنعة. عمّار هنا يتقاطع مع نظرية أنطونيو غرامشي عن "الهيمنة الثقافية"، حيث يُصبح الوعي الجمعي نفسه رهينةً لمنطق الطبقة المهيمنة، لكنه يُضيف البُعد الديني الخاص بالسياق العراقي-العربي.
سابعاً: "هروب من المهجر" — الهوية في مرآة الغياب
- ما بعد المكان: الهوية كجرح مزمن
تُمثّل هذه المسرحية الخاتمة التطورية للمسار الذي رصده المقال، لكنها في الوقت ذاته ليست "نهاية" بقدر ما هي "انفتاح على سؤال أكبر".
الهجرة القسرية موضوع ليس جديداً في الأدب؛ من إدوارد سعيد في فلسفته عن "المثقف المنفي" إلى همي بهبها في نظريته عن "موضع الثقافة" وتهجينه، إلى أدب المهجر العربي من مهجريي المهجر الأول (جبران، نعيمة، ريحاني) إلى مهجريي القرن الحادي والعشرين الهاربين من حروب ومجازر. لكن عمّار يُقدّم هذا الموضوع بصياغة تُميّزه: "الهروب من الهجرة" لا من الوطن.
هذه الصياغة المفارِقة تُدرك حقيقة يغفل عنها كثيرون: إن المهاجر لا يتوقف عن الهجرة حين يصل إلى البلد الجديد؛ بل يبدأ هجرة ثانية داخلية وهي أكثر قسوة، لأنها هجرة لا تملك مكاناً تُسمّى إليه. إنه يهرب من "مهجر" لم يعد وطناً إلى "وطن" أصبح مهجراً في الذاكرة، يُسبح في الفراغ بين هويتين، يتمنى كل منهما أن تتجاوز الأخرى وكلتاهما تأبيان الانتصار الكامل.
- فضاء الانتظار كفلسفة مسرحية
المقال يُلاحظ أن الفضاء في "هروب من المهجر" يجمع بين "فضاء الانتظار" ( المطار) والفضاء السيكولوجي لعقل المهاجر. هذا الاختيار يُحيل إلى بُعد فلسفي-مسرحي بالغ العمق.
فضاء الانتظار في الأدب ليس مكاناً وظيفياً محايداً؛ إنه الفضاء الأكثر تعبيراً عن الحالة الوجودية لمن لا يعرف أين يقف: بين زمنين، بين مكانين، بين هويتين. المحطة والمطار والممر هي أماكن العبور، أماكن لا تُعاش فيها بل تُمرّ منها، لكن المهاجر كثيراً ما يكتشف أن "المرور" صار حالة دائمة لا محطة مؤقتة.
هذا الفضاء يُحيل مباشرة إلى بيكيت وـ"في انتظار غودو": الشخصيتان تنتظران كياناً لا يأتي، لكن الانتظار نفسه هو الحياة. عمّار يُعيد هذه الرؤية في سياق المهجر: المهاجر ينتظر أن "يصل" إلى مكان ما نهائياً، أن يكون "هنا" أو "هناك" بوضوح، أن تنحلّ ازدواجية هويته. لكن "غودو" لا يأتي؛ إن الاستقرار الهوياتي الكامل لا يحدث، والانتظار هو الشرط.
ثامناً: الخصائص الجمالية — بلاغة الصمت وشعرية الفضاء
- الصمت كنص موازٍ
من أبرز ما يُميّز كتابة عمّار، وما يُلمح إليه المقال حين يتحدث عن "الكلمات التي لم تُنطق" و"الألم الذي لا يُعلن"، هو توظيفه الخاص للصمت كعنصر دراماتورجي لا كغياب للكلام.
في نظرية Harold Pinter عن الصمت المسرحي - الذي سمّاه بـ"النص المضاد Counter-text" - الصمت ليس فراغاً بين الكلمات؛ بل هو كلام من نوع آخر، يحمل من الدلالة أحياناً أكثر مما تحمله الجمل. عمّار يُطبّق هذه الرؤية بأمانة عالية: في نصوصه، ما لا يُقال غالباً هو ما لا يُطاق قوله، هو الجرح الأعمق، الحقيقة التي إذا نُطق بها تهاوت المقدمات الوهمية التي يقوم عليها وجود الشخصيات.
هذا يجعل قراءة نصوصه مزدوجة: يجب أن تقرأ ما كُتب وما لم يُكتب في آنٍ واحد، أن تُصغي إلى الكلام والصمت معاً. وهذه مهارة قرائية خاصة يتطلبها عمّار من قارئه ومشاهده، مهارة تُحوّل المتلقي من مُستقبِل سلبي إلى شريك فاعل في بناء المعنى.
- الفضاء المغلق كبنية متكررة: جماليات السجن الرمزي
المقال يُلاحظ بدقة أن الفضاء المغلق المكثَّف (الزنزانة، الغرفة، الممر، المسرح نفسه) يتكرر في نصوص عمّار كخاصية ثابتة. ما الذي يقوله هذا التكرار عن رؤيته الجمالية والفلسفية؟
في علم الجمال المسرحي، الفضاء ليس محايداً أبداً؛ إنه يُنتج معنىً من بنيته قبل أن تُنطق كلمة واحدة. الفضاء المغلق يُنتج فوراً دلالات الاحتباس والضغط والتكثيف. لكن عمّار يُجاوز هذا الاستخدام التقليدي: الفضاء المغلق عنده لا يعني فقط السجن الجسدي؛ بل يُصبح خريطة للسجون المتعددة التي يحملها الإنسان داخله: السجن الأيديولوجي، السجن الهوياتي، السجن الديني، السجن الذاكراتي.
حين يضع شخصياته في مكان واحد لفترة طويلة، فهو يُجبرها وجمهوره على الإقامة في الانزعاج، على عدم الهروب من الأسئلة عبر الانتقال المكاني. المكان المغلق هو اشتراط جمالي لعدم الفرار الفكري.
تاسعاً: موقع عمّار في خريطة المسرح العربي والعالمي
- بين التراث والحداثة: التفرد في نسب مزدوج
لوضع عمّار نعمة جابر في سياقه الصحيح داخل خريطة المسرح العربي والعالمي، لا بد من رصد الأنساب الفكرية والجمالية التي تنتسب إليها كتابته، وما الذي يُميّزه عن سابقيه.
على المستوى العربي، يمكن وضعه في حوار مع سعدالله ونّوس في استخدامه المسرح كأداة للتغيير والتحريض الفكري، مع فارق جوهري: ونّوس بدأ ماركسياً إبيقياً (بريختياً) ثم انتقل إلى أسلوب أكثر تعقيداً يُقرّبه من الواقعية الشعرية، بينما عمّار يبدأ من الحساسية الفلسفية الوجودية ليصل إلى نقد مؤسساتي أكثر راديكالية.
وعلى الصعيد الجمالي، يمكن رؤية قرابة ما مع علي أحمد باكثير في توظيف التراث العربي كمادة لمعالجة همومٍ معاصرة، لكن عمّار يُحرّر نفسه من التراث لا يُسخّره؛ إنه يبني حواراً نقدياً مع التراث لا تناصاً تبجيلياً.
على المستوى العالمي، كما أشرنا عبر الدراسة، فإن خيوط كثيرة تربط عمّار ببيكيت (انتظار ما لا يأتي، الفضاء الوجودي المعلّق)، وببريخت (المسرح كأداة نقد سياسي-ثقافي)، وببينتر (توظيف الصمت والتوتر المضمر)، وبأرتو (المسرح كحدث قسري يُحرّك ما هو عميق في المُشاهِد).
لكن الخلاصة الأهم: عمّار ليس نسخةً عن أيٍّ من هؤلاء. إنه يستوعب هذه التقاليد ويُصهرها في بوتقة خاصة تنبع من جنوب العراق وتتجاوزه في الوقت ذاته.
عاشراً: الإشكاليات النقدية — ما الذي يفتقر إليه المقال؟
- الجانب الغائب: الجسد والأداء
رغم قيمة المقال المدروس وعمقه في رصد المسار الفكري لعمّار، إلا أنه يعاني من غياب لافت: إنه يتعامل مع النصوص كنصوص أدبية فقط، دون أن يأخذ في الاعتبار أن هذه النصوص كُتبت للمسرح، أي لجسد الممثل وحضوره وأدائه.
الدراماتورجيا الكاملة لأي نص مسرحي لا تكتمل دون تحليل الكيفية التي تُترجَم بها النصوص إلى أداء. كيف يُجسّد الممثل "الوهم"؟ كيف يُعبّر الجسد المسرحي عن "الهوية المنقسمة"؟ هذه الأسئلة تبقى مفتوحة في المقال، وهي أسئلة لا تقل أهمية عن التحليل الفكري.
- غياب القارئ/المتفرج
ثغرة أخرى في المقال: إنه يُحلّل النصوص من منظور الكاتب فقط، دون أن يُساءل دور المتلقي في بناء المعنى. في النظرية المسرحية المعاصرة، المعنى ليس كامناً في النص وحده؛ بل يُنتَج في اللحظة التي يلتقي فيها النص بوعي المتفرج. وهذا اللقاء غائب من التحليل.
خاتمة: عمّار نعمة جابر والسؤال الكبير
ما الذي يجعل كاتباً مسرحياً "كبيراً" بالمعنى العميق لهذه الكلمة؟ ليس الشهرة، ولا الجوائز، ولا الترجمات. بل قدرته على أن يطرح سؤالاً لا يتقادم، سؤالاً يظل حياً ومُزعجاً مهما تبدّلت الأزمنة والأمكنة.
عمّار نعمة جابر يطرح سؤاله الكبير عبر مسيرته بأكملها: كيف يستطيع الإنسان أن يبقى إنساناً في مواجهة السجون المتعددة التي تحاصره: السياسية، والثقافية، والذهنية، والهوياتية؟
وليس عنده إجابة جاهزة. وهذا بالضبط ما يجعله كاتباً كبيراً: إنه يُبقي السؤال حياً، يرفض الإغراء السهل للإجابة المريحة، ويُصرّ على أن يظل المسرح مكاناً للانزعاج الخصيب والشك المُنتج.
المسرح عنده ليس مرآةً تعكس الواقع، ولا مصباحاً يُنير العتمة، ولا مطرقةً تكسر الأصنام. إنه شيء أكثر خطورةً وأكثر صدقاً: إنه الجرح المفتوح الذي لا يُشفى، لكنه بانفتاحه يُذكّرنا أننا ما زلنا أحياء نسأل، وفي السؤال تبدأ كل إنسانية حقيقية.