د. إبراهيم عروش - الطبيب ليس “نَوّارًا”.. noir بل ابنُ منظومةٍ مختلّة

لم يكن الطبيب يومًا “نَوّارًا”، ولم تكن مهنته مرادفًا للالتفاف على القانون أو تحصيل المال من تحت الطاولة كما يروّج البعض. إن هذا الوصف الجائر لا يختزل فقط جهد سنوات طويلة من الدراسة والتكوين، بل يُغفل كذلك السياق الحقيقي الذي يشتغل فيه الطبيب داخل منظومة صحية تعاني اختلالات بنيوية عميقة.
قد لا يجادل عاقل في أن بعض التجاوزات قد تقع هنا أو هناك، وأن بعض الأطباء قد يسعون إلى تحسين دخلهم خارج الإطار الرسمي، لكن تعميم هذه الحالات على فئة بأكملها هو ظلم بيّن. فالمشكلة في جوهرها ليست أخلاقية بقدر ما هي هيكلية: نحن أمام نظام صحي يعاني من خلل واضح بين الطلب المتزايد على الخدمات الصحية والعرض المحدود من الموارد البشرية والتجهيزات.
وأثناء العمل في المستعجلات، يتجلّى هذا الخلل بوضوح. كيف يمكن لطبيب واحد أن يغطي تخصصات متعددة في غياب أخصائيي الغدد والسكري، أو جراحة العظام والعمود الفقري، أو المسالك البولية وتخصصات أخرى ...؟ كيف يُطلب منه أن يقدّم خدمة كاملة في ظل هذا النقص؟ إن ما يُسمّى أحيانًا “خروقات” هو في كثير من الحالات محاولة لسدّ فراغ قاتل في المنظومة، وليس خروجًا عن القانون بدافع الجشع.
ومع ذلك، يبقى القانون واضحًا: الاشتغال خارج أوقات العمل في القطاع العمومي دون مبرر الاستعجال يُعد خرقًا. لكن هنا يُطرح السؤال الأعمق: هل القوانين الحالية عادلة ومنصفة؟ وهل تأخذ بعين الاعتبار واقع الأطباء وضغط العمل عليهم، أم أنها تُقيدهم داخل ما يشبه “عبودية الوظيفة”؟
في قطاعات أخرى، نجد أن ازدواجية العمل مقبولة بل ومُمارسة بشكل واسع. فالمعلم العمومي قد يقدّم دروسًا خصوصية، والمؤسسات الخاصة قد تستعين بأساتذة من القطاع العام، والخبير المالي قد يشتغل خارج وظيفته الأصلية. فلماذا يُستثنى الطبيب وحده من هذا الهامش؟ خاصة وأنه من أكثر الموظفين التزامًا ضريبيًا، إذ تُقتطع مستحقاته مباشرة من المنبع دون إمكانية للتحايل.
إن نضال الأطباء اليوم ليس فقط من أجل تحسين ظروفهم المادية، بل من أجل استعادة كرامتهم المهنية، والتحرر من قيود لا تعكس واقعهم ولا تُنصف تضحياتهم. فأن تكون طبيبًا لم يكن يومًا مجرد وظيفة، بل هو حلم إنساني نبيل، يدفع الكثيرون ثمنه من أعمارهم وجهدهم وصحتهم.
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس جلد الأطباء أو التشكيك في نزاهتهم، بل فتح نقاش وطني صريح حول إصلاح المنظومة الصحية، بما يضمن التوازن بين الواجب والحق، بين القانون والواقع، وبين خدمة المواطن وصون كرامة من يسهر على صحته.
فالطبيب الذي يُناضل بشرف، ويُمدّ يد العون في القطاعين العام والخاص، ليس “نَوّارًا”، بل هو أحد أعمدة المجتمع، يستحق التقدير لا الاتهام، والدعم لا التبخيس

د. إبراهيم عروش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى