لا يخفى على أحد ما لترامب من أطماع ظاهرة في حيازة كل ثروة، بل إن جشعه قد تجاوز كل حدّ وكشف عن الوجه الحقيقي للامبريالية المتوحشة. يظهر ذلك بوضوح في عراء هذه الحرب وسقوط كل قناع من أقنعة الامبريالية المعهودة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلم العالمي. ومع ذلك، نعتقد أن لهذه الحرب تحديدا عناوين فلسفية دينية توجهها وتطغى على كل عنوان سياسي اعتادت الأطراف المعتدية استخدامه في حروبها السابقة سواء ضد العراق أو ضد أفغانستان أو الصومال بالنسبة إلى الولايات المتحدة، أو ضد العرب وضد غزة بالنسبة إلى الكيان الصهيوني. كما نعتقد أن هذا العنوان الفلسفي الديني، وإن كان غطاء لأبعاد هذه الحرب الاقتصادية والسياسية والعسكرية، فهو في الوقت نفسه أساسها ومحركها التاريخي. لذلك، نخصص هذا المقال لتحليل البعد الفلسفي الديني لهذه الحرب الجديدة التي لم يكن يتوقعها أي عقل سياسي يفكر في الحروب في حدود الاقتصاد السياسي.
إذا فكرنا في هذه الحرب من زاوية فلسفية تتجاوز مختلف أبعادها التي سبق أن تعرضنا إليها في المقال السابق، نجد أنفسنا ملزمين بالحفر عميقا بحثا عما تحتها من مفاهيم فلسفية دينية نعتقد أنها المحرك الأساسي لذلك الصراع على المعنى الذي أوضحنا ملامحه الكبرى. ولتحقيق هذا الهدف ارتأينا أن ننظر في المفاهيم الفلسفية الدينية التي يتأسس عليها النموذجان المتصارعان الآن وهما النموذج الأمريكي الصهيوني من ناحية والنموذج الإيراني الشيعي من ناحية أخرى.
1. الأساس الفلسفي الديني للنموذج الأمريكي الصهيوني:
نحتاج، لفهم الأساس الفلسفي الديني الذي ينبني عليه النموذج الأمريكي الصهيوني، إلى الإحاطة بأبرز المفاهيم والأفكار الإنجيلية واليهودية الكامنة في الخطاب السياسي الحاف بهذا الصراع منذ أربعة عقود. ونحتاج قبل ذلك إلى ملاحظة انتروبولوجية حول الولادة المتشابهة لهذين الكيانين. أي الولايات المتحدة وإسرائيل، فكلاهما نشأ في أعقاب هجرات جماعية من مختلف أنحاء أوروبا نحو أرض لها أصحابها ولهم فيها تاريخ وحضارة عريقة. أما الولايات المتحدة فهي كيان لا يخفى على أحد أنه من إنشاء جماعات بشرية وصفها تزفيتان تودوروف في كتابه (La conquete de l'Amérique: La question (de l'Autre بجماعات اللصوص، وتوسع في الكشف عن توحشها وعن تعجرفها وما ترتب على ذلك إبادة لسكان أمريكا الأصليين وتدمير حضارتهم. والأمر نفسه ينطبق على نشأة الكيان الصهيوني، فهي تعود إلى هجرات جماعية من مختلف أنحاء أوروبا نحو أرض فلسطين أدت إلى تهجير أصحابها وتدمير أجزاء واسعة من حضارتهم فيها وإقامة مستوطنات ما فتئت تتوسع من عقد إلى آخر حتى أتت على أغلب الأرض الفلسطينية.
ولا يمكن لمثل هذه النشأة اللصوصية أن تتحول لتصبح دولة - أمة إلا بجهاز إيديولوجي، فلسفي ديني، يضفي على اللصوصية معنى وجوديا، وينقلها من حالة التوحش والبربرية إلى حالة التمدن والتحضر، بل وينمي الاعتقاد لدى أفرادها في أنهم رمز التحضر وفي أن أصحاب الأرض الأصليين متوحشون وهمج. وهذا ما يظهر بوضوح في الاعتقاد الإنجيلي المرافق للرأسمالية الأمريكية وفي الاعتقاد اليهودي الذي يتأسس عليه الكيان الصهيوني.
1.1. المفاهيم والأفكار الإنجيلية الأمريكية:
تعد الصهيونية المسيحية تيارا فكريا واسع الانتشار في الولايات المتحدة، وله تأويل خاص للإنجيل أدّى إلى ترسيخ اعتقاد في أذهان فئات واسعة، ألا وهو أن قيام "دولة إسرائيل" تحقيق لنبوءة دينية وأن دعمها واجب ديني.، وهذا ما يجعل السياسة جزءا من خطة إلهية. هكذا فكر ترامب وهو محاط بعدد من رجال الدين يدعون له بالنصر ويغرسون في ذهنه فكرة كونه رجلا اختاره الله لتحقيق النبوءة. ولا يستبعد أن يكون هو نفسه مؤمنا بذلك خصوصا أنه أظهر في بعض ممارساته ما يوهم بأنه رجل دين كأن يبارك أحدهم بلمسة من يده على رأسه أو أن يعلن نفسه المخلّص الذي نص عليه الكتاب المقدس فضلا عن كونه صاحب الاتفاقيات الإبراهيمية التي أعلن عنها واعتبرها مشروعا يصلح لإنهاء الصراع وإحلال السلام.
يضاف إلى هذه العقيدة الصهيونية المسيحية اعتقاد إنجيلي آخر يرى في صراعات الشرق الأوسط مقدمات لنهاية الزمان، وأن عودة المسيح المخلّص مرتبطة بمثل هذه الحروب. وبهذين المعتقدين يحصل الاستعداد لدعم كل تصعيد سياسي يقود إلى إعلان الحرب والانخراط فيها بكل قوة، فالحرب من هذا المنطلق لا ينظر إليها على أنها خطر على الإنسان لأنها في الاعتقاد الإنجيلي جزء من الخلاص. ولهذه المعتقدات الدينية ترجمة فكرية سياسية نلمحها لدى جون وينثروب وهو يقدم الولايات المتحدة في صورة الدولة الرسالية وأن رسالتها رسالة عالمية لنشر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. هنا تحديدا تختفي المسافة الفاصلة بين الأخلاق والسياسة وتصبح الأخلاق وقودا يغذي الفعل السياسي ويوجهه نحو هدف واحد وهو سيادة النموذج الأمريكي وطمس كل نموذج يضاده. قد تكون هذه الفكرة السياسية أقل تأثيرا في سياسات ترامب مقارنة بسياسات من كان قبله أمثال بوش الأب وبوش الابن في الحرب على العراق سنة 1991 ثم سنة 2003، وهذا يعني تراجعا واضحا للديمقراطية الليبرالية وصعودا كاسحا لليبرالية الجديدة العارية من كل قيمة أخلاقية أو سياسية ولا وزن فيها إلا للإثراء بكل وجه ممكن. وقد بلغت هذه النزعة الإنجيلية أقصاها في الخطاب السياسي الأمريكي خصوصا بعد أحداث 07 أكتوبر 2023، ويتجلى ذلك واضحا في ميل عدد من الشخصيات السياسية البارزة،أمثال نائب الرئيس ورئيس مجلس النواب ومستشارة الرئيس وغيرهم، إلى تطعيم خطاباتهم بآيات من الإنجيل لإضفاء الطابع القدسي على خطابهم السياسي خصوصا إذا تعلق بقضايا تهم الكيان الصهيوني في علاقته بجبهة المقاومة. والأمر نفسه في الخطاب السياسي الصهيوني ممثلا في شخصية نتنياهو.
2.1. المفاهيم والأفكار اليهودية الصهيونية:
جرت العادة أن ننظر إلى الصهيونية على أنها ذراع الامبريالية الامريكية في الشرق الأوسط، وهو ما يعني الربط بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ربطا سياسيا اقتصاديا. ولكن ذلك لا ينكشف جليا حتى نجري تفاعلا بين الأفكار الدينية الإنجيلية المشار إليها أعلاه والأفكار الدينية الصهيونية التي تقود العقل السياسي الإسرائيلي وهي باختصار الاعتقاد في أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد، وأن العودة تعني الخلاص وأن صهيون مركز ديني مقدس وأن إعادة بناء الهيكل واجب ديني وعلى العائدين إلى أرض الميعاد إنجازه. أما فكرة شعب الله المختار فهي فكرة توراتية لا يفهم منها أن اليهود شعب اصطفاه الله وخيره على غيره من الشعوب فحسب بل يفهم منها تحديدا أن اختيارهم يستدعي لهم حقا تاريخيا في الأرض، ويترتب على ذلك الإيمان بحق بني إسرائيل في امتلاك الأرض وفي السطو عليها، وأن هذه الأرض تتعدى حدود فلسطين لتشمل ما يعرف بإسرائيل الكبرى. ولهذه الفكرة الدينية حضور في الخطاب السياسي الإسرائيلي يطفو على السطح أحيانا ويختفي أحيانا أخرى.
وأما فكرة أرض الميعاد فتقوم على الإيمان بان الله قد وعد إبراهيم ونسله بأرض كنعان كما هو منصوص عليه في سفر التكوين. اعتقاد أعادت الصهيونية تأويله ليكون حقا سياسيا رغم أن النص التوراتي يربط هذا الوعد بشرط الطاعة. وعد يرتبط في النصوص التوراتية بفكرة الخلاص من شر الشتات والمنفى. فإذا كان الشتات تعبيرا عن غضب الله على شعبه المختار بسبب المعصية، فإن العودة علامة على رضاه عليهم وفي ذلك الخلاص. والأهم من ذلك هو أن هذا الخلاص مقترن بظهور المسيح المنتظر . ذلك ما تقوله التوراة، ويأتي التأويل الصهيوني ليجعل العودة مشروعا سياسيا لا انتظارا إلهيا. ورغم الاعتراض على هذا التأويل من قبل بعض رجال الدين اليهود لما فيه من تحد بشري لله، فقد روجت الصهيونية لهذا المعتقد في صيغته العلمانية تماما كما روجت لمعتقد شعب الله المختار بصياغته في قالب فلسفي سياسي حديث يجعل من إسرائيل امتدادا للتحضر الغربي في بيئة بدائية بربرية، وامتدادا للديمقراطية الأمريكية في محيط غير ديمقراطي.
وأما الفكرة الرابعة من أفكار الصهيونية الدينية فهي الاعتقاد في أن صهيون أبعد من أن تكون مكانا لأنها مركز مقدس وهي موضع يحضر فيه الله ليكون بين شعبه ومعهم. والترجمة السياسية لهذا الاعتقاد لا تكون إلا بتأسيس دولة يهودية تبسط سيطرتها على القدس حيث يوجد الهيكل. وما مخطط تهويد القدس كلها وضم الشرقية منها وجعلها عاصمة للكيان إلا دليل على ذلك. ولا تقف آثار هذا الاعتقاد عند هذا الحد، لأنها تمتد نحو اعتقاد أخطر وأعمق وهو القول بأن العودة تعني أساسا إعادة بناء الهيكل وهذا يقتضي تدمير المسجد الأقصى تماما كما يذهب إلى ذلك تيار يميني متشدد يستند إليه نتنياهو ويقوي به وزنه السياسي ويجعله مسوغا للاستمرار في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين وفي حرب التوسع ضد كل جهة تناهض هذا المشروع وتقاومه بمفاهيم دينية أخرى تتأسس عليها المقاومة الفلسطينية ونظائرها اللبنانية واليمنية والعراقية والإيرانية أيضا.
تلك هي أبرز الأفكار والمفاهيم الفلسفية الدينية التي يتأسس عليها النموذج الأمريكي الصهيوني، وهي التي أضفت على هذه الحرب التي يخوضونها ضد إيران والمقاومة معنى وجوديا يتجاوز كل معنى سياسي او اقتصادي. ولنكون أكثر دقة، علينا أن نربط هذه الحرب الدائرة اليوم بالرد الأمريكي الصهيوني على حدث 07 أكتوبر 2023 حين انعقد الاجتماع في مكتب نتنياهو برئاسة جو بايدن وبحضور وزير حربه ووزير خارجيته واتخذ القرار بإبادة قطاع غزة كله والقضاء على كل جهة ساندت طوفان الأقصى. وقد كشفت تلك الحرب عن أعلى مستويات العنف وأبشع أنواعه. عنف ما كان ليبلغ تلك الدرجة القصوى من البشاعة لو لم يكن ناجما عن فكرة فلسفية دينية قادت إلى اعتبار كل فلسطيني مجرما، بل هم، في تصريح لأحد وزراء الاحتلال، حيوانات لا يستحقون الحياة. هنا يحدث ما يسمى في الفكر الحديث تسييس المطلق أي أن يكون الفعل السياسي تعبيرا عن الصراع بين الخير المطلق المتمثل في الذات وبين الشر المطلق المتمثل في الآخر . وقيمة هذا الصراع من هذا المنظور أنه امتداد لفكرة شعب الله المختار وهذا يغلق باب التفاوض وتكون الحرب حينئذ حرب وجود دائمة. في حين يقتضي العقل أن تكون السياسة فضاء تعدديا نهائي كما تقول حنة أرندت، لا ساحة خلاص. وإذا كان العنف في الفكر الحديث علامة على فشل السياسة لا ذروتها كما كان يعتقد سابقا، فهو ، من وجهة نظر أرندت دائما، يخلق قابلية التصعيد المستمر وهو ما لاحظناه جليا في الدمار الهائل الذي ألحقه الكيان الصهيوني بقطاع غزة والضاحية الجنوبية وكامل الجنوب اللبناني، وها هو يتجلى من جديد في طهران وفي مدن إيرانية أخرى. وإذا كان هذا النوع من العنف المقدس يلحق خرابا ودمارا بالإنسان والأرض على السواء فهو ، من منظور أرندت دائما، لا يؤسس شرعية وسوف يقضي عليها على المدى الطويل . شرعية بدأت تتآكل فعلا وعلامات ذلك ظاهرة في صرخات ملايين المتظاهرين ضد ترامب وضد نتنياهو، وفي المواقف السياسية للدول والأحزاب والشخصيات الاعتبارية في أوروبا وفي الولايات المتحدة خاصة.
وإذا تتبعنا هذا العقل السياسي الذي تعمل به الولايات المتحدة كما يعمل به الكيان الصهيوني، ونظرنا إليه من وجهات نظر الفلسفة السياسية، من جون لوك إلى جون رولز، وجدناه عقلا يعمل بخلاف ما نظّرت له تلك الفلسفة العقلانية، فإذا كانت الشرعية في فلسفاتهم تبنى على الرضا والمؤسسات والمساءلة، نرى أن الشرعية في الكيان الصهيوني كما في أمريكا باتت تبنى إما على قوة المال أو على فكرة دينية رسولية تجعل من الرئيس ومخططاته تنفيذا لوعد إلهي منصوص عليه في التوراة. وهذا ما جعل محاسبة الرئيس أو رئيس الوزراء أمرا يكاد يكون مستحيلا رغم وعي الناس بحجم الأخطاء والجرائم التي اقترفت في حق الفلسطينيين واللبنانيين وفي حق شعوب أخرى بمن فيها أطياف من الشعب الأمريكي.
إن هذه الرؤية التي بدأت تتضح أكثر فأكثر قرينة دالّة على الميل نحو تأبيد الصراع ضد النموذج المضاد وخلط السياسي بالديني على نحو يجعله فوق النقد. وهو ما يرسخ فكرة نهاية التاريخ بسيادة نموذج واحد وإلغاء كل نموذج آخر. ولعلّ تهديد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية أبرز دليل على ذلك. لقائل أن يقول إن هذه الرؤية لا تختلف في منطقها عن الرؤية التي يقدمها النموذج الإيراني في صيغته الإسلامية الشيعية، وهي الرؤية التي تعرضت على امتداد أربعة عقود إلى نقد كشف عن أسسها وتوسّع في تحليل المفاهيم والأفكار التي تقوم عليها مثل مفهوم ولاية الفقيه ومفهوم الشهادة ومفهوم الانتظار . بل إن بعض الباحثين في تاريخ الثورة الإيرانية وأسباب نجاحها من ذهب إلى أن تلك الثورة صناعة من صناعات الرأسمالية العالمية تم التخطيط لها للسيطرة على أسواق النفط. تأويل يسقط من حسابه كل أثر للعامل الثقافي، بوجهيه الديني والسياسي، في الإطاحة بأعتى حليف للرأسمالية العالمية في منطقة الشرق الأوسط، ويغفل عن الأسس الفكرية التي يقوم عليها النموذج الإيراني وهي التي جعلته نموذجا مختلفا نوعيا عن النموذج الأمريكي الصهيوني. وفي ما يلي بيان ذلك.
2. الأساس الفلسفي الديني للنموذج الإيراني:
لا يمكن اختزال النموذج الإيراني في مظهره السياسي لأنه نموذج ذو بنية عقائدية وتاريخية عميقة تشكلت منذ معركة كربلاء وتطورت شيئا فشيئا حتى اكتملت مع محمد باقر المجلسي في موسوعته الشهيرة " بحار الأنوار". ويمكن قراءة هذه البنية العقائدية التاريخية العميقة من خلال مفاهيم الشهادة والغيبة والانتظار وولاية الفقيه أولا، ومفاهيم الاستكبار والظلم ثانيا.
وقبل التطرق إلى هذه المفاهيم والنظر في دلالاتها وأثرها في العقل السياسي لدى الشيعة في لحظتها التاريخية الراهنة، يستحسن التذكير بالأساس النظري الذي وضعه الإمام جعفر الصادق لمعالجة قضايا السلطة والمعرفة، وهو الأساس الذي بفضله ينفصل النموذج الإيراني عن النموذج الأمريكي الصهيوني. وما دعانا إلى استحضار ذلك الأساس النظري سؤال ظل يشغلنا منذ عقدين أو أكثر وهو: لماذا كانت الحكومات في عالم الإسلام السني وأحزابه وتنظيماته مثل تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وداعش والكثير من أحزاب الإسلام السياسي ذات المرجعية الإخوانية، إلا القليل منها، متماهية مع النموذج الأمريكي الصهيوني في الوقت الذي كانت فيه أغلب الحركات الإسلامية ذات المرجعية الشيعية مضادة لذلك النموذج ومعادية له.؟ هل يعني ذلك فارقا في طبيعة العقل الذي يعمل به كل تيار منهما؟ وإن كان الأمر كذلك ففيم يكمن الفرق الجوهري بين العقل السياسي السني من جهة والعقل السياسي الشيعي من جهة أخرى؟
أسئلة يقتضي التفكير فيها استدعاء المراد تحديدا من عبارة " العقل السياسي" التي ابتكرها ريجيس دوبري، ولنا أن نلتقط ذلك من عنوان كتابه وهو critique de la raison politique ou l'inconscient religieux. في هذا العنوان كما نرى ما يشير إلى أن نقد العقل السياسي يعني بالضرورة كشفا عن اللاوعي الديني الكامن تحته، أي كشفا عن الأفكار والتصورات الدينية التي تحرك الفاعلين السياسيين وتدفعهم إلى ممارسات ومواقف بعينها.
يقتضي النظر في العقل السياسي، هنا أو هنالك، بحثا مستقلا ليس هذا أوانه، ونكتفي بالقول إن الفارق الرئيسي بين العقلين السياسيين، السني والشيعي، يعود أساسا إلى البنية التاريخية التي تشكّل فيها كلّ عقل سياسيّ. فقد تشكّل العقل السياسي الشيعي في سياق الثورة على السلطة حتى بات يرى في كل سلطة قائمة سلطة ظالمة غاصبة. في المقابل، تشكل العقل السياسي السني في سياق السلطة. وهذا هو ما أنتج التوتر التاريخي الدائم بين الاتجاهين، فمن نشأ في سياق الثورة والرفض تشكلت في لاوعيه الديني مشاعر الإحساس بالمظلومية والقهر وهو إذن مدعوّ أبدا إلى الكفاح لاسترداد حقّه المسلوب وإن كان ذلك يتطلّب التضحية بالنفس. أما من نشأ في حضن السلطة، وما تدرّه عليه من الثروة والنفوذ، فقد تشكّلت في لاوعيه الدينيّ مشاعر الإحساس بأنه خليفة الله في الأرض حقا وأن مصلحة الكون في صيانة هذا المنصب وعليه إذن أن يتصدّى بكلّ وسيلة لكلّ من يعترض عليه أو ينازعه عليه. والمستخلص من ذلك هو البنية التاريخية هي التي تنتج البنية العقائدية، وأنّ ثقافة السلطة تولّد بالضرورة قيما سياسيّة دنيويّة مثل المصلحة والمنفعة وما يقتضيه ذلك من قوّة، وأنّ ثقافة الثورة والمقاومة تولّد قيما أخلاقية دينيّة مثل الصبر والانتظار والتضحية بالنفس. ثقافتان متضادتان نلمس آثار كل واحدة منهما بوضوح في تاريخ التسنن من جهة وتاريخ التشيع من جهة أخرى. وإذا كانت القيم العليا في ثقافة السلطة قيما دنيوية مثل المصلحة والمنفعة، فإن القيم العليا في ثقافة المقاومة قيم أخلاقية روحانية تبلغ أقصاها في طلب الشهادة. هكذا قال الشهيد حسن نصر الله: نحن حين ننتصر ننتصر، وحين نستشهد ننتصر. وهكذا شاهدنا زعماء إيرانيين يلقون بأنفسهم في صلب المعركة دون تخفّ أو هروب من الموت. بل إن كلمة واحدة من كلمات الإمام القائد تكفي ليندفع الملايين إلى الموت. ومن منّا لا يذكر كلمة آية الله الخميني من منفاه في باريس إلى الشعب الإيراني، بعد أن أعلن الشاه حظر الجولان قائلا " تحدّوا حظر الجولان بإذن الله" فخرج الملايين إلى الشوارع متحدّين نيران الجيش؟ إن ثقافة كهذه لا يمكن أن تفهم الصراع في حدوده الدنيوية الجيوسياسية لأنها تنظر إليه على أنه صراع أخلاقي كونيّ من أجل معنى لا من أجل مصلحة، الاستشهاد من أجل المعنى لا يمكن أن يكون نهاية لأنه جسر عبور أو هو تحقق أعلى للمعنى تماما كما قال علي شريعتي عن الشهادة إنها فعل وعي واختيار أو هي احتجاج وجودي على الظلم. فلسفة تجعل هذا النموذج مستعصيا على الردع مندفعا أبدا إلى أقصى درجات الاحتجاج.
قد يوهم ذلك بأنه نموذج انفعالي لا وزن فيه للعقل، ولكن بنيته الفلسفية العميقة تثبت العكس تماما، وهي البنية التي زرعها جعفر الصادق أوّل مرّة متجاوزا أفق كربلاء المأساوي.، فالإمام الصادق لم يؤسس دولة ولا قاد ثورة، ونراه في المقابل أسس مجلس علم ضمّ كل من يطلب معرفة علمية أو دينية، وهو ما يعني أن كل مشروع إصلاحي يبدأ بإصلاح المعارف ولا يكون ذلك إلا بالانفتاح على كل علم وبالتدرّب على النقاش والحوار ، والإمامة في تجربته إمامة روحية معرفية تتعدى حدود السياسة إلى الأخلاق، والقائد مرشد هاد لا حاكما. تلك هي السمة الأولى الدالة على أن هذا النموذج أعمق من أن يكون مبنيا على العواطف والانفعالات، أما سمته الجعفرية الثانية فهي أنه مبنيّ على الصبر بما هو استراتيجية عقلانية وهو ما يجعله نموذجا يعمل بتأنّ ولا يبادر إلى التصادم مع العدوّ مباشرة قصد الحفاظ على وجود الجماعة الدينية، ولا يعدّ هذا الصبر علامة ضعف لأنه في العمق علامة تعقّل، فإذا تعرّض وجود الجماعة إلى خطر يهدّده اندفعت بكلّ ما في أعماقها من تمثلات لمعاني الحق والباطل والخير والشر والمستضعف والمستكبر.
إذا فكرنا في هذه الحرب من زاوية فلسفية تتجاوز مختلف أبعادها التي سبق أن تعرضنا إليها في المقال السابق، نجد أنفسنا ملزمين بالحفر عميقا بحثا عما تحتها من مفاهيم فلسفية دينية نعتقد أنها المحرك الأساسي لذلك الصراع على المعنى الذي أوضحنا ملامحه الكبرى. ولتحقيق هذا الهدف ارتأينا أن ننظر في المفاهيم الفلسفية الدينية التي يتأسس عليها النموذجان المتصارعان الآن وهما النموذج الأمريكي الصهيوني من ناحية والنموذج الإيراني الشيعي من ناحية أخرى.
1. الأساس الفلسفي الديني للنموذج الأمريكي الصهيوني:
نحتاج، لفهم الأساس الفلسفي الديني الذي ينبني عليه النموذج الأمريكي الصهيوني، إلى الإحاطة بأبرز المفاهيم والأفكار الإنجيلية واليهودية الكامنة في الخطاب السياسي الحاف بهذا الصراع منذ أربعة عقود. ونحتاج قبل ذلك إلى ملاحظة انتروبولوجية حول الولادة المتشابهة لهذين الكيانين. أي الولايات المتحدة وإسرائيل، فكلاهما نشأ في أعقاب هجرات جماعية من مختلف أنحاء أوروبا نحو أرض لها أصحابها ولهم فيها تاريخ وحضارة عريقة. أما الولايات المتحدة فهي كيان لا يخفى على أحد أنه من إنشاء جماعات بشرية وصفها تزفيتان تودوروف في كتابه (La conquete de l'Amérique: La question (de l'Autre بجماعات اللصوص، وتوسع في الكشف عن توحشها وعن تعجرفها وما ترتب على ذلك إبادة لسكان أمريكا الأصليين وتدمير حضارتهم. والأمر نفسه ينطبق على نشأة الكيان الصهيوني، فهي تعود إلى هجرات جماعية من مختلف أنحاء أوروبا نحو أرض فلسطين أدت إلى تهجير أصحابها وتدمير أجزاء واسعة من حضارتهم فيها وإقامة مستوطنات ما فتئت تتوسع من عقد إلى آخر حتى أتت على أغلب الأرض الفلسطينية.
ولا يمكن لمثل هذه النشأة اللصوصية أن تتحول لتصبح دولة - أمة إلا بجهاز إيديولوجي، فلسفي ديني، يضفي على اللصوصية معنى وجوديا، وينقلها من حالة التوحش والبربرية إلى حالة التمدن والتحضر، بل وينمي الاعتقاد لدى أفرادها في أنهم رمز التحضر وفي أن أصحاب الأرض الأصليين متوحشون وهمج. وهذا ما يظهر بوضوح في الاعتقاد الإنجيلي المرافق للرأسمالية الأمريكية وفي الاعتقاد اليهودي الذي يتأسس عليه الكيان الصهيوني.
1.1. المفاهيم والأفكار الإنجيلية الأمريكية:
تعد الصهيونية المسيحية تيارا فكريا واسع الانتشار في الولايات المتحدة، وله تأويل خاص للإنجيل أدّى إلى ترسيخ اعتقاد في أذهان فئات واسعة، ألا وهو أن قيام "دولة إسرائيل" تحقيق لنبوءة دينية وأن دعمها واجب ديني.، وهذا ما يجعل السياسة جزءا من خطة إلهية. هكذا فكر ترامب وهو محاط بعدد من رجال الدين يدعون له بالنصر ويغرسون في ذهنه فكرة كونه رجلا اختاره الله لتحقيق النبوءة. ولا يستبعد أن يكون هو نفسه مؤمنا بذلك خصوصا أنه أظهر في بعض ممارساته ما يوهم بأنه رجل دين كأن يبارك أحدهم بلمسة من يده على رأسه أو أن يعلن نفسه المخلّص الذي نص عليه الكتاب المقدس فضلا عن كونه صاحب الاتفاقيات الإبراهيمية التي أعلن عنها واعتبرها مشروعا يصلح لإنهاء الصراع وإحلال السلام.
يضاف إلى هذه العقيدة الصهيونية المسيحية اعتقاد إنجيلي آخر يرى في صراعات الشرق الأوسط مقدمات لنهاية الزمان، وأن عودة المسيح المخلّص مرتبطة بمثل هذه الحروب. وبهذين المعتقدين يحصل الاستعداد لدعم كل تصعيد سياسي يقود إلى إعلان الحرب والانخراط فيها بكل قوة، فالحرب من هذا المنطلق لا ينظر إليها على أنها خطر على الإنسان لأنها في الاعتقاد الإنجيلي جزء من الخلاص. ولهذه المعتقدات الدينية ترجمة فكرية سياسية نلمحها لدى جون وينثروب وهو يقدم الولايات المتحدة في صورة الدولة الرسالية وأن رسالتها رسالة عالمية لنشر قيم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. هنا تحديدا تختفي المسافة الفاصلة بين الأخلاق والسياسة وتصبح الأخلاق وقودا يغذي الفعل السياسي ويوجهه نحو هدف واحد وهو سيادة النموذج الأمريكي وطمس كل نموذج يضاده. قد تكون هذه الفكرة السياسية أقل تأثيرا في سياسات ترامب مقارنة بسياسات من كان قبله أمثال بوش الأب وبوش الابن في الحرب على العراق سنة 1991 ثم سنة 2003، وهذا يعني تراجعا واضحا للديمقراطية الليبرالية وصعودا كاسحا لليبرالية الجديدة العارية من كل قيمة أخلاقية أو سياسية ولا وزن فيها إلا للإثراء بكل وجه ممكن. وقد بلغت هذه النزعة الإنجيلية أقصاها في الخطاب السياسي الأمريكي خصوصا بعد أحداث 07 أكتوبر 2023، ويتجلى ذلك واضحا في ميل عدد من الشخصيات السياسية البارزة،أمثال نائب الرئيس ورئيس مجلس النواب ومستشارة الرئيس وغيرهم، إلى تطعيم خطاباتهم بآيات من الإنجيل لإضفاء الطابع القدسي على خطابهم السياسي خصوصا إذا تعلق بقضايا تهم الكيان الصهيوني في علاقته بجبهة المقاومة. والأمر نفسه في الخطاب السياسي الصهيوني ممثلا في شخصية نتنياهو.
2.1. المفاهيم والأفكار اليهودية الصهيونية:
جرت العادة أن ننظر إلى الصهيونية على أنها ذراع الامبريالية الامريكية في الشرق الأوسط، وهو ما يعني الربط بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ربطا سياسيا اقتصاديا. ولكن ذلك لا ينكشف جليا حتى نجري تفاعلا بين الأفكار الدينية الإنجيلية المشار إليها أعلاه والأفكار الدينية الصهيونية التي تقود العقل السياسي الإسرائيلي وهي باختصار الاعتقاد في أن اليهود هم شعب الله المختار، وأن أرض فلسطين هي أرض الميعاد، وأن العودة تعني الخلاص وأن صهيون مركز ديني مقدس وأن إعادة بناء الهيكل واجب ديني وعلى العائدين إلى أرض الميعاد إنجازه. أما فكرة شعب الله المختار فهي فكرة توراتية لا يفهم منها أن اليهود شعب اصطفاه الله وخيره على غيره من الشعوب فحسب بل يفهم منها تحديدا أن اختيارهم يستدعي لهم حقا تاريخيا في الأرض، ويترتب على ذلك الإيمان بحق بني إسرائيل في امتلاك الأرض وفي السطو عليها، وأن هذه الأرض تتعدى حدود فلسطين لتشمل ما يعرف بإسرائيل الكبرى. ولهذه الفكرة الدينية حضور في الخطاب السياسي الإسرائيلي يطفو على السطح أحيانا ويختفي أحيانا أخرى.
وأما فكرة أرض الميعاد فتقوم على الإيمان بان الله قد وعد إبراهيم ونسله بأرض كنعان كما هو منصوص عليه في سفر التكوين. اعتقاد أعادت الصهيونية تأويله ليكون حقا سياسيا رغم أن النص التوراتي يربط هذا الوعد بشرط الطاعة. وعد يرتبط في النصوص التوراتية بفكرة الخلاص من شر الشتات والمنفى. فإذا كان الشتات تعبيرا عن غضب الله على شعبه المختار بسبب المعصية، فإن العودة علامة على رضاه عليهم وفي ذلك الخلاص. والأهم من ذلك هو أن هذا الخلاص مقترن بظهور المسيح المنتظر . ذلك ما تقوله التوراة، ويأتي التأويل الصهيوني ليجعل العودة مشروعا سياسيا لا انتظارا إلهيا. ورغم الاعتراض على هذا التأويل من قبل بعض رجال الدين اليهود لما فيه من تحد بشري لله، فقد روجت الصهيونية لهذا المعتقد في صيغته العلمانية تماما كما روجت لمعتقد شعب الله المختار بصياغته في قالب فلسفي سياسي حديث يجعل من إسرائيل امتدادا للتحضر الغربي في بيئة بدائية بربرية، وامتدادا للديمقراطية الأمريكية في محيط غير ديمقراطي.
وأما الفكرة الرابعة من أفكار الصهيونية الدينية فهي الاعتقاد في أن صهيون أبعد من أن تكون مكانا لأنها مركز مقدس وهي موضع يحضر فيه الله ليكون بين شعبه ومعهم. والترجمة السياسية لهذا الاعتقاد لا تكون إلا بتأسيس دولة يهودية تبسط سيطرتها على القدس حيث يوجد الهيكل. وما مخطط تهويد القدس كلها وضم الشرقية منها وجعلها عاصمة للكيان إلا دليل على ذلك. ولا تقف آثار هذا الاعتقاد عند هذا الحد، لأنها تمتد نحو اعتقاد أخطر وأعمق وهو القول بأن العودة تعني أساسا إعادة بناء الهيكل وهذا يقتضي تدمير المسجد الأقصى تماما كما يذهب إلى ذلك تيار يميني متشدد يستند إليه نتنياهو ويقوي به وزنه السياسي ويجعله مسوغا للاستمرار في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين وفي حرب التوسع ضد كل جهة تناهض هذا المشروع وتقاومه بمفاهيم دينية أخرى تتأسس عليها المقاومة الفلسطينية ونظائرها اللبنانية واليمنية والعراقية والإيرانية أيضا.
تلك هي أبرز الأفكار والمفاهيم الفلسفية الدينية التي يتأسس عليها النموذج الأمريكي الصهيوني، وهي التي أضفت على هذه الحرب التي يخوضونها ضد إيران والمقاومة معنى وجوديا يتجاوز كل معنى سياسي او اقتصادي. ولنكون أكثر دقة، علينا أن نربط هذه الحرب الدائرة اليوم بالرد الأمريكي الصهيوني على حدث 07 أكتوبر 2023 حين انعقد الاجتماع في مكتب نتنياهو برئاسة جو بايدن وبحضور وزير حربه ووزير خارجيته واتخذ القرار بإبادة قطاع غزة كله والقضاء على كل جهة ساندت طوفان الأقصى. وقد كشفت تلك الحرب عن أعلى مستويات العنف وأبشع أنواعه. عنف ما كان ليبلغ تلك الدرجة القصوى من البشاعة لو لم يكن ناجما عن فكرة فلسفية دينية قادت إلى اعتبار كل فلسطيني مجرما، بل هم، في تصريح لأحد وزراء الاحتلال، حيوانات لا يستحقون الحياة. هنا يحدث ما يسمى في الفكر الحديث تسييس المطلق أي أن يكون الفعل السياسي تعبيرا عن الصراع بين الخير المطلق المتمثل في الذات وبين الشر المطلق المتمثل في الآخر . وقيمة هذا الصراع من هذا المنظور أنه امتداد لفكرة شعب الله المختار وهذا يغلق باب التفاوض وتكون الحرب حينئذ حرب وجود دائمة. في حين يقتضي العقل أن تكون السياسة فضاء تعدديا نهائي كما تقول حنة أرندت، لا ساحة خلاص. وإذا كان العنف في الفكر الحديث علامة على فشل السياسة لا ذروتها كما كان يعتقد سابقا، فهو ، من وجهة نظر أرندت دائما، يخلق قابلية التصعيد المستمر وهو ما لاحظناه جليا في الدمار الهائل الذي ألحقه الكيان الصهيوني بقطاع غزة والضاحية الجنوبية وكامل الجنوب اللبناني، وها هو يتجلى من جديد في طهران وفي مدن إيرانية أخرى. وإذا كان هذا النوع من العنف المقدس يلحق خرابا ودمارا بالإنسان والأرض على السواء فهو ، من منظور أرندت دائما، لا يؤسس شرعية وسوف يقضي عليها على المدى الطويل . شرعية بدأت تتآكل فعلا وعلامات ذلك ظاهرة في صرخات ملايين المتظاهرين ضد ترامب وضد نتنياهو، وفي المواقف السياسية للدول والأحزاب والشخصيات الاعتبارية في أوروبا وفي الولايات المتحدة خاصة.
وإذا تتبعنا هذا العقل السياسي الذي تعمل به الولايات المتحدة كما يعمل به الكيان الصهيوني، ونظرنا إليه من وجهات نظر الفلسفة السياسية، من جون لوك إلى جون رولز، وجدناه عقلا يعمل بخلاف ما نظّرت له تلك الفلسفة العقلانية، فإذا كانت الشرعية في فلسفاتهم تبنى على الرضا والمؤسسات والمساءلة، نرى أن الشرعية في الكيان الصهيوني كما في أمريكا باتت تبنى إما على قوة المال أو على فكرة دينية رسولية تجعل من الرئيس ومخططاته تنفيذا لوعد إلهي منصوص عليه في التوراة. وهذا ما جعل محاسبة الرئيس أو رئيس الوزراء أمرا يكاد يكون مستحيلا رغم وعي الناس بحجم الأخطاء والجرائم التي اقترفت في حق الفلسطينيين واللبنانيين وفي حق شعوب أخرى بمن فيها أطياف من الشعب الأمريكي.
إن هذه الرؤية التي بدأت تتضح أكثر فأكثر قرينة دالّة على الميل نحو تأبيد الصراع ضد النموذج المضاد وخلط السياسي بالديني على نحو يجعله فوق النقد. وهو ما يرسخ فكرة نهاية التاريخ بسيادة نموذج واحد وإلغاء كل نموذج آخر. ولعلّ تهديد ترامب بمحو الحضارة الإيرانية أبرز دليل على ذلك. لقائل أن يقول إن هذه الرؤية لا تختلف في منطقها عن الرؤية التي يقدمها النموذج الإيراني في صيغته الإسلامية الشيعية، وهي الرؤية التي تعرضت على امتداد أربعة عقود إلى نقد كشف عن أسسها وتوسّع في تحليل المفاهيم والأفكار التي تقوم عليها مثل مفهوم ولاية الفقيه ومفهوم الشهادة ومفهوم الانتظار . بل إن بعض الباحثين في تاريخ الثورة الإيرانية وأسباب نجاحها من ذهب إلى أن تلك الثورة صناعة من صناعات الرأسمالية العالمية تم التخطيط لها للسيطرة على أسواق النفط. تأويل يسقط من حسابه كل أثر للعامل الثقافي، بوجهيه الديني والسياسي، في الإطاحة بأعتى حليف للرأسمالية العالمية في منطقة الشرق الأوسط، ويغفل عن الأسس الفكرية التي يقوم عليها النموذج الإيراني وهي التي جعلته نموذجا مختلفا نوعيا عن النموذج الأمريكي الصهيوني. وفي ما يلي بيان ذلك.
2. الأساس الفلسفي الديني للنموذج الإيراني:
لا يمكن اختزال النموذج الإيراني في مظهره السياسي لأنه نموذج ذو بنية عقائدية وتاريخية عميقة تشكلت منذ معركة كربلاء وتطورت شيئا فشيئا حتى اكتملت مع محمد باقر المجلسي في موسوعته الشهيرة " بحار الأنوار". ويمكن قراءة هذه البنية العقائدية التاريخية العميقة من خلال مفاهيم الشهادة والغيبة والانتظار وولاية الفقيه أولا، ومفاهيم الاستكبار والظلم ثانيا.
وقبل التطرق إلى هذه المفاهيم والنظر في دلالاتها وأثرها في العقل السياسي لدى الشيعة في لحظتها التاريخية الراهنة، يستحسن التذكير بالأساس النظري الذي وضعه الإمام جعفر الصادق لمعالجة قضايا السلطة والمعرفة، وهو الأساس الذي بفضله ينفصل النموذج الإيراني عن النموذج الأمريكي الصهيوني. وما دعانا إلى استحضار ذلك الأساس النظري سؤال ظل يشغلنا منذ عقدين أو أكثر وهو: لماذا كانت الحكومات في عالم الإسلام السني وأحزابه وتنظيماته مثل تنظيم القاعدة وجبهة النصرة وداعش والكثير من أحزاب الإسلام السياسي ذات المرجعية الإخوانية، إلا القليل منها، متماهية مع النموذج الأمريكي الصهيوني في الوقت الذي كانت فيه أغلب الحركات الإسلامية ذات المرجعية الشيعية مضادة لذلك النموذج ومعادية له.؟ هل يعني ذلك فارقا في طبيعة العقل الذي يعمل به كل تيار منهما؟ وإن كان الأمر كذلك ففيم يكمن الفرق الجوهري بين العقل السياسي السني من جهة والعقل السياسي الشيعي من جهة أخرى؟
أسئلة يقتضي التفكير فيها استدعاء المراد تحديدا من عبارة " العقل السياسي" التي ابتكرها ريجيس دوبري، ولنا أن نلتقط ذلك من عنوان كتابه وهو critique de la raison politique ou l'inconscient religieux. في هذا العنوان كما نرى ما يشير إلى أن نقد العقل السياسي يعني بالضرورة كشفا عن اللاوعي الديني الكامن تحته، أي كشفا عن الأفكار والتصورات الدينية التي تحرك الفاعلين السياسيين وتدفعهم إلى ممارسات ومواقف بعينها.
يقتضي النظر في العقل السياسي، هنا أو هنالك، بحثا مستقلا ليس هذا أوانه، ونكتفي بالقول إن الفارق الرئيسي بين العقلين السياسيين، السني والشيعي، يعود أساسا إلى البنية التاريخية التي تشكّل فيها كلّ عقل سياسيّ. فقد تشكّل العقل السياسي الشيعي في سياق الثورة على السلطة حتى بات يرى في كل سلطة قائمة سلطة ظالمة غاصبة. في المقابل، تشكل العقل السياسي السني في سياق السلطة. وهذا هو ما أنتج التوتر التاريخي الدائم بين الاتجاهين، فمن نشأ في سياق الثورة والرفض تشكلت في لاوعيه الديني مشاعر الإحساس بالمظلومية والقهر وهو إذن مدعوّ أبدا إلى الكفاح لاسترداد حقّه المسلوب وإن كان ذلك يتطلّب التضحية بالنفس. أما من نشأ في حضن السلطة، وما تدرّه عليه من الثروة والنفوذ، فقد تشكّلت في لاوعيه الدينيّ مشاعر الإحساس بأنه خليفة الله في الأرض حقا وأن مصلحة الكون في صيانة هذا المنصب وعليه إذن أن يتصدّى بكلّ وسيلة لكلّ من يعترض عليه أو ينازعه عليه. والمستخلص من ذلك هو البنية التاريخية هي التي تنتج البنية العقائدية، وأنّ ثقافة السلطة تولّد بالضرورة قيما سياسيّة دنيويّة مثل المصلحة والمنفعة وما يقتضيه ذلك من قوّة، وأنّ ثقافة الثورة والمقاومة تولّد قيما أخلاقية دينيّة مثل الصبر والانتظار والتضحية بالنفس. ثقافتان متضادتان نلمس آثار كل واحدة منهما بوضوح في تاريخ التسنن من جهة وتاريخ التشيع من جهة أخرى. وإذا كانت القيم العليا في ثقافة السلطة قيما دنيوية مثل المصلحة والمنفعة، فإن القيم العليا في ثقافة المقاومة قيم أخلاقية روحانية تبلغ أقصاها في طلب الشهادة. هكذا قال الشهيد حسن نصر الله: نحن حين ننتصر ننتصر، وحين نستشهد ننتصر. وهكذا شاهدنا زعماء إيرانيين يلقون بأنفسهم في صلب المعركة دون تخفّ أو هروب من الموت. بل إن كلمة واحدة من كلمات الإمام القائد تكفي ليندفع الملايين إلى الموت. ومن منّا لا يذكر كلمة آية الله الخميني من منفاه في باريس إلى الشعب الإيراني، بعد أن أعلن الشاه حظر الجولان قائلا " تحدّوا حظر الجولان بإذن الله" فخرج الملايين إلى الشوارع متحدّين نيران الجيش؟ إن ثقافة كهذه لا يمكن أن تفهم الصراع في حدوده الدنيوية الجيوسياسية لأنها تنظر إليه على أنه صراع أخلاقي كونيّ من أجل معنى لا من أجل مصلحة، الاستشهاد من أجل المعنى لا يمكن أن يكون نهاية لأنه جسر عبور أو هو تحقق أعلى للمعنى تماما كما قال علي شريعتي عن الشهادة إنها فعل وعي واختيار أو هي احتجاج وجودي على الظلم. فلسفة تجعل هذا النموذج مستعصيا على الردع مندفعا أبدا إلى أقصى درجات الاحتجاج.
قد يوهم ذلك بأنه نموذج انفعالي لا وزن فيه للعقل، ولكن بنيته الفلسفية العميقة تثبت العكس تماما، وهي البنية التي زرعها جعفر الصادق أوّل مرّة متجاوزا أفق كربلاء المأساوي.، فالإمام الصادق لم يؤسس دولة ولا قاد ثورة، ونراه في المقابل أسس مجلس علم ضمّ كل من يطلب معرفة علمية أو دينية، وهو ما يعني أن كل مشروع إصلاحي يبدأ بإصلاح المعارف ولا يكون ذلك إلا بالانفتاح على كل علم وبالتدرّب على النقاش والحوار ، والإمامة في تجربته إمامة روحية معرفية تتعدى حدود السياسة إلى الأخلاق، والقائد مرشد هاد لا حاكما. تلك هي السمة الأولى الدالة على أن هذا النموذج أعمق من أن يكون مبنيا على العواطف والانفعالات، أما سمته الجعفرية الثانية فهي أنه مبنيّ على الصبر بما هو استراتيجية عقلانية وهو ما يجعله نموذجا يعمل بتأنّ ولا يبادر إلى التصادم مع العدوّ مباشرة قصد الحفاظ على وجود الجماعة الدينية، ولا يعدّ هذا الصبر علامة ضعف لأنه في العمق علامة تعقّل، فإذا تعرّض وجود الجماعة إلى خطر يهدّده اندفعت بكلّ ما في أعماقها من تمثلات لمعاني الحق والباطل والخير والشر والمستضعف والمستكبر.