الصراع الأسري وإرادة السيطرة: مقاربة في ضوء مقولات نظرية باريتو

في المقولات النظرية، عند الانتقال إلى تصور باريتو للصراع الاجتماعي، نغادر الإطار التفسيري الأحادي الذي تمثله الحتمية الاقتصادية عند ماركس، لنلج إلى أفق أكثر تركيباً تتداخل فيه الأبعاد النفسية مع البنية الاجتماعية في تفسير ديناميات السلطة والتغير. فالصراع عند باريتو لا يختزل في تناقض المصالح المادية بين الطبقات، بل يتجذر في الطبيعة الإنسانية ذاتها، حيث تتقاطع الدوافع الغريزية مع أنماط التنظيم الاجتماعي لتُنتج بنية قائمة على التنافس المستمر.

ينطلق باريتو من مسلمة أساسية مفادها أن المجتمع لا يعرف حالة توازن نهائي، بل يعيش في حالة توتر دائم، تحركه صراعات غير مرئية بالضرورة، تتمحور أساساً حول السيطرة والنفوذ. غير أن هذه الصراعات لا تدار فقط بين طبقات اقتصادية، بل بين نخب تتداول مواقع القوة داخل البناء الاجتماعي.

فالمجتمع، في تصوره، ينقسم إلى ثلاث فئات كبرى: نخبة حاكمة تحتكر أدوات السلطة، ونخبة غير حاكمة تسعى إلى اختراق هذا الاحتكار، وكتلة واسعة من العامة تظل في موقع التلقي والتأثر أكثر من الفعل.

ضمن هذا الإطار، تتبلور فكرة " تداول النخب " بوصفها القانون الحاكم للتاريخ الاجتماعي. فالتاريخ، عند باريتو، ليس مساراً خطياً للتقدم، ولا تعبيراً عن حتمية ثورية، بل هو سلسلة من عمليات الإحلال والاستبدال بين نخب تصعد وأخرى تتآكل. وتتم هذه العملية عبر آليات معقدة، قد تتخذ شكل العنف المباشر، أو المناورة الرمزية، أو إعادة تشكيل الشرعية. وهنا تتبدى ديناميكية السلطة بوصفها عملية مرنة، تتجاوز الانقلابات الحادة لتشمل أيضاً أشكالاً ناعمة من التحول.

غير أن الإسهام الأعمق لباريتو يتجلى في تمييزه بين " الرواسب " و" المشتقات "، وهو تمييز يكشف عن نقد جذري للعقلانية الإنسانية. فالرواسب تمثل البنية العميقة للدوافع الإنسانية، أي تلك الميول شبه الثابتة التي تحرك السلوك، مثل النزوع إلى الهيمنة أو الحاجة إلى الاستقرار. أما " المشتقات "، فهي الخطابات التبريرية التي يصوغها الأفراد والجماعات لإضفاء طابع منطقي أو أخلاقي على أفعالهم. وبهذا المعنى، فإن الفكر لا يسبق الفعل، بل يتبعه، إذ يأتي كأداة لتبرير ما تمليه الدوافع اللاواعية، لا لتوجيهه.

وفي سياق تحليله لبنية النخبة، يقدم باريتو ثنائية دالة بين " نخبة الثعالب " و" نخبة الأسود ". فالأولى تعتمد على الدهاء، والمرونة، والقدرة على التلاعب بالرموز والخطابات، بينما تستند الثانية إلى القوة، والانضباط، والتمسك بالتقاليد. ولا يكمن استقرار النظام الاجتماعي في هيمنة أحد النمطين، بل في التوازن الدقيق بينهما، إذ إن طغيان " الثعالب " يقود إلى التفكك، في حين أن سيطرة " الأسود " المفرطة تفضي إلى الجمود والانغلاق.

منهجياً، يعكس مشروع باريتو نزوعاً تركيبياً، حيث يزاوج بين تحليل البنى الاجتماعية وتحليل الدوافع النفسية، في محاولة لتجاوز الاختزالات السوسيولوجية الصارمة. وهو، في هذا السياق، يرفض الافتراض الكلاسيكي الذي يرى في الإنسان كائناً عقلانياً بالكامل، ليؤكد بدلاً من ذلك أن السلوك الإنساني محكوم بمنطق غير عقلاني في جوهره، وأن العقل لا يؤدي سوى وظيفة تبريرية لاحقة.

بناءً على ذلك، تتشكل رؤية باريتو للواقع الاجتماعي بوصفه فضاء غير مستقر، تديره صراعات خفية بين نخب تتنافس على إعادة إنتاج السيطرة. والتغير، في هذا الإطار، لا يحدث بالضرورة عبر القطيعة الثورية الشاملة، بل غالباً ما يتحقق من خلال إعادة توزيع مواقع القوة داخل البنية نفسها. وهكذا، يغدو التاريخ عند باريتو تاريخاً لتداول النخب أكثر مما هو تاريخ لتحرر الجماهير، وتتحول السلطة إلى ظاهرة ديناميكية تتجدد عبر التبدل المستمر في الفاعلين، لا عبر تحول جذري في القواعد.

- توظيف المقولات النظرية في الصراع على السلطة الأسرية: تتمثل إحدى الإشكاليات الاجتماعية الدقيقة داخل الأسرة في الصراع على مركز القيادة واتخاذ القرار بين الزوجين، حيث لا يظهر هذا الصراع دائماً في صورة مباشرة أو معلنة، بل يتخذ أشكالاً ضمنية تتخفى خلف خطاب عقلاني وأخلاقي. فالعلاقة الزوجية، التي يفترض أن تقوم على التوافق والتكامل، تتحول في كثير من الحالات إلى مجال تنافس خفي حول من يمتلك سلطة التوجيه والحسم داخل الوحدة الأسرية.

التطبيق... من منظور باريتو، لا يمكن اختزال هذا الصراع في كونه خلافاً عرضياً حول قضايا يومية، بل هو تعبير عن صراع على النفوذ داخل بنية اجتماعية مصغرة. إذ يميل أحد الطرفين إلى ترسيخ موقعه بوصفه مركز القرار، في حين يسعى الطرف الآخر إلى إعادة توزيع هذا النفوذ أو مقاومته. وهنا لا يكون التوتر ناتجاً عن موضوع الخلاف ذاته، بل عن الرهان الكامن خلفه: من يقود؟ ومن يحدد مسار الأسرة؟

يتعمق هذا الفهم عند استحضار مفهوم " الرواسب " لدى باريتو، حيث تكشف هذه الصراعات عن دوافع نفسية عميقة لا تعبر عنها بشكل صريح، فقد يحمل أحد الزوجين نزوعاً داخلياً نحو السيطرة والتنظيم، بينما يميل الآخر إلى الاستقلال أو رفض الهيمنة. غير أن هذه الدوافع لا تظهر في صورتها الخام، بل تعاد صياغتها عبر ما يسميه باريتو " المشتقات "، أي الخطابات التبريرية التي تضفي على السلوك طابعاً عقلانياً أو أخلاقياً. فتتحول عبارات مثل: " أنا أبحث عن مصلحة الأسرة " أو " أنت لا تتحمل المسؤولية " إلى أدوات رمزية تستخدم لإضفاء الشرعية على مواقف نابعة في جوهرها من صراع على السلطة.

كما يمكن قراءة هذا الصراع من خلال ثنائية " الثعالب " و " الأسود "، حيث قد يلجأ أحد الزوجين إلى المرونة والإقناع والمناورة في إدارة العلاقة، بينما يعتمد الآخر على الحزم وفرض الرأي بوصفه وسيلة لضبط التوازن. ولا يؤدي اختلاف هذه الأساليب إلى إنهاء الصراع، بل يعيد إنتاجه في أشكال متجددة، تتغير فيها موازين القوة بمرور الوقت.

وفي هذا السياق، يظهر ما يشبه " تداولاً للسلطة " داخل الأسرة، إذ لا تبقى الهيمنة ثابتة لطرف واحد، بل قد تنتقل بصورة ظرفية تبعاً لتغير الموارد أو الأدوار أو الظروف. إلا أن هذا التداول لا يعني بالضرورة تحقيق توازن عادل، بل يعكس استمرار دينامية الصراع في صورة أكثر مرونة وأقل صدامية.

وعليه، فإن الصراع الأسري بين الزوجين، في ضوء تصور باريتو، لا يفهم بوصفه خللاً طارئاً يمكن تجاوزه بسهولة، بل كجزء من بنية اجتماعية ونفسية أعمق، تتداخل فيها الرغبة في الهيمنة مع الحاجة إلى الاستقرار، وتعاد صياغتها عبر خطاب يبدو عقلانياً بينما يخفي في جوهره تنافساً مستمراً على مراكز القوة داخل الحياة اليومية.

خلاصة القول: إن الصراع بين الزوجين على القيادة ليس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل هو صراع رمزي على السلطة، تحركه دوافع نفسية عميقة، وتغلفه تبريرات عقلانية، ويخضع لمنطق تداول النفوذ داخل أصغر وحدة اجتماعية: الأسرة.

--------------------------------------------------​
د. حسام الدين فياض / باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى