فتح بين معركة المواقع وأزمة المشروع الوطني

فتح بين معركة المواقع وأزمة المشروع الوطني

قراءة استراتيجية في تحديات المؤتمر الثامن ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تعيش حركة التحرير الوطني الفلسطيني – فتح مرحلة مفصلية تُعد من أخطر المراحل التي مرت بها منذ انطلاقتها، في ظل تعقيدات المشهد الفلسطيني، وتصاعد التحديات الوطنية، وتراجع قدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواكبة التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة. وفي خضم التحضير للمؤتمر الثامن للحركة، تتصاعد حالة الجدل الداخلي بصورة تكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلافات تنظيمية أو تنافس انتخابي، لتلامس جوهر المشروع الوطني ودور الحركة التاريخي في قيادة الشعب الفلسطيني.

إن الأزمة الراهنة داخل فتح لا تتعلق فقط بملف العضوية أو آليات التمثيل أو تشكيل اللجنة التحضيرية، بل تكمن في التحول التدريجي من ثقافة العمل الوطني الجماعي إلى حالة من الاستقطاب المرتبط بالمواقع والنفوذ وموازين القوى الداخلية. وهذا التحول يحمل في طياته خطراً حقيقياً على بنية الحركة ودورها السياسي، لأنه ينقل الصراع من ساحة البرامج والرؤى إلى ساحة المصالح الشخصية والحسابات الفئوية.

لقد تأسست فتح كحركة تحرر وطني تحمل مشروعاً سياسياً ونضالياً جامعاً، واستندت في ميثاقها ونظامها الداخلي إلى مبادئ الوحدة الوطنية، والتضحية، والانتماء لفلسطين باعتبارها القضية المركزية. ولذلك فإن أي انحراف عن هذه المبادئ لصالح عقلية المحاصصة أو الاستثمار التنظيمي يشكل تهديداً مباشراً لروح الحركة وهويتها الكفاحية.

وما يثير القلق أن النقاشات الدائرة حول المؤتمر الثامن تكاد تنحصر في سؤال: من يربح؟ ومن يخسر؟ ومن يسيطر على المواقع القيادية؟ بينما يغيب السؤال الأكثر أهمية: ما هو البرنامج السياسي والتنظيمي الذي تحتاجه فتح لمواجهة المرحلة المقبلة؟ وكيف يمكن للحركة أن تستعيد ثقة الشارع الفلسطيني في ظل حالة الإحباط الشعبي وتراجع الأداء المؤسسي؟

إن المرحلة الراهنة تفرض على فتح مراجعة شاملة تتجاوز الحسابات الشخصية، خاصة في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من تحديات وجودية، بدءاً من الحرب الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الضم والاستيطان في الضفة الغربية، وصولاً إلى محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي الفلسطيني والإقليمي بما يهدد الحقوق الوطنية الفلسطينية.

وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح من غير المقبول أن تتحول الحركة إلى ساحة صراع داخلي على الكراسي والمواقع، فيما المشروع الوطني بأسره يواجه مخاطر غير مسبوقة. فالمؤتمر الثامن يجب أن يكون محطة لإعادة بناء الرؤية الوطنية والتنظيمية، لا مناسبة لإعادة إنتاج مراكز النفوذ أو تكريس الانقسام الداخلي.

ومن هنا، فإن المطالب المتزايدة داخل الشارع الفتحاوي بشأن إعادة هيكلة ملف العضوية تستحق التوقف بجدية ومسؤولية. إذ إن العدالة التنظيمية والشفافية في اعتماد العضوية تمثلان حجر الأساس في أي عملية انتخابية نزيهة، خاصة مع وجود كوادر تاريخية وكفاءات وطنية تشعر بأنها جرى تهميشها أو استبعادها لأسباب ترتبط بالتوازنات الداخلية لا بالمعايير التنظيمية.

كما أن استقلالية اللجنة التحضيرية للمؤتمر تمثل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الحركة بمبادئ النزاهة والمؤسسية. فلا يمكن لأي عملية تنظيمية أن تنجح إذا فقدت ثقة القواعد الحركية، أو إذا ارتبطت بشبهات الانحياز أو تضارب المصالح. إن الحركات الوطنية الكبرى تُبنى على قوة مؤسساتها، لا على شبكات الولاء الشخصي أو النفوذ التنظيمي المؤقت.

ومن الناحية السياسية، فإن فتح مطالبة اليوم بإعادة تعريف دورها الوطني في ضوء المتغيرات الراهنة. فالحركة التي قادت المشروع الوطني لعقود مطالبة بإنتاج رؤية جديدة قادرة على الجمع بين الثوابت الوطنية ومتطلبات المرحلة، وبناء استراتيجية وطنية تعيد الاعتبار للوحدة الفلسطينية، وتعزز صمود الشعب الفلسطيني، وتواجه مخاطر تصفية القضية الفلسطينية.

إن التحدي الحقيقي أمام فتح لا يكمن في اختيار أسماء جديدة أو إعادة توزيع المواقع، بل في قدرتها على الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إنتاج مشروع وطني متجدد. فالقوة الحقيقية للحركات الوطنية لا تُقاس بعدد المقاعد التي تسيطر عليها، بل بقدرتها على الحفاظ على ثقة شعبها وصدقيتها النضالية.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الحركات الثورية تضعف عندما تتحول من حركات تحرر إلى أطر بيروقراطية منشغلة بإدارة النفوذ الداخلي. ولذلك فإن حماية فتح والحفاظ على دورها التاريخي يتطلبان العودة إلى فلسفتها المؤسسة القائمة على الشراكة الوطنية، واحترام الكفاءة، وتجديد الدماء، والاحتكام للمؤسسات، وتعزيز ثقافة النقد والمراجعة الذاتية.

وفي ظل الظروف المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية، فإن المسؤولية الوطنية تفرض على جميع مكونات الحركة الارتقاء فوق الحسابات الشخصية والفئوية، والتعامل مع المؤتمر الثامن باعتباره فرصة تاريخية لإعادة بناء الحركة على أسس وطنية وتنظيمية سليمة، تعيد الاعتبار لدورها القيادي ومكانتها في الوجدان الفلسطيني.

إن فتح اليوم أمام اختبار تاريخي حقيقي: إما أن تنجح في استعادة مشروعها الوطني الجامع، وتجديد شرعيتها التنظيمية والشعبية، وإما أن تستمر حالة الاستنزاف الداخلي بما ينعكس سلباً على مجمل الحالة الوطنية الفلسطينية. فالمعركة الحقيقية ليست معركة مواقع وكراسي، بل معركة حماية المشروع الوطني الفلسطيني وصون الهوية الوطنية في مواجهة أخطر التحديات التي عرفتها القضية الفلسطينية منذ عقود.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى