نمر سعدي - هل كتابةُ الشعر في مأزق وجودي؟!

قال توفيق الحكيم مرَّة أن المئة كتاب ونيِّف التي كتبها في حياته لم تجده أي نفع على الصعيد الشخصي، بل كانت على حدِّ قوله وكأنها رحلةٌ في عالم العبث والمجانيَّة وإضاعة الوقت وتبديد الحياة، كان ذلك قبل عقود طويلة، فهل جدوى الكتابة الأدبيَّة في زمن الخراب تكمن في كونها أداة إنسانية عميقة تتجاوز حدود المادِّيات؟! فالأدب يعبِّر عن المشاعر الدفينة، يوثِّق المآسي، ويهذِّب النفس، مانحاً الحياة رطوبة ومعنى في أزمنة القحط والفجيعة. هو نافذة للرؤية، وسلوى للأرواح، وطريقةٌ للتمرُّد على قوانين الزمن والحياة. وشكلٌ من أشكال المراوغة العاطفية والروحية عندما تعجز الحلول الماديَّة.
ويمكن رؤية جدوى الكتابة الشعريَّة في ملامح كثيرة ومختلفة كالتعبير العاطفي وتوثيق الألم إذ يعد الأدب وسيلة فعالة لاستكشاف وفهم المآسي الشخصية والجماعية، مثل الحزن والفقدان، خاصة في زمن الحرب والتهجير.
القصائد العظيمة تعمل على تهذيب النفس والارتقاء بها، وعلى ترسيخ القيم والأخلاق والقيم العليا والفضيلة، حيث تتحول الأبيات والقصائد إلى حكم وعبَر تستخدم في الحياة اليومية، وتؤثِّث الذاكرة الجماعية والوعي الإنساني، ويمثِّل الشعر تاريخياً "ديوان العرب"، ومصدراً للتوثيق، ويؤسِّس للجماليات ويمنح الحياة معنى، ويحرِّر الإنسان، ويقاوم "اللا جدوى" من خلال الوهم الفني الذي يعزز الوجدان. وفيه عزاء روحي في زمن الفجيعة، يصبح سلواناً وضرورة لإنسانيتنا. على الرغم من أنه قد يبدو كـ"أداة قديمة" لا تغير الواقع مادياً، فإن الشعر يبقى حيوياً، كما الهواء، لا غنى عنه للتنفس الروحي.
تبدو الكتابة الشعرية في عصر الهواتف الذكيَّة ضرباً من ضروب العبث، ومهنةً شاقَّةً يمارسها سيزيفيون حالمون، تتجلَّى في كونها فعلًا شخصيًا ومصيريًا للتعبير عن الوجود والمشاعر العميقة، فهي وسيلة لتوثيق الدهشة.. والفرح، والتخفيف من لوعة الحزن والفقدان، وتجسيد التجارب الإنسانية جمالياً. كما تعد ملاذًا للذات، ونافذة لإعادة فهم العالم والآخرين، ومحاولة لكسر صرامة الواقع وإثراء الجمال. فالشعر هو لغة الوجدان التي تعبر عن الغضب، والحب بطريقة جمالية تعجز عنها اللغة اليومية لتوثيق دهشة العالم .
يكتب الشعراء لتدوين انبهارهم بالأشياء، والحفاظ على إنسانيتهم كحراس للدهشة في مواجهة رتابة الحياة ومقاومة الضجر والنسيان، فالقصيدة الجميلة تعتبر رسالة للمستقبل مثل رسالة حبٍّ في قنينة رماها عاشقٌ قبل مئات السنين، هي حاجةٌ داخلية لتعريف وتحديد ملامح كاتبها، وليست بالضرورة انتظاراً لتأثير خارجي مباشر، وهي أداةٌ لإثراء الجمال واللغة وتوظيفها بشكل فني يبرز جوانب إلهامية وتأملية، فالشعر يُكتَب لأننا نحتاجه كشمعة وسط الظلام، وكطريقة للبقاء على قيد الإنسانية.
هل لا يزال الشعر العربي يحتفظ بمكانته الرمزية؟! ربَّما نحتاج لمجلَّدات ضخمة للإجابة عن هذا السؤال المربك.. لكن دور الشعر الوظيفي تراجع أمام الفنون السردية كالرواية والقصة في العصر الحديث.
هل انتهى زمنُ الشعر؟! لا، لم ينتهِ زمن الشعر، بل تغير وتحول. على الرغم من تراجع سطوته الجماهيرية لصالح الرواية ووسائل التواصل الاجتماعي، يظل الشعر كائناً حياً يتأقلم، متمثلاً في قصائد النثر، الشعر الحر، ومنصات النشر الرقمي التي منحت الشعر نفساً جديداً، وإن اختلف شكل القصيدة "الأعجوبة" عن الماضي.
بعض نقَّاد الشعر المتفائلين يعترفون بأن ضوء الشعر ما زال وهاجاً وممتداً في النفس الإنسانية عبر شعرية التواصل الاجتماعي التي شهدت في السنوات الأخيرة طفرة نوعيَّة وعودة قوية للشعر عبر وسائل التواصل (مثل فيسبوك وإنستغرام)، حيث أصبحت القصيدة القصيرة جداً سريعة الانتشار، خلافا لما يروِّج له أكاديميون كبار بأننا نعيش "عصر الرواية" و"العمل المضني"، مما قلل من بريق الشعر العاطفي، لكنه لم يلغه. أيضا لا تزال هناك محاولات لإحياء "الجزالة" والقصيدة العمودية التقليدية عبر روح عصريَّة، مما يعيد النقاش حول معايير جودة النص على ضوء نخبوية جديدة لا جماهيريَّة عريضة، فزمن "الشاعر النجم" الذي يلتف حوله الملايين ربما انتهى، لكن زمن الشعر كحاجة إنسانية وعاطفية مستمر، وسيستمر إلى الأبد.

1779646380836.jpeg

نعم، تواجه الكتابة حالياً تحولات جذرية بسبب "الذكاء الاصطناعي"، وتقليص فترات الانتباه البشري، والتحديات المعقدة للغة العربية الفصحى. ومع ذلك، يظل الإبداع الأصيل والصدق الداخلي هما الملاذ الأساسي للكتَّاب والمبدعين.
يمتلك الذكاء الاصطناعي اليوم قدرات هائلة على صياغة نصوص خالية من الأخطاء، مما خلق تساؤلات حول قيمة الإبداع البشري وجدوى الكلمات.
يكمن الملاذ في البصمة الإنسانية. فالآلة تعيد تجميع البيانات، بينما ينفرد الكاتب بنقل المشاعر الحقيقية، الألم، والتجارب الحياتية التي لا يمكن للبرمجيات محاكاتها أو استشعارها.
فهل تعيش الكتابة الشعريَّة مأزقاً وجودياً وفنياً حقيقياً، يوصف بأنه «مأزق الورقة البيضاء» أو «الانسداد الأدبي»؟! هذا المأزق ليس مجرد توقف فني، بل هو مزيج من الشك، الملل، والخوف من الرقابة الذاتية، مما يجعلها عملية مؤلمة ومتعبة وغير ذات جدوى. ومن أبرز أبعادها مأزق الحرية والرقابة حيثُ تواجه قصيدة البوح الأنثوي الشفيف عند النساء، مأزقاً ناتجاً عن الرقابة الاجتماعية والذاتية، حيث تجد الشاعرة نفسها في صراع بين ما تريد قوله والخوف من التعبير عمَّا يختلجُ في روحها. بالإضافة للوهم والمثالية فغالباً ما يُنظر لمثالية طقوس الكتابة على أنها وهم مبالغ فيه، فالواقع غالباً هو أوراق ممزقة، فوضى، وصراع داخلي، وليس إلهاماً مستمراً. ولا ننسى فقدان الشغف والملل الذي يعيشه الإنسان المعاصر، فالكتابة عملية لا تقبل «أنصاف الحقائق»، وهذا يضع الكاتب في موقف حرج عند عجز كلماته عن تصوير حقيقته الداخلية. وهناك مأزق اللغة العربية (الفصحى) التي تواجه مأزقاً هيكلياً بسبب الازدواجية اللغوية (الفصحى مقابل العامية)، مما يجعلها تواجه خطر "الاحتضار" الوظيفي في التواصل اليومي.
وبذلك نستنتج أن مأزق الكتابة هو "مأزق لا بد منه"، وكما يصفه البعض فهو "مأزق الحرية" الذي يرافق الكاتبات والكتاب المهمومين والحقيقيين، ولكنه في الوقت نفسه فرصة للصدق ومواجهة الذات والتعبير عن الهمِّ الداخلي واختلاجات الروح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى