د. حسين عبدالبصير - حين يسقط العرش في الظلام

ليس التاريخ ما يُكتب في المراسيم الملكية، ولا ما تُسجِّله دفاتر البلاط وحدها.
التاريخ الحقيقي يبدأ غالبًا حين تُغلق الأبواب الثقيلة للقصر، وينطفئ الضوء الأخير في غرفة الحاكم، ويجلس الملك وحيدًا أمام هشاشته الإنسانية، بعدما كانت الجموع تهتف باسمه.

من هنا تأتي فرادة كتاب «عروش تتهاوى.. النهايات الدرامية للأسرة العلوية» للكاتب والباحث محمد غنيمة، الصادر عن دار الرواق للنشر والتوزيع في القاهرة؛ فهو لا يروي تاريخ الأسرة العلوية بوصفها سلالة حكمت مصر فحسب، بل يقترب من أكثر المناطق خوفًا في حياة الحكام: لحظة النهاية.

لقد اعتاد المؤرخ العربي أن يكتب عن الانتصارات والهزائم، عن المعارك والانقلابات، عن الاقتصاد والسياسة، لكنه نادرًا ما اقترب من الساعات الأخيرة للحاكم باعتباره إنسانًا ينهار، لا مجرد سلطة تزول.
وهنا ينجح غنيمة في أن يفتح بابًا مختلفًا في الكتابة التاريخية العربية؛ بابًا تتجاور فيه الوثيقة مع الألم، والسياسة مع الوحدة، والسلطة مع العجز الإنساني.

IMG-20260526-WA0000.jpg

إنه كتاب عن الموت أكثر مما هو كتاب عن الحكم.
عن الخوف أكثر مما هو عن المجد.
عن الإنسان الذي يختبئ خلف التاج.

منذ الصفحات الأولى، نشعر أننا أمام كاميرا سينمائية تتحرك داخل قصور الأسرة العلوية، لا أمام مؤرخ تقليدي.
نرى محمد علي باشا، الرجل الذي أعاد تشكيل مصر الحديثة، وقد تحوّل في أيامه الأخيرة إلى شيخ يطارده الخرف، بينما يتفكك العالم الذي بناه بيديه.
يا للمفارقة القاسية: الرجل الذي أخضع الشرق كله تقريبًا، عجز في النهاية عن السيطرة على ذاكرته.

ثم يأتي إبراهيم باشا، القائد العسكري الأسطوري، الذي دوّخت انتصاراته الدولة العثمانية وأوروبا معًا، لكنه لم ينتصر على جسده المريض.
كأن التاريخ يهمس لنا بأن العبقرية العسكرية لا تستطيع هزيمة الموت.

أما عباس حلمي الأول، فيقدمه الكتاب باعتباره شخصية مأزومة نفسيًا، محاصرة بالخوف والكراهية والشكوك.
وهنا يتجاوز الكاتب السرد التاريخي المعتاد، ويمنح زوجة عباس حلمي مساحة داخل الحكاية، فتتحول النهاية إلى تراجيديا إنسانية مكتملة، أقرب إلى أعمال دوستويفسكي أو شكسبير منها إلى كتب التاريخ المدرسية.

وفي فصل الخديوي إسماعيل، يبلغ الكتاب ذروته الدرامية.
إسماعيل الذي أراد أن يجعل مصر قطعة من أوروبا، انتهى أسيرًا للديون والعزلة السياسية.
إنها مأساة الحاكم الذي حلم أكبر من قدرة بلاده على الاحتمال.
لقد بنى الأوبرا والقصور والسكك الحديدية، لكنه كان، دون أن يدري، يبني أيضًا الطريق إلى سقوطه.

الجميل في الكتاب أن مؤلفه لا يقع في فخ الإدانة أو التمجيد.
فهو لا يكتب بروح المؤرخ الرسمي، ولا بعقلية الثائر الغاضب، بل يكتب بعين روائي يفهم هشاشة البشر.
ولهذا تبدو الشخصيات جميعها مأساوية بطريقة ما، حتى أولئك الذين خانهم التاريخ أو خانوا أوطانهم.

وعندما نصل إلى المشهد الأخير مع الملك فاروق فوق اليخت «المحروسة»، لا نقرأ مجرد نهاية ملك، بل نهاية زمن كامل.
هنا يتحول البحر إلى شاهد أبدي على سقوط الحلم الملكي المصري.
طفل صغير هو أحمد فؤاد الثاني يغادر البلاد التي وُلد ملكًا عليها، دون أن يفهم لماذا انتهى كل شيء بهذه السرعة.

إن القيمة الكبرى لهذا العمل لا تكمن فقط في معلوماته التاريخية، بل في طريقته المختلفة في النظر إلى التاريخ ذاته.
فالكتاب يقول لنا ضمنيًا إن التاريخ ليس حكاية منتصرين، بل حكاية بشر خائفين، مترددين، ضعفاء، ومهددين دائمًا بالسقوط.

وهذه ربما أعظم حقيقة في السلطة:
كل العروش، مهما بدت أبدية، تحمل داخلها بذرة انهيارها.

لقد نجح محمد غنيمة، عبر هذا الإصدار اللافت من دار الرواق للنشر والتوزيع، في أن يكتب كتابًا يقف على الحدود الفاصلة بين التاريخ والرواية والسينما وعلم النفس.
وهي منطقة نادرة في الكتابة العربية المعاصرة، تحتاج إلى مزيد من الجرأة والخيال والمعرفة.

إن «عروش تتهاوى» ليس مجرد كتاب عن الأسرة العلوية، بل مرآة كبرى لفكرة السلطة نفسها؛ تلك اللعبة التي يبدأها الإنسان وهو يحلم بالخلود، ثم يكتشف في النهاية أنه كان يركض نحو مصيره المحتوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى