خالد الحديدي - الفرهود الإسلامي

من أخطر اللحظات التي يمكن أن يصل إليها أي مجتمع، تلك اللحظة التي يتحول فيها الإيمان أو الانتماء أو الهوية إلى مبرر أخلاقي لاستباحة الآخر. هنا لا يعود العنف مجرد حادثة سياسية أو انفجار اجتماعي عابر، بل يصبح بنية ثقافية عميقة قادرة على إعادة تشكيل وعي الجماعة بحيث ترى الجريمة فعلًا مشروعًا، بل أحيانًا فعلًا مقدسًا. وهنا تحديدًا يمكن فهم ما يمكن تسميته بـ«الفرهود الإسلامي»؛ لا بوصفه تعبيرًا عن الإسلام كدين، بل بوصفه لحظة تسييس للدين وتحويله إلى جهاز تعبئة مغلق يعيد تعريف الإنسان وفق قربه أو بعده من الهوية المسيطرة. فالمشكلة لا تبدأ من النصوص وحدها، بل من الطريقة التي تتحول بها العقيدة إلى أداة فرز أخلاقي بين البشر.
فالفرهود، في جوهره، ليس مجرد نهب للممتلكات، بل نهب للإنسانية نفسها. إنه اللحظة التي تفقد فيها الجماعة قدرتها على رؤية الآخر كإنسان كامل، وتبدأ في رؤيته كرمز يجب سحقه أو إهانته أو استباحته. ومن هنا يلتقي الفرهود مع البنية الذهنية التي صنعت النازية. فالنازية لم تبدأ بمعسكرات الإبادة، بل بدأت باللغة، بدأت بفكرة أن هناك جماعة «أنقى» من غيرها، وأن الآخرين يمثلون خطرًا وجوديًا، ثم جاءت بقية المراحل تلقائيًا: نزع الإنسانية، التحريض، الإقصاء، المصادرة، ثم العنف المفتوح.
وهذه الآلية لا تخص النازية وحدها، بل تتكرر كلما تحولت الهوية إلى عقيدة مغلقة. فالنازية أعادت تعريف الإنسان وفق العرق، بينما تعيد الجماعات الدينية المؤدلجة تعريف الإنسان وفق «نقاء العقيدة» كما تفهمه هي. وفي الحالتين يصبح الإنسان مجرد تصنيف داخل آلة جماعية: مؤمن أو كافر، نقي أو دنس، وطني أو خائن، منقذ أو عدو. ومن هنا نفهم كيف يتحول المتأسلم من متدين إلى حامل لبنية شمولية. فالمتأسلم ليس مجرد إنسان متدين، بل شخص اختزل الدين إلى هوية قتالية مغلقة يرى العالم عبر ثنائية حادة: نحن وهم، أهل الحق وأهل الباطل، الفرقة الناجية والهالكين.
هذه الثنائية لا تنتج مجتمعًا، بل تنتج حالة تعبئة مستمرة تجعل المختلف خطرًا دائمًا لا إنسانًا مختلفًا فحسب. ولذلك يبدأ الفرهود دائمًا من اللغة قبل أن يصل إلى الشارع. يبدأ حين تتحول الكلمات إلى أدوات نزع للإنسانية: كفار، أعداء الله، زنادقة، خونة، نجس. وهذه المفردات ليست شتائم عابرة، بل تمهيد نفسي للعنف. فالإنسان يصعب عليه إيذاء من يراه شبيهًا به، لكنه يستطيع بسهولة أن يؤذي من جُرّد مسبقًا من إنسانيته داخل الخطاب الجماعي.
ولذلك فإن أخطر ما في الفرهود ليس الفعل نفسه، بل لحظة التبرير الأخلاقي للجريمة. حين يشعر الإنسان أنه لا يسرق أو يقتل، بل يطهّر أو ينتقم أو ينصر الله. هنا تتحول الوحشية إلى فضيلة، ويتحول الضمير إلى جزء من آلة الجماعة. والمفارقة أن كثيرًا من هذه الجماعات تبدأ من فكرة تبدو بسيطة وطبيعية: نحن الدين الحق. وهذه الفكرة في ذاتها ليست إشكالًا؛ فكل دين يرى نفسه حقًا بطريقة ما، وإلا فقد معناه الداخلي. لكن الكارثة تبدأ حين تتحول هذه القناعة من إيمان روحي إلى تفويض مفتوح ضد المختلف. فالفرق هائل بين أن أؤمن أن ديني هو الحق، وبين أن أرى المختلف أقل إنسانية أو أقل استحقاقًا للحياة والكرامة. هنا ينتقل الإيمان من المجال الروحي إلى المجال الشمولي، وهنا تبدأ كل النظم المغلقة في التاريخ، لأن المشكلة ليست في امتلاك الحقيقة، بل في الاعتقاد أن امتلاك الحقيقة يمنح الحق في السيطرة على البشر أو محوهم أو إذلالهم.
ومن منظور ثقافي حفري، فإن الفرهود لا ينشأ فجأة، بل يتغذى على طبقات عميقة داخل المجتمع: الإحساس بالهزيمة، الخوف، الشعور بالمظلومية، الفقر، والرغبة المكبوتة في الانتقام. ثم تأتي الأيديولوجيا لتمنح هذه التوترات هدفًا واضحًا وعدوًا جاهزًا، وهنا تصبح الجماهير قابلة للتحول إلى كتلة هائجة ترى العنف خلاصًا نفسيًا وأخلاقيًا.
وللأسف، فإن حامل هذه البنية لا يكون دائمًا جاهلًا أو مهمشًا كما يتصور البعض. فقد يكون أستاذًا جامعيًا، أو أديبًا، أو سياسيًا، أو موظفًا حكوميًا، أو صاحب منصب ثقافي وإعلامي. فالشهادات لا تمنع بالضرورة السقوط في الشمولية، لأن المشكلة ليست في مقدار المعرفة، بل في طريقة تشكّل الوعي الأخلاقي. هناك من يمتلك ثقافة واسعة لكنه يعيش داخل عقل مغلق، يستخدم المعرفة لا لفهم الإنسان، بل لتبرير إقصائه.
وهذا ما تفعله الأدلجة منذ الصغر؛ إذ لا تُربّي الإنسان على السؤال، بل على الطاعة، ولا تُكافئ العقل النقدي، بل تُكافئ الامتثال الكامل للجماعة. فالطفل الذي يكرر الخطاب دون تفكير يُمنح نجمة ذهبية معنوية، أو وسام القبول والانتماء، بينما يُنظر إلى الطفل الذي يسأل أو يشك أو يفكر باعتباره خطرًا أو متمردًا أو ناقص الإيمان والولاء. ومع الزمن تتحول الطاعة إلى فضيلة مطلقة، ويصبح التفكير النقدي فعلًا مقلقًا للجماعة. وهنا ينشأ الإنسان وهو يظن أن قيمته لا تأتي من قدرته على الفهم والتحليل، بل من قدرته على التماهي الكامل مع الخطاب السائد. لذلك تستطيع الأيديولوجيا أن تُنتج طبيبًا أو أستاذ جامعة أو مثقفًا يحمل عقلًا مغلقًا، لأن التعليم وحده لا يصنع وعيًا حرًا إذا كان العقل منذ البداية قد تربّى على الخوف من السؤال.
ولهذا رأينا عبر التاريخ مثقفين وأكاديميين يبررون أنظمة قمعية وعنصرية، بل ويمنحونها غطاءً فكريًا وأخلاقيًا. فالعقل المتطرف لا يشترط الجهل، بل قد يرتدي بدلة أنيقة، ويتحدث بلغة فلسفية، ويجلس في الجامعة أو البرلمان، بينما يحمل في داخله البنية نفسها: بنية احتكار الحقيقة، بنية ازدراء المختلف، وبنية تبرير العنف الرمزي أو المادي ضد الآخر.
ولهذا فإن أي مجتمع يذيب الإنسان الفرد داخل هوية مطلقة يظل قابلًا لإنتاج نسخته الخاصة من النازية، حتى لو اختلفت الشعارات الدينية أو القومية أو الثورية. لأن جوهر النازية ليس الشعار الألماني، بل آلية التفكير نفسها: تحويل الجماعة إلى مقدس، وتحويل المختلف إلى خطر، ثم تحويل العنف إلى حق أخلاقي. إن المجتمعات لا تسقط حين تختلف العقائد، بل حين تفقد قدرتها على رؤية الإنسان خارج التصنيفات المغلقة. فكل فرهود يبدأ حين يتوقف الإنسان عن رؤية الآخر بوصفه إنسانًا، ويبدأ في رؤيته بوصفه هوية يجب سحقها أو استباحتها أو محوها. وهنا تحديدًا تولد كل أشكال الشمولية، مهما اختلفت الأسماء والرايات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى