أ. د. عادل الأسطة - حزيران الذي لا ينتهي : 4 مراجعات فؤاد نقارة محمد عبدالله القواسمة رائد الحواري إياد شماسنة

1
حزيران الذي لا ينتهي، وشظايا الذّاكرة.

فؤاد مفيد نقّارة:

حزيران الذي لا ينتهي، وشظايا الذّاكرة.


“كتاب “حزيران الذي لا ينتهي – شظايا ذاكرة 1967-1982” للدكتور عادل الأسطة، صدر عن الرّقميّة – من فلسطين إلى العالم (2018م) ويقع في (197) صفحة من الحجم المتوسط، أمّا غلافه فقد صمّمه الفنّان رمزي الطّويل.
في فعل أمين للتّذكّر، يقدّم الكاتب ذكرياته القريبة من السّيرة الذّاتيّة والجمعيّة، في فترة زمنيّة مؤثّرة، انطلق منها ومن مراحل طفولته وحياته العائليّة؛ ليستعيد اللّحظات والتّفاصيل الكثيرة، التي جاءت في حلقات أدبيّة، قام بكتابتها ونشرها على صفحات الفيسبوك، ثمّ عمل على إصدارها (م2016) في كتاب رقميّ بعنوان: “حزيران الذي لا ينتهي: شظايا سيرة 1967-1982”.
هذا العنوان هو محور الحديث في تفاصيل هذه القراءة المتأنّيّة لسيرة ارتبطت بمكان وزمان، وسجّلت الأحداث التاريخيّة، فالكتاب يجمع بين السّيرة الذّاتيّة والغيريّة وسيرة المكان، والأدب السّياسيّ والاجتماعيّ للوطن، وفيه ما يستحقّ التّسجيل والتّوثيق.
يتحدّث الكاتب عن عودته إلى نابلس، وصعوبة العثور على وظيفة مناسبة، ثمّ العمل في التّدريس بفرح ومتعة وخدمة وطنيّة واخلاقيّة، على أن يتم تثبيته لاحقا بموافقة الإدارة المدنيّة المحتلّة، وهذا بعد أن استدعته المخابرات العسكريّة، ولاقى ما لاقاه من معاملة جافّة وساديّة.
خلال عمليّة استرجاع الذِّكريات وما يصاحبها من ظروف المكان والزَّمان، يصف الكاتب كيف أصبح الفلسطيني “ممزير” و “بن زوناه” مثل أبناء أم حاييم، يحكي عن ملامة أبناء مخيّم عسكر وحصارهم بسبب رفضهم للاحتلال وتظاهرهم وقذفهم للحجارة. “لقد أطال الإسرائيليون السّهر معنا، مازحونا ونادوا على الرّجال- كل من بلغ الرّابعة عشر عاما وحتى سن الخمسين- ليخرجوا إلى الشارع الرّئيس قرب الجامع، وكلّ من يعصِ الأمر يعاقبّ”. وهكذا يبدأ الطّقس اللّيليّ الطّويل، الذي يستمرّ حتى الصّباح؛ لنحيا معه مجموعة من اللّيالي الملاح!
يتطرّق الأسطة لعلاقته مع الشاعر أحمد دحبور التي بدأت عام (1979م)، والذي يعتبره المبدع الثّاني بعد المبدع الأول محمود درويش، ثمّ ينتقل بحديثه إلى الخروج من الجنّة بعد أن وصف حياة المخيّم والقتال فيه، واليأس من العودة، “خرجنا من المخيّم ولم يخرج منّا”، وبحسب الكاتب، أين سيذهب اللاجئون، إلى الجنّة أم إلى النّار؟ فبعد امتلاء الجنّة والنّار، لم يعد هناك متّسع لأيّ أحد، ولا حتى لبناء مخيّم آخر جديد.
يتطرّق إلى عملية انصهار اللّهجات لأبناء المخيم، واختيار مقاومة الاحتلال بالثّقافة، ويتحدّث عن جناية الفصيل على الشعب الفلسطينيّ، وذلك بالانتماء المتمثّل بالتّبعيّة والحرص على مصلحة الفصيل دون غيره، حتى لو تعارض ذلك مع الصّالح العام للوطن، مُترتّبا على ذلك العديد من النتائج السلبيّة؛ كالتعصّب الأعمى للفصيل والصّراع، وتفكيك المجتمع، وذلك لتعصّب كل فئة لمصالحها ووجهات نظرها على حساب بقيّة الفئات، وتفضيل الفصيل لأعضائه دون الاكتراث لكفاءة المرشّح. “كان المرشح المقابل لي عاملا لم ينه الصّف الخامس”.
اعتبر اليساريون أنفسهم في قمّة الوعي، إلى أن جاء اليوم الذي اكتشفوا فيه قلّة تبصّرهم ووعيهم، بعد أن ردّدوا كالببَغاوات أفكار غيرهم. “كنت مثل ببغاء يكرّر أفكار غيره دون أن يسائلها، أكثر اليساريين تحوّلوا، واكتشفوا أيضا أنّهم كانوا ببغاوات”، ويعود الكاتب إلى التّاريخ الفلسطينيّ حيت توالي الحكم على البلاد خلال قرن من الزّمان، بدءا من الحكم العثماني ثمّ البريطاني مرورا بمرحلة الانتقال الأردنيّة، ثمّ الاحتلال وبناء إسرائيل بأيدي أبناء الدّاخل (48) وأبناء الضّفة، وحرب (1982م) والخروج الفلسطينيّ إلى المنافي الجديدة، وصولا إلى السّلطة الفلسطينيّة، وتبعات ذلك على موظّفي الدّولة والمتقاعدين، وإقبال القوم على البضائع الإسرائيليّة وتفضيلها على المحلّي، “لا يريدون إلا البضائع الإسرائيليّة، لم أسأله إن كان هذا بندا من بنود اتفاقيّة (أوسلو)”.
ينطلق بذكرياته إلى بداية الكتابة والنّشر عام (1976م)، وافتقار السّاحة الأدبيّة في الضّفة الغربيّة إلى الكُتّاب في حينها، يصف كُتّاب ما بعد (1976م) بكتّاب فراغ، كتبوا ونشروا، وسرعان ما انسحبوا من المشهد الأدبيّ.
يستذكّر دراسته لنيل اللّقب الثّاني “الماجستير” في عمّان في الفترة ما بين (1980 – 1982)، بعد أن تمّ رفض طلبه للعمل في جامعة النجّاح، فهو لم يكن صاحب حظوة، ولا صاحب رصيد أدبيّ. هذا بعد كتابته لبعض المقالات بأسماء مستعارة: “عادل الرّاوي” و “عادل بلاطة.”
القسم الأجمل في الكتاب هو تعلّق الأسطة بالنّقد ومشاركاته الأدبيّة في الأعوام (1976 – 1980) وكتابة المقالات الأدبيّة، وتقديم رسالة الماجستير حول القصة القصيرة، وزيارة حيفا لتتبّع ما نُشر من قصص قصيرة في الصّحف والمجلّات من الاتحاد والجديد والغد.
كما جاء في كتابه على ذكر كوكبة من مبدعي الأدب والشعر، أذكر منهم الأسماء التّالية:
تمّ ذكر كلّ من محمود درويش: 49 مرّة، فدوى طوقان: 24 مرّة، إميل حبيبي: 22 مرة، غسّان كنفاني: 17 مرة، سميح القاسم: 14 مرّة، عبد اللّطيف عقل وسحر خليفة: 11 مرة، أحمد دحبور : 8 مرّات، وتمّ ذكر توفيق زيّاد، الطّيب صالح، بدر شاكر السّياب، نجيب محفوظ: 5 مرّات، راشد حسين وخليل السّواحري وغريب عسقلاني: 4 مرّات، معين بسيسو، نجاتي صدقي، توفيق الحكيم، محمد البطراوي، إبراهيم طوقان، سميرة عزّام، محمود شقير، طه حسين، أكرم هنية وشوقي :3 مرات، فوزي البكري، ناظم حكمت، سالم جبران، سامية عيسى، عادل سمارة، جورج طرابيشي، علي الخليلي، حنّا إبراهيم، الجاحظ، الياس خوري : مرّتين، أبو العلاء، يوسف الخطيب، علي فودة، توفيق صايغ، أنيس صايغ، إسماعيل فهد إسماعيل، زياد خدّاش، سعيد الزّين، عفيف سالم، يعقوب حجازي، الطّاهر وطّار، الشّنفرى، سلمان ناطور، محمّد علي طه، سعاد العامري، أنطون شلحت، قدري طوقان، حسين البرغوتي، خليل توما، محمد عبد الحليم عبد الله، المنفلوطي، أسعد الاسعد، يحيى يخلف، صادق جلال العظم، عبد الرحمن منيف، سعد الله ونوس، جمال أبو حمدان، حلمي الزواقي: مرّة واحدة .
في النّهاية هو كتاب قيّم، نشكر د. عادل الأسطة على كلّ هذا الجهد والإهداء الجميل.
مع خالص التّقدير

2
.عادل الأسطة وشظايا الذاكرة 1 - 3

د. محمد عبدالله القواسمة

1

عادل الأسطة أديب وناقد وأكاديمي فلسطيني، حصل على الدكتوراه في الأدب والنقد من جامعة بامبرغ /ألمانيا عام 1991. وهو مهتم بالأدب العربي وبخاصة الأدب الفلسطيني. من مؤلفاته في هذا الحقل: «أحمد دحبور ...مجنون حيفا2018 «، و»أسئلة الرواية العربية: رواية إلياس خوري «أولاد الغيتو، اسمي آدم» نموذجًا « 2017، و»أدب العائدين، تساؤلات وقراءات»»2016 ، و» أوراق مقارنة في الأدب الفلسطيني» 2015.

في عام 2016 انطلقت ذاكرته في استدعاء فترة مؤثرة في حياته؛ فكتب حلقات أدبية، نشرها على صفحات الفيسبوك، لتظهر في كتاب رقمي عام 2016 بعنوان « حزيران الذي لا ينتهي: شظايا سيرة 1967- 1982». إنه مدار حديثنا في هذه القراءة المتأنية.

لا شك أن الكتاب يقدم انثيالات أو ذكريات قريبة من السيرة الذاتية، تتناول تجربة الأسطة بين حربين خاضهما العرب، تبدأ في 5 حزيران 1967 وتنتهي في 4 حزيران 1982: الحرب الأولى1967 بين الجيوش العربية وإسرائيل، واستمرت 6 أيام، والحرب الثانية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي1982، واستمرت 88 يومًا.

يختار الدكتور عادل تلك الفترة لتكون الزمن الداخلي لعمله الشبه سيرذاتي الذي بين أيدينا، لكنه لا يهمل أن يتنقل بين الأزمنة السابقة أو اللاحقة، ويتوقف أحيانًا عند الزمن الكتابي، أي الزمن الذي جلس فيه للكتابة على مدى سبعين يومًا من العام 2016. وهو يعلمنا بذلك في مقالة له نشرت في جريدة» الأيام» (10/6/2018) بعنوان «دفاتر الأيام: حزيران الذي لا ينتهي» يقول: « كنت كل صباح أنهض من نومي وأكتب.

في البداية كنت أحاول أن تكون الكتابة صافية تمامًا - أي أن أكتب دون أن أترك الزمن الكتابي يؤثر على الحدث المعيش المسترجع»

من هنا فإننا نواجه ما تكتنزه ذاكرة كاتبنا عن تلك الفترة بين الحربين، فضلًا عما تفيض به الذاكرة من ذكريات وأفكار مما يتصل بطفولته وأسرته والحياة التي عايشها حتى زمن الكتابة، فنعلم بأنه ولد في مخيم عسكر بالقرب من نابلس، من أسرة فلسطينية طردت من مدينتها يافا عام 1948، وكان عندما حلت نكسة حزيران 67 قد دخل عامه الرابع عشر. كان وقتها يعمل نادلًا في مقهى بنابلس يملكه جار لهم من المخيم. ويذكر أنهم التجأوا مع بداية الحرب إلى بيت خالته أم عارف في مدينة نابلس، خرج في ذلك اليوم ليجلب دواء مسكنًا لأمه التي كانت تعاني من وجع الأسنان، وصادف امرأة من قلقيلية سألها عن سبب وجودها في نابلس. أجابت بأن اليهود احتلوا قلقيلية. عندما عاد إلى بيت خالته وجد رجالًا متجمعين أمام دكان الحلاق «أبو محمود صبرة» ومعهم بنادقهم القديمة، ولما أعلمهم بما سمعه من المرأة لطمه الحلاق على وجهه، واتهمه بأنه طابور خامس، في حين كانت الطائرات الإسرائيلية تلقي منشورات تطلب من السكان رفع الأعلام البيضاء. سيظل يذكر كفّ الحلاق وعبارته التي لم يكن يفهم معناها، خاصة بعد أن استشهد الرجل في انتفاضة الأقصى، وهو جالس في بيته.

ثم يمضي بنا عادل الأسطة ليحدثنا عما جرى في مخيم عسكر بعد أن وقع تحت الاحتلال، وانفتح أبناء الضفة على أبناء فلسطين في الداخل المحتل. وصار كثيرون من عمال المخيم يعملون في إسرائيل حتى إن والده عمل سائق حافلة في شركة إيجد الإسرائيلية، ثم فصل منها.

يلاحظ أن الكاتب في تناوله موقفًا من مواقف الحياة، أو حدثًا من أحداث المخيم، أو حديثًا استمع إليه من سائق تاكسي أو باص فإنه يسترجع ما قرأه، أو عرفه، أو ذكره في كتاباته عن هذا الحدث أو الموقف. فعند تناوله هروب بعض الشباب من المخيم خوفًا على حياتهم؛ فكان في أذهانهم ما فعله اليهود من مجازر في دار ياسين وغيرها من القرى عام 1948م، كان يستذكر حدث الهروب هذا، ويورد ما قرأه للقاص محمود شقير في قصته» الخروج» من مجموعته «الولد الفلسطيني»1977، ويحكم عليها بأنها قصة تقليدية كتبت من منظور الفكر اليساري، وتقوم على ثنائية الأرض والعرض. ويذكر أنه قرأ في رواية» الطريق إلى بئر السبع» 1963 للكاتبة الإيرلندية (ايثيل مانين) عن اغتصاب عصابات الصهاينة امرأة وخادمتها من اللد، مع أن الروايات التي تحدثت عن النكبة لم تتحدث عن هذا الموضوع.

ومثل هذا يتناول قصة تأثير استشهاد الأبناء في آبائهم؛ فهذا أبو راضي، الذي استشهد ابنه في إحدى العمليات الفدائية يقول عنه الأسطة: إنه لم ير رجلًا حزن على ابنه مثله، وأن هذه الفكرة، فكرة فقد الأبناء جاءت في رواية سحر خليفة «باب الساحة»؛ إذ صورت فلسطين غولة تأكل أبناءها. كما يذكر أن درويش في العام 2002 كتب في ديوانه «حالة حصار» عن أثر الشهادة على الآباء والأمهات.

الشهيد يحذرني: لا تصدق زغاريدهن

وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيًا:

كيف بدلت أدوارنا، يا بني،

وسرت أمامي؟

أنا أولا

وأنا أولا.

2



تمتاز انثيالات الدكتور عادل الأسطة في كتابه عن حزيران الذي لا ينتهي بالسخرية المرة، أو السخرية التي تستحق الرثاء مع احتوائها الأمثال الدارجة، والألفاظ الشعبية المتداولة، والنكات المضحكة المبكية، من باب أن شر البلية ما يضحك؛ مما يذكرنا بأسلوب إميل حبيبي في كتابه» سداسية الأيام الستة»؛
من مواقف السخرية يذكر الأسطة أنه كان لوالده صديق يهودي قبل نكبة 48 يسمى صموئيل، فوالده كان يعرف العبرية، وكان له وهو مراهق صداقات مع النساء اليهوديات. قال له صديقه: «شوف يا مصطفى إن انتصرت ألمانيا صرنا حميركم وركبتمونا وإن انتصرت بريطانيا صرتم حميرنا وركبناكم»(ص116)
ومن مواقف السخرية يذكر كاتبنا أنه في اليوم الأول لحرب حزيران حين كانت تظهر طائرة في الجو، تزعق زوامير الخطر، ويستعد حملة البنادق القديمة في مخيم عسكر لإسقاطها، ومن بينهم والده ورجل آخر كنيته أبو العزم، كان أبو العزم يطلق طلقة عليها، وهو يردد عبارته التي ذهبت مثلًا:» طلقة لعيون الشباب».
وفي حديثه عن المخيم، وعن الاستعدادات للحرب يتذكر عادل الأسطة أنه شاهد مع رفاقه الصغار في الشارع، حين كان الناس في بيوتهم ملتزمين بتعليمات الجيش جنديًا يوقف دبابته، ويترجل منها ليبحث عن برغي أو شيء ما عطل دبابته. وفي موقف آخر يخبرنا عن جندي كان في اليوم الأول من الحرب يتلصص على بيت أم محمد في أثناء تجواله ليطلب من الناس في المخيم عدم مغادرة بيوتهم. وقيل إن المرأة ضربته وهي تصرخ، فاجتمع عليهما الناس، وشاعت الحكاية في المخيم، ومازال الناس يتذكرونها.
ويبدو الأسلوب الساخر للمؤلف حين يكتب عن زيارة الشاعرة فدوى طوقان بعد حزيران مدن فلسطين ولقائها شعراء الأرض المحتلة. لقد التقوا وقرأوا قصائد عن الحرب. قرأ درويش «يوميات جرح فلسطيني»، وقرأت فدوى على» أطلال يافا». ورحب بها الشعراء الذين رأوا في الهزيمة كبوة، وكم يحدث أن يكبو الهمام، هي خطوة للخلف من أجل عشر خطوات للأمام، كما رأى توفيق زياد. أما درويش فقد خسر حلمًا جميلًا، وخسر لسع الزنابق، وما خسر السبيلا. إنها سخرية مرة لا تتوقف عند هذا اللقاء بل تتعداه إلى الحديث عن فدوى بأنها كانت متقوقعة على ذاتها قبل النكسة، وهي بعد ذلك تنضم إلى شعراء المقاومة، وتبتعد عن كونها لاجئة؛ فقد تحولت مثل هؤلاء الشعراء اليساريين الذين التقتهم إلى شاعرة مقاومة.
وفي حديثه عما كان يدور في المخيم من شجار بين الناس رأى الأسطة حتى الأقارب كانوا يتقاتلون عند توزيع المؤن والبقج، وفي الفرن، وعلى عين الماء، ويُعلّق على ذلك: « كما لو أن روح قابيل حلت فينا، وكما لو أن الأقارب إخوة يوسف أيضًا، وأتذكر معارك بين أقارب، كان الدم فيها يسيل، وكنا نتفرج على فريد شوقي ومحمود المليجي متجسدين في بعض الأهالي الذين يستخدمون أسياخ الحديد وأواني يستخدمها الفوالون لتحريك جرة الفول» (ص153)
وكان يلوم أبناء جلدته ولا يلوم أبناء العمومة(اليهود)، كما يسميهم على سبيل السخرية. بدا هذا اللوم عندما رفض بعض زعماء المدن أن تقام مخيمات للاجئين في مدنهم؛ لهذا كان مخيما العروب والفوار بعيدين عن مدينة الخليل مسافة لا تقل عن عشرين كيلومترًا. حرصًا كما يقول ساخرًا على «نقاء الدم الآري»(ص145)
ويعجب كاتبنا من أن النكسة تطول ولا يحدث ما أخبره به راكب كان بجواره في حافلة بأن الاحتلال سينتهي بعد سبعة أسابيع، أو سبعة أشهر، أو سبع سنوات. لقد طال حتى جاء عام 1982 لتبدأ حرب جديدة في الرابع من حزيران هذه المرة، وتصل القوات الإسرائيلية إلى بيروت. يتساءل بسخرية: لماذا لم تبدأ الحرب أبكر هذه المرة، كأن تبدأ في الأول من حزيران؟
كان كاتبنا وقتها ينهي رسالة الماجستير التي أعدها بإشراف الدكتور محمود السمرة بعنوان «القصة القصيرة في الضفة والقطاع من 1967-1981»، وكان يتردد على مقر رابطة الكتاب الأردنيين ليراقب مع المثقفين باسترخاء نتائج الحرب. يصور حاله وحال المثقفين بقوله: «وتغدو أخبار المعارك خبزنا وملحنا وفاكهتنا اليومية، ومن جديد سنعود ثانية خبراء عسكريين نحلل المعارك ونتحدث عن الحرب باسترخاء، فالجبهة مشتعلة ونحن على شرفات مبنى الرابطة أو في ساحات الجامعة نمارس حياتنا وترف الكلام»(ص185)
وهو بهذا القول بقدر ما يعبر عن عجز المثقفين إزاء ما يجري في ميدان المعركة، فـإنه يعبر عن نقد ذاتي بعدم الرضا عن هذه الحالة التي وصلوا إليها.

3

من طرائق الدكتور عادل الأسطة في سرد كتابه» حزيران الذي لا ينتهي» أنه كان يوقف السرد ليقدم معلومات أو آراء نقدية في مسألة ما، وأحيانًا يكون جريئًا في قلمه النقدي، فهو يذكر بأنه لم يسجل رسالة الماجستير مع الدكتور عبد الرحمن ياغي؛ لتزمته الشديد وتعصبه لآرائه، ويرى أنه يميل إلى الإطالة والاقتباس وكثير نقده لا طائل من ورائه؛ فهو لم يفد من المناهج النقدية الغربية الحديثة مؤثرًا النقد الاجتماعي الماركسي. (ص181)

وهو يستخدم الأمثال الشعبية في بعض المواضع؛ ففي حديثه عندما تقدم بعد حصوله على البكالوريوس إلى الوظيفة في جامعة النجاح التي كانت توظف حملة البكالوريوس يتذكر ما قاله له مدير مدرسة الجاحظ /الصلاحية التي كان يعمل فيها» كثير النط قليل الصيد» (ص 164) ولم يظفر بالوظيفة وقتها؛ لأنه لم يكن له حظوة أو رصيد، أو لأنه كان يهاجم قسمًا من المسؤولين في مقالاته التي كان يكتبها باسم عادل الراوي أو عادل بلاطة. والغريب أن الذي ظفر بالوظيفة هو صديقه مهيب المصري دون أن يحضر للمقابلة أو يتقدم لامتحاناتها. ويعلق بسخرية على ما حصل بأنه «يتماثل مع المثل الشعبي (الذي يحرك العسل يتذوقه)، وكما كتب الحكيم ف(لكل مجتهد نصيب)(ص166) إنه نظام الواسطة والمحسوبية المتعارف عليه في التعيين في جامعاتنا.

ومن الصدق والجرأة ما نلمسه في حديثه عن بدايته في الكتابة. يقول إنه بدأ عام 1976 بجعل أصابعه تعتاد على الكتابة، وإنه كان محظوظًا أن ينشر في مجلة «البيادر» التي صدرت في العام نفسه، كما لو أنه ناقد كبير مع أنه يعترف بأنه لم يكن يعرف أبجديات النقد على الرغم من أنه درس الأدب العربي وكان خريج جامعة (ص158)

كما يعترف بأن كتابات أبناء جيله كانت مجرد محاولات، وأن الساحة الأدبية في الضفة الغربية لم تكن تحفل بأسماء بارزة ومهمة. ويقول إنه لو كان الأمر غير ذلك لما وجدت محاولاتهم الترحيب، أو طلب منهم أن يعيدوا النظر فيها. وهو يستذكر في هذه الحالة شعرًا لمحمود درويش يهجو فيها أدباء عرفوا دون جدارة في ديوانه «أعراس» 1977، ويصفهم في قصيدة «وتحمل عبء الفراشة» بحراس الفراغ.

تأتي إلى مدن وتذهب. سوف تعطي الظل أسماء

القرى. وتحذر الفقراء من لغة الصدى والأنبياء .

وسوف تذهب.. سوف تذهب، والقصيدة

خلف هذا البحر والماضي. ستشرح هاجسًا فيجيء

حراس الفراغ العاجزون الساقطون من البلاغة

والطبول.

لقد راقت عبارة «حراس الفراغ « لكاتبنا وأطلقها على الكتاب الذين ظهروا بعد 1967 الذين انسحبوا من الحياة الأدبية والثقافية، ولاحظ بأن هذه النظرة لازمت درويش فكتب عن الفرق بين مرحلتين: الكتابة الضرورة، والكتابة -الاحتراف. ويقول إن أحدًا من الكتاب لم يقو على الرد عليه غيره فكتب مقالة بعنوان «إلى محمود درويش وياسر عبد ربه» وكان الثاني وزيرا للثقافة. يبين فيها أنه من كتاب مرحلة الضرورة الذين بدأوا الكتابة في سبعينيات القرن الماضي، ولولا جهودهم لما وجدت الحركة الأدبية والثقافية.

وفي أحيان يضيء ما كتبه بكشفه عن الخلفية التي كتب فيها بعض أعماله السردية؛ فهو يحكي أن قوات الاحتلال في ليلة من ليالي صيف 1979 هاجمت عرسًا وأخذت العريس لأن الأطفال قذفوا الحجارة على السيارة الإسرائيلية، فمن هذه الحادثة يستوحي قصة «العريس» التي وردت في مجموعته القصصية «فصول في توقيع الاتفاقية» 1979 وتصدرها أسطر من» العرس الفلسطيني الذي لا ينتهي» لدرويش.

لا شك أن هذا العمل الذي جاء على شكل حلقات بلغ عددها سبعين حلقة جاءت لتتناسب مع الوسيلة الرقمية التي نشرت فيها وهي الفيسبوك: فهي قصيرة، ذات لغة سهلة بسيطة، تشيع فيها روح الدعابة حينًا والسخرية حينًا آخر، تتداخل فيها الذكريات والأفكار والتأملات والتداعيات، وتتكرر فيها بعض الأقوال والأحداث، وتتمازج الخطابات الإبداعية والنقدية، كما يمتزج فيها الخاص بالعام والذات بالموضوع. إنه عمل مهم، كما أرى، لأنه جزء من تجربة أدبية وفكرية خصبة، يثري عقل القارئ بالمعلومات المختلفة، وبخاصة في الأدب الفلسطيني والتراث الفلسطيني، كما يكشف عن الخلفية النفسية والعاطفية والتاريخية التي كانت خلف كتابات كثير من الأدباء العرب والفلسطينيين من بينهم عادل الأسطة نفسه. كما ويكشف جوانب مهمة من واقع المخيمات الفلسطينية في الشتات وتحت الاحتلال.

إننا نتجاوب مع هذا العمل الذي نهض به كاتبنا، ليس فقط لما يتميز به من صدق البوح، وسلاسة الأسلوب، وجرأة في تناول المواقف والأحداث، بل أيضًا لأنه يصور جزءًا من حياة المخيم الفلسطيني، المخيم الذي ما يزال عنوانًا لقضية شعب لن ينسى وطنه الذي اقتلع منه.

جريدة الدستور الأردنية
13
20
27
من العام
2022

3

كتاب حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982

رائد الحواري

نحن الشعب الفلسطيني بحاجة دائمة ومستمرة لمن يتحدث عن الماضي، لأن الكتابة تكشف الحقيقة، حقيقة ما جرى في فلسطين، إن كان في عام ال48 أو عام ال67 وما بعدها، فهناك الكثير من الذين لا يعرفون الحقيقة، ويعتقدون أننا (بعنا) وطننا لليهود، ورحلنا إلى الدول العربية بإرادتنا وخيارنا.

حرب ال67 وصدمة الهزيمة

"عادل الأسطة" كاتب المذكرات ينحدر من عائلة الفلسطينية أجبرت على ترك وطنها في عام 1948، ليصبح مع عائلته لاجئا في مخيم عسكر شرق مدينة نابلس، وبما أنه ولد بعد النكبة فهو يتحدث عن النكسة وأثرها على أهل الضفة الغربية الذين كانوا أردنيين كحال أخوتهم في الضفة الشرقية، من هنا نجده يتوقف عند العديد من التغييرات التي حصلت بعد الاحتلال، يصف لنا بداية الهزيمة وأثرها على مدينة نابلس بقوله: "الشوارع خالية وليس فيها إلا قليلون، بدأت الهزيمة تلوح في الأفق مع انكسار صوت المذيع، وأنا أبحث عن مسكن للأوجاع صادفت امرأة من قلقيلية فسألت من أين وماذا تريد؟ قالت لي: اليهود احتلوا قلقيلية.
وأنا عائد إلى بيت خالتي رأيت الرجال، ومنهم أبي، جالسين أمام دكان الحلاق ابن اللد ومعهم بنادقهم، ولما سألوني ماذا رأيت على الدور أجبتهم بما قالته المرأة" ص10،
هذا المشهد يشير إلى أن الرجال في نابلس كانوا مستعدين للمعركة ومساندة الجيش في الدفاع عن المدن والمواقع الاستراتيجية في الضفة، لكن المدن أفرغت والمواقع أخليت من الجنود إلا في بعض المواقع، منها وادي التفاح حيث استبسل مجموعة من الجنود وقاومت المحتل، مما أدى إلى استشهادهم، يدون الكاتب هذه الحادثة: "الطائرات تغير والدبابة تقاوم والمبدع المضاد للطائرات يحاول شيئا.
هل كان اسم القائد (أبو هاشم)؟
سيشاع أن ضابطا إسرائيليا نزل من دبابته وأدى التحية العسكرية للشهيد أبي هاشم في وادي التفاح لأنه قاوم مقاومة باسلة ولم يترك دبابته لينجو بنفسه" ص11، نلاحظ حرص الكاتب على تناول الأحداث المهمة وأثرها على الأهلي، لهذا ما أن دخل الاحتلال المدينة حتى تفاجأ الناس بهذا الطلب:
"يخاطب أهل المدينة بتسليم أسلحتهم وعدم اطلاق النار...نسير باتجاه مبنى البلدية الجديد، حيث أعلن مكانا للتسليم.
على مقدمة البندقية شارة بيضاء دلالة على الاستسلام، وبوز البندقية إلى الأسفل" ص12،
لاحقا سنجد الكاتب يتحدث عن أسباب تسليم السلاح بهذه الطريقة المهينة، فلم يكن الرجال الذي يحملونه قد تدربوا على استعماله:
"وكل ما تدرب عليه قبل الحرب بأيام كان الوقوف في الطابور العسكري والتدرب على المشية العسكرية، وتسليم بندقية وبضع رصاصات وهي لا تكفي لتحية الطائرات" ص16.
بعدها أصبحت الحركة في المدينة شبه معدومة، فقد حدد الاحتلال وقتا قليلا يسمح به للسكان بالحركة، يقرر والد الكاتب العودة إلى بيته في مخيم عسكر، فبيت عديله في المدينة لم يعد يحتمل الأعداد الموجودة فيه.
تعود العائلة إلى المخيم ويبدأ حديث الناس عن سقوط المدينة ودخول الدبابات الجزائرية والعربية من شرق المدينة، ليكتشفوا لاحقا أنها دبابات إسرائيلية: "أخذوا يسترجعون اصطفافهم على الشارع الرئيس مرحبين بهم على أنهم جزائريون وعراقيون و و و
استرجعوا سير النساء اللاتي زغردن وتساءلوا عن بنادق الشباب" ص15، مسألة دخول جيش الاحتلال المدينة من الجهة الشرقية وليس من الغربية، يشير إلى أن الضفة تم الانسحاب منها قبل دخول الاحتلال، فالجهة المفترض أن يأتي منها المحتل الجهة الغربية، لكن أن يأتي من الشرق، فهذا يعني سقوط الأغوار وطوباس التي تقع شرق المدينة قبل سقوط المدينة نفسها.
هول الصدمة كان مدويا على الناس الذي سمعوا من الإذاعات العربية عن سقوط عشرات الطائرات المعادية، وعن تقدم الجيوش العربية إلى فلسطين، وهذا ما جعل معزوز اللداوي يعبر هول الهزيمة بقوله:
"فلسطين، فلسطين بيعوك البياعين" ص16،
ونجد أثر الصدمة في حديث الناس عن مدة الاحتلال وكم سيبقى في الضفة:
"بدأ الناس يتساءلون عن مدة الاحتلال، هل سينسحبون، كما حدث في غزة العام 1956 أم سيبقون طولا؟" ص22،
السؤال يحمل داخله شيء من الأمل، وكأنهم أردوا به (إقناع أنفسهم) أن الاحتلال لن يدوم طويلا وأنه سيزول، من هنا أخذ بعض (المحللين/ وخبراء علم المستقبل) بالحديث الرقم سبعة:
"ولأن الله خلق الأرض في سبعة أيام، ولأن سورة يوسف تأتي على سبع سنوات عجاف...فإن الرقم سبعة كان رقما متميزا وله حضوره،...سيمكثون سبعة أسابيع أو سبعة أشهر أو سبع سنوات" ص22،
مثل هذا الجهل والغوص في تحليل غوغائي يشير إلى أن العقل الباطن للفلسطيني أراد بكل السبل والطرق إيجاد بصيص أمل ـ حتى لو كان معتمدا على الوهم ـ المهم أن يخرج من هول الصدمة ويريح نفسه/ يطمئنها مما سيفعله الاحتلال، خاصة أنه احتلال إرهابي ومتوحش.
النابلسي الذي كان يذهب إلى عمان كما يذهب إلى رام الله، أصبح النهر حدودا جديدة، تمنعه من عبوره:
"ما عاد يسمح بالتنقل بينهما، وهنا بدأت ظاهرة التسلل عبر النهر" ص28،
ضيق مساحة/ مكان التنقل يعد أحد أثر الهزيمة على الفلسطيني، فهو يدفع ثمن حرب لم يخوضها، وإنما حرب خاضها العرب عنه.
أثار الهزيمة طال كافة نواحي الحياة، حتى أسريا، فهناك عائلات تفسخت وأصبحت موزعة بين غرب النهر وشرقه، بمعنى أن هناك تشرد/ هجرة جديدة أصابت الفلسطيني:
"وبعد اثني عشر عاما، مساء، ينتظر الناس عودة أم زياد من عملها في المدينة، ليخبروها إن زوجها الذي فقد في الحرب عاد؟" ص19،
في المقابل هناك عائلات تلاقى أفرادها:
"يجمعنا حزيران، مهزومين بأقاربنا، بعد شتات تسعة عشر عاما، لكنه يفرق العائلة من جديد. أحد أعمامي آثر أن يستقر في الشام" ص30،
فالحرب بالنسبة للفلسطيني ملازمة للهجرة:
"غدت بعض البيوت فارغة من سكانها، غادر قاطنوها إلى الضفة الشرقية من نهر الأردن" ص31،
نلاحظ تركيز الكاتب على الهجرة وأثرها على العائلات والأفراد، فهو المشرد من وطنه، اللاجئ يعلم جحم الألم الذي يلازم العائلة عندما تتشتت في بلاد لله الواسعة.
(التكيف) مع الاحتلال
الاحتلال أصبح واقعا ، وهذا فرض على الفلسطيني التعامل معه، فأخذ يتغلغل من خلال الاقتصاد: العمل، التجارة:
"أخذت بعض النسوة تعمل في المصانع الإسرائيلية" ص33،
ثم تحول هذا البعض إلى كثرة، إلى حالة عامة مقبولة ومحمودة: "فتحت المصانع الإسرائيلية أبوابها للرجال وللنساء ممن يرغبن، وأغدقت الأموال، ولم يبخل هؤلاء على أنفسهم، فإن الله يحب أن يرى أثر (إسرائيل) على الفلسطينيين، العبد الجديد للدولة الجديدة" ص50،
أعتقد أن هذا أخطر تحول جرى في المجتمع الفلسطيني، لأنه بعد ذلك سيترك الفلسطيني الأرض / الزراعية، لتمسي الأرض خربة خالية من الحياة، ويأتي المحتل بعدها ليستولي على الأرض أما بالشراء ـ فهي أرض بور وصخرية وليس لها فائدة ـ أو بالقوة القانون: (أملاك غائبين، أو بقرار قائد المنطقة العسكرية في يهودا والسامرة) الذي يمتلك القرار، حتى إخلاء البيوت من ساكنيها.
وبالنسبة للتجارة: "(غ.ق) أخذ يستورد زيت السيارات من إسرائيل" ص35،
رغم هذا (التلاقي) في المصالح، إلا أن بعض العقلاء كانوا يعرفون/ يعلمون أن هذا الأمر سيكون وبالا على الفلسطيني، ينقل لنا الكاتب ما كتبه "خليل السواحري" في "مجموعته القصصية "مقهى الباشورة وما كتبه "إميل حبيبي" في رواية "المتشائل"
" ما أكله الفلسطينيون بيضا سيخرجونه فروجا، وأن الاحتلال كما قال سعيد لأبي بطة "مثل الفجل، أوله منافع وآخره مدافع" ص36 ،
استشهاد الكاتب بأدباء سيقودنا ـ لاحقا ـ إلى فصل آخر في المذكرات متعلق بالأدباء والشعراء وأثرهم على الكاتب.
ومن التغييرات التي حدثت هذا الأمر:
"مركز شرطة غدا مركز تثقيف، ففيه نعقد المبارزات الشعرية وفيه يجتمع بعض الشباب" ص40.
أما جيش الاحتلال فكان بهذه الصورة:
"يركون شاحناتهم، ليتناولوا وجباتهم، فتيات يهوديات بضات ممتلئات يرتدين الملابس الصيفية الأنيقة...يتجولون في المعسكر ويجلسون بين الأشجار كما لو أنهم في نزهة" ص42،
توقف الكاتب عند هذا المشهد أراد به تأكيد راحة الجيش وعدم وجود مقاومة، بمعنى عدم وجود من يهدد أمن هؤلاء المحتلين، فكانوا في نزهة استجمام وليس في معسكر محاط بالأعداء.
من هنا عندما تم سؤل الأهلي عن الواقع الجديد أجابوا: "سبعين شالوم ولا اقلب" ص50، وهذا يعكس حجم الظلم ـ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ـ الذي وقع عليهم أيام حكم الأردن، مما جعلهم يفضلون المحتل.
ولم يقتصر الأمر على المفاضلة بين الأردن والاحتلال، بل طال أيضا المفاضلة بين الرأسمالي المحلي/ مصانع نابلس والرأسمالي اليهودي/ مصانع الاحتلال، ينقل لنا الكاتب رؤية احد العمال للواقع الجديد:
"هل كنت أستطيع أن ابني داري هذه، وأشار إليها، لو بقيت أعمل في المصنع في نابلس" ص52،
وهذا يؤكد أن هناك نهج استخدمه الاحتلال لقتل الصناعة والزراعية الوطنية، ليمسي العامل والفلاح مجرد أجراء عند المحتل، لتخلى له الأرض ويسهل السيطرة عليها، ولتغلق المصانع وينتهي إنتاجها، ليكون ـ المحتل ـ هو المتحكم فيما يصدره وينتجه لنا، ولنكون تحت أمره، وما نعانيه اليوم من انهيار اقتصادي، ما هو إلا نتيجة طبيعية لتسليمنا/ لقبولنا/ رضنا بإغلاق المصانع الوطنية، وترك الأرض والتخلي عن العمل فيها.

حقيقة الغرب من المسألة الفلسطينية

كل الحقائق تؤكد أن الإنجليز هم من أوجدوا وأسسوا ومهدوا لقيام دولة الاحتلال، وما كان لهذه الدولة أن تكون/ تقوم دون الإنجليز، الكاتب يكرر ما قاله أحد اليهود أثناء الحرب العالمية الثانية:
"إن انتصرت ألمانيا صرنا حميركم وركبتمونا، وإن انتصرت بريطانيا صرتم حميرنا وركبناكم" ص116،
هذا ما قاله اليهودي "صموئيل" لأب الكاتب، وهذا القول يعبر عن حقيقة الغرب من دولة الاحتلال ومن المأساة الفلسطينية، فالمقولة تختصر وتختزل كل التنظيرات والتحليلات والمقولات السياسية، وعلى المرء الذي يريد معرفة الحقيقة، أخذ ما قاله "صموئيل" كالحقيقة.

عادل الأسطة تأثر بما نقاله "صموئيل" لوالده وأخذ ينحاز للألمان حتى في لعبة الكرة، وتشجيع الفريق الألماني على حساب الفريق الإنجليزي، وأكثر من هذا، فذاهبه لتكمله تعليمه في ألمانيا له علاقة بموقف والده الإيجابي من الألمان:
"ولتكرار أبي العبارة مرارا، كررتها بدوري في كتاباتي مرارا، وهكذا وجدت نفسي ألمانيا، حتى قبل أن أذهب في عام 1987 إلى ألمانيا لأدرس فيها" ص116، وهذا يشير إلى أن الأب يؤثر في أولاده، وإن موقفه السياسي يمكن أن تورث ـ بنسب ـ للأولاد.

الجندي الأردني

يتوقف الكاتب عند أحداث متعلقة بالجنود الأردنيين، منها الإيجابي ومنها السلبي، ونبدأ بالموقف الإيجابي:
"الطائرات تغير والدبابة تقاوم والمبدع المضاد للطائرات يحاول شيئا.
هل كان اسم القائد (أبو هاشم)؟
سيشاع أن ضابطا إسرائيليا نزل من دبابته وأدى التحية العسكرية للشهيد أبي هاشم في وادي التفاح لأنه قاوم مقاومة باسلة ولم يترك دبابته لينجو بنفسه" ص11،
وهناك موقف آخر متعلقة بالجندي الذي كان يسمح لأهل المخيم بتعبئة المياه من عين داخل المعسكر:
"حيث يتواطأ معنا جندي أردني ويسمح لنا بتعبئة المياه أحيانا في ساعات الصباح" ص14،
نلاحظ أن المواقع متعلقة بذاكرة الكاتب وما عاشه وعرفه، لهذا هو أمين فيما ينقله لنا.
أما المشاهد السلبية فنجدها في هذا المقطع:
"الناس ما زالت تتحدث عن مصير الجنود الأردنيين الذين كانوا في المعسكر، وفي مخفر الشرطة، بل وفي مركز المقاطعة في المدينة، هل كان اسم قائد الشرطة في المدينة نصوح. هل هرب؟ وكيف هرب؟
الناس تتحدث عن طلب بعض هؤلاء الجنود، منهم ملابس مدنية ليرتدوها وليغادروا إلى الشرق، إلى دولتهم، هل تحدث الناس يوميا عن بعض جنود ارتدوا ملابس نساء. هل حدث هذا؟ هل أرادت الناس أن تسخر من الجنود الذين أهانوهم في عام 1966 في مظاهرات السموع؟
ثمة جندي في اليوم الأول للحرب أخذ يتجول في شوارع المخيم، يطلب من الناس أن يلتزموا بيوتهم، وقيل إنه يتلصص على بيت (أم محمد) فضربته وصرخت ليتجمع الناس، وشاعت الحكاية، وغدت على لسان أهل الحارة" ص18،
نلاحظ حيادية الكاتب في نقل ما شاهده وسمعه، فهو ينقل الأحداث كما عرفنا، وما الأسئلة التي يطرحها إلا صورة عن موقف الشعب من هؤلاء الجنود وما لاقوه منهم من معامله إيجابية أو سلبية.

المكان

مخيم عسكر ومدينة نابلس هما مركز الأحداث، فرغم أن الكاتب ينقلنا إلى أكثر من مكان، عمان، الجامعة الأردنية، مخيم الحسين، إلا أنه ركز على المدينة والمخيم:
"غرفة هنا وغرفة هناك، ومساحة تفصل بينهما، وهي غير مسقوفة، فإذا حل الشتاء كان لا بد من شادر، وكانت رياح العطر الفرنسي الفاخر تهب علينا وتنتشر في بيتنا من مراحيض الجيران المحيطين بنا حائطا حائطا، من الجهتين العربية والجنوبية" ص153،
وهذا ما جعل الكاتب يطلق على هذه البيوت، الغرف "غرف حجا" كتعبير عن عدم ملائمتها للحياة الإنسانية ولافتقادها لأبسط الخصوصية لساكنيها.

عبد الناصر

يتوقف الكاتب عند عبد الناصر في أكثر من حالة، فقبل الحرب يتحدث عن التنسيق واللقاء الذي تم بين الملك حسين وعبد الناصر، وكيف تناولت الجماهير هذا اللقاء: "بدنا الوحدة باكر باكر، مع هالأسمر عبد الناصر، وتناسى الناس تظاهراتهم ضد الملك الأردني، إثر أحداث السموع وتناسوا تخوينهم له" ص35، فهذا المشهد يؤكد سطوة عبد الناصر على المنطقة العربية، جماهيريا ورسميا، فأي خطوة/ قرار يتخذه تؤيده الجماهير العربية وحكوماتها.
في بداية الحرب كان الناس تردد هذه العبار: "عبد الناصر يا حبيب، اضرب اضرب تل أبيب" ص7 وبعد الحرب، ورغم الهزيمة التي لحقت بفلسطين والمنطقة العربية، إلا أن الناس بقيت متعلقة بهذا القائد وهذا ما جعل بلدية نابلس تسمي أهم معلم فيها باسم عبد الناصر: "في نابلس، الآن متنزه اسمه متنزه عبد الناصر، وكان يومها أرضا جرداء مهملة، وهكذا سأنفق، ومعي عشرات الشباب، أسبوعين كاملين في تنظيف تلك الأرض التي ستغدو متنزها جميلا لأبناء المدينة يدخلون إليه مجانا دون اصطحاب عائلاتهم، كما يشترط متنزه العائلات" ص53، وبعد وفاته نجد الجماهير النابلسية: "يوم مات جنازة لم تشهدها المدينة، بعدها ولا قبلها، جنازة مثلها وكانت الجماهير المشاركة تكرر العبارة: (إلى السماء، إلى السماء/ يا حبيب الملايين/ سنقاتل سنقاتل أجمعين)" ص53، هذه صورة عبد الناصر ومأثره في الجماهير العربي ـ رغم الهزيمة ـ كانت الناس مؤمنة بقيادة عبد الناصر ودوره وإخلاصه للقضايا العربية، وهذا بمثل ردا حاسما على ما روجه الإخوان المسلمين عن هذه القامة القومية والوطنية والإنسانية: "عبد الناصر ماسوني، ورقمه في المحفل 33، فموقف الجماهير من عبد الناصر استندت على حقائق/ أحداث/ أفعال قام بها عبد الناصر، خاصة تلك المتعلقة بالفلسطينيين: "كان النظام الناصري درب مجموعات من شباب غزة وأعطاهم أسلحة" ص 76، من هنا نجد هذا الرجل حاضرا ومازالت جماعية الإخوان تهاجمه وتعبره أكبر عدو للمسلمين، كحال الصهاينة تماما الذين يعتبرونه أخطر عدو واجههم.
الكتاب والأدباء
يتوقف "عادل الأسطة" عند العديد من الكتاب والأدباء وهذا يعكس اهتمامه الأدبي ودوره كمحاضر جامعي بالأدباء والكتاب، لكن أكثر من توقف عندهم هو إميل حبيبي ورواية المتشائل، التي نجد أثرها في هذه المذكرات، ففي بدايات الكتاب وجدناه يميل إلى الأدب الساخر، فكان ذكره للمتشائل وكأنه أراد به (نكز) القارئ للتوقف عند السخرية التي جاءت في بالبداية المذكرات.
كما يتوقف عند "محمود درويش وغسان كنفاني وأحمد دحبور، وعبد الرحمن منيف، سميح القاسم وتوفيق زياد، راشد حسين، فدوى وإبراهيم طوقان، ويحيى يخلف وإلياس خوري، الطيب صالح، نجيب محفوظ، توفيق الحكيم، مظفر النواب، إسماعيل فهد إسماعيل" ومدرسيه الأخوين "هاشم وعبد الرحمن ياغى" وغيرهم الكثير، بالتأكيد هذا التناول والتوقف يثير المتلقي ويجعله يتجه للتعرف على أعمال من ذكرهم الكاتب.
طريقة تقديم الكتاب
يقدم "عادل الأسطة" الكتاب من خلال سبعين محطة، تبدأ ب"شظايا ذاكرة" وتنتهي ب"الحلقة الأخيرة، يذهب حزيران، ويأتي حزيران: كأنه لا ينتهي" وهذا الشكل من التقديم ـ تجزئة الكتاب إلى حلقات قصيرة ـ سهل على القارئ تناول أحداثا قاسية ومؤلمة.
ويستوقفنا استخدام الرقم سبعين الذي يقودنا إلى طريقة تناوله في المذكرات: "ولأن الله خلق الأرض في سبعة أيام، ولأن سورة يوسف تأتي على سبع سنوات عجاف...فإن الرقم سبعة كان رقما متميزا وله حضوره،...سيمكثون سبعة أسابيع أو سبعة أشهر أو سبع سنوات" ص22، فالكاتب يبدو وكأنه (أخذ) بقول الشخص الذي حلل وتحدث عن بقاء واستمرار دولة الاحتلال في كتابه، أم أن ذلك له علاقة بعمر الكاتب بعد أن أصبح في العقد السابع؟ وأراد القول: إنه عاش ويعيش هزائم متلاحقة ومكررة ومتتابع؟
بقي الإشارة إلى العنوان: "حزيران الذي لا ينتهي شظايا ذاكرة 1967-1982" وهزائم العرب المتكررة، عام48، عام67، عام 82، لكن منهما هزيمتين فقط عاشهما الكاتب، وهما تركتا أثرا على مستقبل فلسطين والمنطقة العربية، فالهزمة 67 (أسقطت) النظام الرسمي العربي وكشفت عيوبه، وحرب حزيران عام 82 تعد ـ في ذلك الحين ـ أطول حرب خاطها جيش الاحتلال، حيث استمرت الحرب حتى أيلول وخروج الثورة الفلسطينية من بيروت، ليقوم بعدها مباشرة بمجزرة صبرا وشاتيلا التي قتل فيها أكثر من خمسة ألاف مدني فلسطيني ولبناني، ولتنتهي بعدها مكانة بيروت كعاصة للثورة/ هانوي العرب، ويبدأ عصر جديد، عصر تراجع مكانة المعارضة العربية، السياسية والفكرية والثقافية والأدبية، فقد تم نهب مركز الأبحاث والدراسات الفلسطينية في بيروت الذي يعد أهم مركز أبحاث في الوطن العربي، وليتشتت/ يتوزع العاملون فيه على أكثر من مكان ودولة كحال الفدائيين، ويضعف الإنتاج الفكري والمعرفي ثم يضمحل، ليظهر بعد ذلك (الفكر) الأسود، الفكر الذي أوجد القاعدة والنصرة وداعش، وليتم بعدها قتل النسيج الاجتماعي العربي، ولتكون (السنة والجماعية) هي الدين الجديد للمنطقة العربية، ولتكون أمريكيا/ إسرائيل الرب المعبود وما دونها يعد كفرا وزنقة! ومن لا يقدم القرابين والعطايا والهدايا للرب الجديد فلا تقبل طاعته!

4
حزيران الذي لا ينتهي: الذاكرة حين تعيد هندسة الزمن الفلسطيني

اياد شماسنة ة: شاعر وروائي فلسطيني

لا يمكن اعتبار كتاب عادل الأسطة، حزيران الذي لا ينتهي: شظايا ذاكرة 1967-1982، عملاً عن هزيمة مضت، بل عن زمنٍ سائل ما زال يتسرب فينا. فحزيران ، في الكتاب، ليس مجرد تاريخ عسكري، ولا كارثة وطنية أُغلقت وفق حساب البيانات، بل بنية عميقة تنظّم الخوف والعمل واللغة وصورة الذات والآخرين. تأتي أهمية الكتاب من من قدرته على تفكيك اللحظة التي يتحول فيها الحدث السياسي إلى نظام للحياة، بحيث لا يعود الماضي خلفنا، بل يسكن تفاصيل الحاضر، ويعيد ترتيب ما نأكل، وما نقول، وما نخاف، وما نتذكر وما ننسى.
يضع النص قارئه أمام معضلة وجودية منذ عنوانه: هل يمكن لهزيمة واحدة أن تتمدد حتى تستوعب عمراً كاملاً؟
لا يقدّم الأسطة سيرة ذاتية بالمعنى التقليدي، ولا رواية تاريخية محكمة البناء، بل نصاً من طينة ثالثة: شظايا ذاكرة. والشظية، بطبيعتها، ليست جزءاً هادئاً من كلٍّ مستقر، بل أثر انفجارٍ لن يستعيد وحدته الأولى. لذلك لن يتم التعامل مع تشظي الكتاب بوصفه خللاً شكلياً خالصاً؛ إنه الشكل الذي عثرت عليه الذاكرة بعد الكارثة كي تقول نفسها.

الشظية بوصفها معرفة

لا تتحرك الذاكرة الفلسطينية، في هذا السياق، في خط مستقيم، بل تومض، تنقطع، تعود، وتترك بين مشهد وآخر فراغاً صامتاً أشد بلاغة أحياناً من الكلام.
صدر النص أولاً في فضاءات الفيسبوك، ثم انتقل إلى الكتاب الورقي، وهذه الهجرة تكشف عن طبيعة الكتابة نفسها: فهي قريبة من اليومي، سريعة الالتقاط، مفتوحة على الاعتراف والاستدراك. يمنحها ذلك حرارة نادرة، لكنه يترك فيها أيضاً أثراً واضحاً من الارتجال: تكرار، استطراد، تفاوت في الكثافة، وانتقال أحياناً من المشهد الدقيق إلى التعليق المباشر. غير أن الإنصاف النقدي لا يعني إلغاء هذه الخشونة، بل فهمها ضمن شروطها. فالكتاب، في جوهره، ليس نصاً مصقولاً عن ذاكرة مستقرة، بل وثيقة جمالية عن ذاكرة لم تُصفَّ بعد.

حين يدخل التاريخ إلى البيت

تبدأ قوة العمل من اختيار موقع الشهادة، فالأسطة لا يتحدث عن حزيران من منصة المؤرخ الذي يتابع الجيوش والخرائط، بل من عين طفل في الثالثة عشرة يرى التاريخ وهو يدخل البيت. يبدأ الاحتلال أولا كتحول في الحدود وتحركها ، ثم كاضطراب في العيش: أم مريضة، بندقية أب تُسلَّم إلى عدو ، بيت مكتظ، شارع مرتبك، شائعة تسبق الحقيقة، وباعة يصرخون بالعبرية للجنود: "شكاديما توف يا خواجة". في هذا المشهد الصغير تختصر فلسفة البقاء كلها؛ فالناس لا يملكون رفاهية انتظار المعنى قبل استئناف الحياة. الحياة لا تنتظر الحداد، وهذا ما يجعل الهزيمة أكثر قسوة: أنها لا توقف الخبز، ولا السوق، ولا الحاجة، بل تعيد تشكيلها تحت سلطة المنتصر.

سياسة الحياة اليومية

هنا يبلغ النص أحد أعماقه الأنثروبولوجية. فالاحتلال لا يستولي على الأرض وحدها؛ إنه يدخل الذوق والجسد والبيت وسوق العمل. الدجاج الإسرائيلي، البيض المرقّم، الثلاجات المستعملة، سمسرة العمال، وامتلاء البيوت بما يسميه الكاتب "زبالة الإسرائيليين"، ليست تفاصيل عابرة، يراها الكاتب، وهي كذلك، علامات على إعادة إنتاج الهزيمة وتحويلها إلى اقتصاد يومي. بهذا المعنى، يكتب الأسطة تاريخاً مضاداً للتاريخ الرسمي: غير تاريخ الزعيم والبيان والجبهة، إنه تاريخ الطريق والفرن والمقهى والطالب والعامل واليد التي تتعلم كيف تنجو. إنها السياسة حين تهبط من المنبر الإعلامي إلى الجسد.

ضد طهارة السرد الوطني

لعل أهم ما يفعله الكتاب أنه يكسر طهارة السرد الوطني من الداخل. فالراوي يضع نفسه خارج المشهد ليرى من خارج الوحل، ثم يعترف بتورطه فيه. هو الطفل الذي يبيع للمحتلين، والذي يرى، ويشتهي، ويخاف، ويخطئ، ويستغرب، ثم يعود بعد عقود ليقرأ تلك الصورة بعين مثقف يعرف أن البراءة الكاملة وهمٌ أخلاقي مريح. هذا الاعتراف أكثر نبلاً من التبرئة. فالضحية ليست فكرة نقية نقاء مطلقا، بل حياة وبشر يعيشون داخل شروط قاسية ومتناقضة: يخافون ويقاومون، يساومون ويصمدون، يضحكون ويسقطون، ثم يبحثون عن لغة لا تخون تجربتهم.

السخرية كأداة مقاومة معرفية

من هذه الزاوية تتخذ السخرية وظيفة معرفية. فهي وسيلة لمنع الجرح من التحول إلى صنم. فالمجتمعات المجروحة تميل أحياناً إلى تقديس جراحها، وحين يُقدَّس الجرح يمتنع فهمه. السخرية عند الأسطة تفتح ثقباً في البلاغة الثقيلة، وتعيد الإنسان إلى تعقيده. لكنها، في بعض المواضع، تحتاج إلى مسافة تحريرية أوضح كي لا تنزلق إلى خشونة أو تعميم. إن نقل الوعي المتوتر لا يعني تبنّيه كاملاً؛ والشهادة، حين تُهذَّب بذكاء، لا تفقد صدقها، بل تزداد قدرة على كشف العنف من دون إعادة إنتاجه.

فجوة البلاغة والواقع

يفضح الكتاب كذلك الفجوة بين البلاغة والواقع. قبل حزيران وبعده، عاشت الثقافة العربية زمناً طويلاً من فائض اللغة والمجاز: إذاعات تصنع انتصارات وهمية، قصائد تؤجل الهزيمة بتحويلها إلى وعد بالخلاص، وتنظيمات تستمد شرعيتها من قاموس البطولة المتراكم. مع ذلك، لا يهاجم الأسطة الأدب، فهو ابن الأدب والجامعة والقراءة، لكنه يختبر اللغة أمام التجربة. بين بندقية القصيدة وبندقية الأب، التي تُسلَّم في الواقع، مسافة أخلاقية هائلة. في هذه المسافة يتشكل وعي الكاتب: قد تنقذ اللغة من الانهيار، لكنها قد تخدع أيضاً؛ وقد تمنح المهزوم اسماً، لكنها قد تحجب عنه رؤية الهزيمة كما هي.

الأدب وسيطاً لإدراك الذات

لذلك يحضر الأدب في الكتاب بوصفه وسيطاً لإدراك الذات وفهمها. يحضر كل من درويش وكنفاني وإميل حبيبي وسحر خليفة وفدوى طوقان ونزار قباني في هامش الذاكرة، كمرجعيات تأويل تقيس بها الذات صورتها. غير أن تكرار الإحالات الأدبية يتحول أحياناً إلى درع يحمي النص من مواجهة تجربته مباشرة. كأن الأدب، في بعض اللحظات، "قبيلة" إنقاذ يستدعيها الكاتب كلما اشتد التوتر. ومع ذلك، فإن قيمة هذه الإحالات تكمن في أنها تكشف كيف يتشكل الوعي الفلسطيني بين التجربة والنص، بين ما حدث فعلاً، وما وفّرته اللغة من نماذج لفهم ما حدث.

الطبقة وولادة الوعي

ويتضح في العمل أيضا بعدٌ طبقي لا يقل أهمية عن بعده الوطني. فالمثقف في فلسطين المحتلة لا يولد في مكتبة محايدة، بل في مخيم أو زقاق، في عائلة عاملة، وفي شروط مادية صعبة، وبين مدارس وأسواق وأعمال عابرة. لكن الكتاب لا يقدم حكاية صعود فردي بقدر ما يمدنا ببيان غير مباشر عن الطريقة التي تصنع بها الكارثة فرصاً مشوهة للمعرفة. فالهزيمة تسحق الجماعة، ومع ذلك تفتح شقوقاً يدخل منها بعض الأفراد إلى التعليم والقراءة والكتابة. ذلك لا يبرئ الكارثة، لكنه يكشف أن التاريخ لا يعمل بأخلاق بسيطة، وأن الوعي قد ينمو أحياناً في الأماكن التي كان يفترض بها أن تقتله.

حاجة النص إلى تحرير

يحتاج الكتاب إلى تحرير، بسبب طبيعته وتكوينه الفيسبوكي، وذلك لا يغيّر روحه، بل يحرر طاقته. إنه في لحظاته العليا، يبلغ كثافة مؤثرة؛ وفي لحظاته الأضعف، يشرح ما كان المشهد قادراً على قوله وحده. ليس المطلوب تعقيم اللغة، ولا إزالة آثار الفيسبوك من النص كلياً، بل شد الإيقاع، حذف الزائد، تقليل التفسير، ومنح الشظايا نظاماً داخلياً أكثر صرامة. فالجرح الكبير، والذاكرة المكسورة لا تعفي الكاتب من مسؤولية البناء الفني.

انكسار الزمن الفلسطيني

ومع ذلك، فإن القيمة العميقة للعمل تتجاوز نواقصه. إنه يقرأ 1967 بوصفها تهشما في مفهوم الزمن. كان العربي ينتظر المستقبل كخلاص، فإذا بالمستقبل يتأجل أو يعود في صورة هزيمة أخرى. وحين يصل النص إلى 1982، حرب لبنان مرآة لحزيران أول. لا يتقدم الزمن ببراءة، لكنه يدور حول جرح مفتوح؛ وكل بداية تحمل ذاكرة النهايات السابقة.
لهذا يمكن "قراءة حزيران الذي لا ينتهي" ضمن أدب ما بعد الكارثة. كيف تنبش الذاكرة الحقيقة من دون أن تتحول إلى محكمة؟ كيف يدين الأدب الاحتلال من دون أن يحوّل الفلسطيني إلى رمز بلا تناقضات؟ وكيف يكتب المرء عن جماعته بحب لا يلغي النقد؟ هذه الأسئلة تمنح الكتاب قيمته العالمية. فالقارئ غير الفلسطيني لا يحتاج إلى تحويل التجربة إلى استعارة عامة تفرغها من سياقها، بل إلى فهم أن الاستعمار الطويل لا يسيطر على الأرض وحدها؛ إنه يعيد تشكيل الزمن، ويعلّم الناس كيف ينتظرون، وكيف يسخرون، وكيف ينجون.
وتزداد أهمية العمل لأنه يذكّر النقد العربي بأن الشهادة ليست مادة خاماً تنتظر الناقد كي يمنحها المعنى من الخارج، بل شكل من التفكير في الذات. حين يكتب الأسطة عن الخوف والبيع والعمل والمدرسة والجامعة، فإنه لا يراكم ذكريات متفرقة، بل يبني متحفا أخلاقياً للحياة تحت القهر. هذا المتحف لا يطلب شفقة، ولا يكتفي بالإدانة، لكنه يطالب قارئه بأن يرى كيف تتسلل السياسة إلى العادة، وكيف يصير اليومي أعمق سجل للتاريخ.

سؤال اليوم الذي صار عمراً

يقدم الأسطة نصاً ضرورياً لأنه يرفض النقاء. لا يقدس الذات، ولا يبرئ الجماعة، ولا يترك الاحتلال خارج الإدانة. قوته في عيوبه أحياناً، لأن هذه العيوب تشبه ذاكرة لم تُصفَّ بعد. إنه نص عن الهزيمة، لكنه ليس مهزوماً؛ نص عن الذاكرة، لكنه لا يستسلم للحنين؛ ونص عن فلسطين، لكنه يضع أمام العالم سؤالاً أعمق من الجغرافيا: ماذا يحدث لشعب حين يتحول يوم واحد في التاريخ إلى عمر كامل؟

نشر في جريدة الأيام الجزائرية في بداية شهر آب ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى