شبكات التواصل الاجتماعي، هل فيها خيرٌ أم شر للمجتمعات؟

في الماضي القريب، عندما يريد بعض الناس، وخصوصا، الأطفال والشباب، التَّكلُّمَ أمام الجمهور، يتردَّدون كثيرا قبل الشروع في هذا التَّكلُّم. وهنا، أريد أن أوضِّحَ أن هذا النوعَ من الناس، أطفال وشباب، عندما يقرِّر عدمَ التَّكلُّمِ أمام الجمهور، فهذا التَّراجع له سببٌ رئيسي يمكن تلخيصُه في امتزاجٍ قوي تختلط فيه الفرحةُ la joie مع الضغطُ le stress. الفرحة المُترتِّبة عن الوقوف أمامَ الجمهور لأول مرة. والضغط الذي قد يُتَرجم بردود فعلٍ جسدية corporelles كارتعاش أصابع اليد، وبردودٍ انفِعالِيةٍ émotionnelles كضيق التنفُُس والخوف. والتَّكلُّم أمام الجمهور، إن لم يكن الأطفالُ والشبابُ مُتعوِّدين عليه، يتطلَّب أن تكونَ لهؤلاء الأطفال والشباب، شجاعةً وجرأةً كافيتين.

اليوم، كل هذه العوائق والصفات سقطت، ولم يعد المُتكلِّمُ، أمام الجمهور، في حاجةٍ لها. وسببُ سقوط هذه العوائق والصفات، ظهورُ شبكات التواصل الاجتماعي. يكفي أن يتوفَّر الطفلُ أو الشاب على هاتفٍ ذكي un smartphone وربطٍ connexion بالأنترنت internet وعلى قليلٍ من الوقاحة l'insolence والبذاءة l'impudeur ليُصبحَ من صُنَّاع المحتوى créateur de contenu. لكن أي محتوى! محتوى، في غالب الأحيان، تطغيان عليه التفاهة la futilité والرداءة la médiocrité.

وهنا، أريد أن أفتحَ قوساً لأُثيرَ الانتباهَ أن الأهدافَ الأساسيةَ والنبيلةَ لإحداث شبكات التواصل الاجتماعي، هو تمكين المجتمعات البشرية من ربط الاتصال فيما بينها، وإيجاد أجوبة على بعض الأسئلة، وتنمية المعارف العلمية وجعلها في متناول الجميع، والبحث عن أخبار العالم، وتبادل الآراء، وفتح نقاشاتٍ مفيدة حول مواضيع اجتماعية، اقتصادية، ثقافية… وكل ما من شأنه أن يفيدَ ويُستفادُ منه. وبصفة عامة، شبكات التواصل الاجتماعي تفتح البابَ، على مصراعيه، للتّعوُّد على الفكر النقدي la pensée critique وعلى التَّحرُّر الاجتماعي l'émancipation sociale.

لكن، سرعان ما انقلبت هذه الشبكات إلى وسائلَ لنَشرِ التفاهة والرداءة والإساءة للغير والنيل من كرامة الناس والخلطِ بين حرية التعبير وحرية الغير… إلى درجة أن أحسن مَن ينشر التفاهةَ والرداءة، هو "صانِع المحتوى" الذي له أتباعٌ يُحسَبون بالآلاف، إن لم نقل بالملايين. وكلما انتقل "صانِع المحتوى" من مستوى رديء إلى أردَءِ منه، كلما زاد وتضاعف عددُ مُتابعِيه. و"صانِع المحتوىً" الذكي هو الذي يستجيب لطلب المُتابعين في المزيد من التَّفاهة. و"صانِع المحتوى" الناجح هو الذي لا يحترِم الحياة الخاصة للآخرين. بل يدخلها بسهولة ويُعرِّي على كل ما تَنفرِد به من خبايا وحميمية intimité.

ولعلَّ أرعن irresponsable "صُنَّاع المحتوى" رُعونةً insouciance وابتِعاداً عن المسؤولية، هو الشخصُ الذي يتدخَّل، بكل وقاحة، في الحياة الخاصة للفنانين والفنانات، ويجعل منها، بدون تردُّدٍ، مصدرا للربح والمُتاجرة un fonds de commerce.

هذا النوع من "صانِعي المحتوى" لا يرى في شبكات التواصل الاجتماعي إلا مصدرا لمَلءِ الجيوب، ولا يرى فيها، أبدا وعلى الإطلاق، وسيلةً لمُناقشة القضايا التي لها علاقة بجودة حياة الناس اليومية كالبِطالة والتَّضخُّم وكرامَة العيش والوعي السياسي والحقوق المهضومة… وكأن شبكات التواصل الاجتماعي لها نجومُها، وهم "صانِعو المحتوى" التافه والرَّديء، وتصلح، فقط، لنشر التفاهة والرداءة، في غيابٍ صارخٍ للكُتَّاب والمُثقفين والمُفكِّرين والإعلاميين المُحنَّكين والفلاسِفة والنُّقَّاد…

وهذا الفراغ الذي تركته هِجرةُ المُثقفين والمُفكِّرين لشبكات التواصل الاجتماعي، استغلَّه ويستغِلُّه "صانِعو المحتوى" ببراعةٍ، مما جعل مُتابعي التفاهة يتكاثرون ويلتفُّون حول "صانِعي المحتوى" لمُتابعة فيديو يحكي خصومةً بين أفراد أسرة أو بين زوجين أو خصومة ناتِجة عن أرثٍ…

والطامة الكبرى تحدث عندما يتحوَّل "صانِع المحتوى"، من وضع الصُّنع المحض إلى وضع المؤثِّر l’influenceur، علماً أنه، إذا تغيَّر الوضعُ، فالقاعِدة لا تتغير : مزيدٌ من الربح والمُتاجرة بأحوال الناس. والحقيقة، كل الحقيقة، أن ما يُسمِّيه المؤثِّرون "التَّأثير" l'influence لا يُؤثِّر إلا على مَن يفضِّل التفاهة على العقلانية la rationalité.

والدليل على ذلك أن تأثيرَ المؤثِّرين لا تأثيرَ له على المشاكل الحقيقية للناس التي يُصادِفونها في حياتهم اليومية. وحتى إن وُجِدَ هذا النوع من المُؤثِّرين، فإنهم نقطةٌ في مُحيطٍ شاسع الأطراف.

لكن، كما يقول المثلُ الشعبي المشهور : "كُلْ الزِّينْ ما خْطاتو لُولا"، أي أن كلَّ شيءٍ، في هذه الحياة، له محاسِنُه ses avantages وله مَساوئه ses inconvénients. ومن بين المحاسن، يقول العقل السليم أن خلقَ شبكات التواصل الاجتماعي له أهدافٌ نبيلةٌ، كما سبق الذكرُ. أما المساوئ، فأكبرها هو الإدمان l'addiction على شبكات التواصل الاجتماعي، أي أن الإقبالَ على هذه الشبكات يصبِح بمثابة مُخدِّر لا يمكن الاستغناءُ عنه، نفسياً. فترى الشبابَ وحتى الأطفالَ يُمضون ساتاتٍ طوالاً أمام شاشات الهواتف الذكية les smartphones أو الحاسوب، إلى درجة أن هؤلاء الشباب والأطفال أصبحوا لا يفرِّقون بين ما هو واقعي réel وما هو افتراضي virtuel.

وانطلاقا من هذا الوضع المُتردِّد cette situation hésitante، فلا غرابةَ أن يتحوَّلَ "صانِعو المحتوى" les créateurs de contenus أو "المؤثرون" les influenceurs من وضعٍ إلى آخر، قد يجعل منهم أطباء أو متخصِّصون في علم النفس أو في القانون. ما يهمُّهم هو زيادة الربح والضحك على الدقون واستغلال سذاجة naïveté المُتابعين.

و"المؤثِّرون" الأذكياء les influenceurs intelligents، عندما يريدون التَّواصلَ مع مُتابعيهم، غالبا ما يستعمِلون أسلوباً للتواصل يعتمِد على تكرار répétition نفس الأفكار، هادفين من وراء هذا التكرار، أن تترسَّخ هذه الأفكار في عقول المُتابعين لتصبح حقائق لا جدالَ فيها، أي لا يمكن أن تُنتَقَد أو يحوم حولها بصيصٌ من الشك. وهذا هو ما يسعى له "صانِع المحتوى"، أي أن يثِقَ فيه المتابعون ثقةً عمياء، خالية من النقد la critique ومن التفكير la pensée. غير أن هذا النوع من التواصل، عوض أن يبني، يُهدِّم. يهدِّم العقلانية والنقد والتفكير الجيد، ويبني الجمود الفكري l'immobilisme intellectuel والتقليد وعدمَ الفهم والإدراك.

غير أن "صانِعي المحتوى" و"المُؤثرين" لا يمكن وضعهم في نفس الخندق. فمن بين "صانعي المحتوى" و"المؤثرين"، أُناسٌ لهم خطابٌ محترَم ومُحترِمٌ للغير un discours respecté et respectueux، هدفُهم الوحيد هو التنوير والتثقيف.

والآن، دعوني أجيب على السؤال الذي هو عنوان هذه المقالة، أي "شبكات التواصل الاجتماعي، هل فيها خيرٌ أم شر للمجتمعات؟

جوابا على هذا السؤال، أقول إن هذه الشبكات فيها خيرٌ، وفي الوقت نفسه، فيها شرٌّ للمجتمعات البشرية. وهذا يعني أن الأمرَ له علاقة بكيفية استِعمالِها. وكيفية استِعمالها له علاقة بالتربية الحسنة la bonne éducation. والتربية الحسنة تبدأ بالأسرة وتستمر في المدرسة. وحتى تؤدي الأسرةُ والمدرسةُ دورَهما كامِلا في تربية الناشئة، يجب على هذين المُكوِّنين الأساسيين للمجتمع، أن يكونا مُنفَتِحين على الحياة وعلى ما يجري في الواقع اليومي للناس، بخيره وشره. هكذا هي الحياة! فيها ما يُفرِح وفيها ما يُقرِح. فيها يتعلَّم الناس ما داموا أحياء.

وأخيرا، هناك سؤالٌ لا مفرَّ منه : هل نريد فضاءً رقميا un espace numérique تسود فيه الوقاحة l'insolence والتفاهة la futilité والرداءة la médiocrité، أو نريد فضاءً تسود فيه العقلانية la rationalité والنقد la critique والتفكير، أي يعطي للكلمة ما تستحِقُّه من معنى وما يختبئ وراءها من حكمة وإفادة واستفادة. لأن الأمرَ لا يتعلَّق، فقط، بمحتوى، لكن بصَيرورة مجتمع لا بتوقَّف عن التَّعلُّم l'apprentissage من الحياة ومن أجل الحياة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى