مطلوب إعادة النظر في تطبيق المرسوم بقانون فيما يخص الأسرى والجرحى والشهداء

مطلوب إعادة النظر في تطبيق المرسوم بقانون فيما يخص الأسرى والجرحى والشهداء

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

تشكل قضية أسر الشهداء والأسرى والجرحى إحدى القضايا الوطنية المركزية في الحياة السياسية الفلسطينية، ليس فقط لما تمثله من بعد إنساني واجتماعي، وإنما لارتباطها المباشر بتاريخ النضال الوطني الفلسطيني وتضحيات آلاف الفلسطينيين الذين دفعوا أثماناً باهظة في سبيل الدفاع عن حقوق شعبهم وتطلعاته الوطنية.

وفي ظل المتغيرات الإدارية والمالية التي تشهدها المؤسسات الفلسطينية، وما يرافقها من جهود إصلاح وتطوير للمنظومة الحكومية، برزت نقاشات واسعة حول آليات تنفيذ القرار بقانون المتعلق بأسر الشهداء والأسرى والجرحى، ومدى قدرة هذه الآليات على تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي والإداري ومتطلبات الدول المانحة من جهة، والحفاظ على الحقوق الوطنية لهذه الشريحة ومكانتها المعنوية والقانونية من جهة أخرى.

إن جوهر النقاش لا يتعلق بأهمية الإصلاح المؤسسي، باعتباره ضرورة وطنية لتعزيز الكفاءة والشفافية وترشيد الإنفاق العام، بل يتركز حول الكيفية التي يمكن من خلالها تنفيذ الإصلاح دون المساس بالخصوصية الوطنية والقانونية لقضية ارتبطت لعقود طويلة بالهوية الوطنية الفلسطينية وبالمسؤولية الجماعية تجاه من قدموا التضحيات دفاعاً عن القضية والوطن .

ومن منظور قانوني، فإن مكانة أسر الشهداء والأسرى والجرحى تستند إلى منظومة متكاملة من المرجعيات الوطنية والقانونية، بدءاً من القانون الأساسي الفلسطيني، مروراً بالأنظمة والقرارات الصادرة عن مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وانتهاءً بالالتزامات التي تترتب على دولة فلسطين بموجب انضمامها إلى عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والحماية الاجتماعية وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة.

كما أن التجربة الوطنية الفلسطينية كرست عبر عقود طويلة مبدأ اعتبار هذه الفئات جزءاً من الذاكرة الوطنية ومن منظومة الصمود الوطني، الأمر الذي يفرض مقاربة متوازنة تراعي خصوصية هذه القضية عند وضع السياسات التنفيذية المتعلقة بها.

وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحة إلى بلورة آلية تنفيذية واضحة ومتكاملة للقرار بقانون، تقوم على أسس قانونية ومؤسسية تضمن استمرارية الحقوق وتحافظ على الاستقرار الاجتماعي وتعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات العامة.

ولعل المدخل الأكثر توازناً يتمثل في تشكيل لجنة وطنية متخصصة تضم ممثلين عن الجهات الرسمية ذات العلاقة، ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والهيئات المختصة بشؤون الأسرى والجرحى وأسر الشهداء، إضافة إلى شخصيات قانونية واقتصادية مستقلة وممثلين عن الفئات المعنية. وتتولى هذه اللجنة مراجعة آليات التنفيذ الحالية وتقييم آثارها واقتراح التعديلات اللازمة بما يحقق العدالة والشفافية ويحفظ الحقوق المكتسبة.

كما أن من الضروري التمييز بين البعد الوطني لهذه الحقوق وبين برامج الحماية الاجتماعية العامة. فالحقوق المرتبطة بأسر الشهداء والأسرى والجرحى تستند إلى اعتبارات وطنية وقانونية خاصة، بينما تبقى برامج الحماية الاجتماعية جزءاً من مسؤولية الدولة تجاه مختلف الفئات المحتاجة وفق معايير العدالة الاجتماعية.

وفي الوقت ذاته، فإن تطوير آليات الرقابة والمتابعة والتدقيق المالي والإداري يشكل ضرورة لا غنى عنها لضمان حسن إدارة الموارد العامة وتعزيز النزاهة والحوكمة الرشيدة، بما يخدم المصلحة الوطنية ويحافظ على استدامة البرامج والخدمات المقدمة للمواطنين.

إن المرحلة الراهنة تتطلب حواراً وطنياً مسؤولاً يبتعد عن الاستقطاب والانفعال، ويركز على إيجاد حلول عملية ومتوازنة تحمي الحقوق وتصون الكرامة الوطنية وتعزز الثقة بالمؤسسات. فالمجتمعات التي تحترم تضحيات أبنائها وتؤسس سياساتها العامة على مبادئ العدالة وسيادة القانون هي الأقدر على مواجهة التحديات وتعزيز تماسكها الداخلي.

ويبقى الحفاظ على حقوق أسر الشهداء والأسرى والجرحى، ضمن إطار قانوني ومؤسسي واضح ومستدام، جزءاً أصيلاً من منظومة الوفاء الوطني ومن مسؤولية الدولة ومؤسساتها، بما ينسجم مع مبادئ القانون والعدالة ومتطلبات الإصلاح، ويعزز صمود المجتمع الفلسطيني وقدرته على مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى