ملخص تنفيذي
ينطلق هذا المقال من ملاحظة فجوة متكررة في السياسة العربية والإقليمية والدولية: الحضور الكثيف لفلسطين في الخطاب السياسي والشعارات التعبوية، مقابل تراجعها في لحظات التفاوض الواقعي وحسابات الدولة المرتبطة بالأمن والاقتصاد والتسويات. ويجادل بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على الحالة الإيرانية، كما يقال حاليا، بل تعكس نمطا بنيويا أوسع يشمل مختلف الفاعلين العرب والإقليميين والدوليين.
وينطلق التحليل من النقاش الذي أثاره الدكتور وليد عبد الحي حول التناقض بين مركزية فلسطين في الخطاب الإيراني وغيابها النسبي في سياقات التفاوض. لكنه يتجاوز هذا الإطار ليطرح سؤالا أعمق: هل تمثل فلسطين مجرد سبب للصراع في المنطقة، أم أنها تقع في مركز بنية الصراع نفسها؟
يذهب المقال إلى أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية أو أخلاقية، بل عقدة جيوسياسية وحضارية تكشف طبيعة النظام الإقليمي والدولي الحديث. فمن موقعها الجغرافي والرمزي، تحولت إلى نقطة ارتكاز تتقاطع عندها مشاريع الهيمنة والاستعمار وإعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا السياق، تُفهم مركزية فلسطين في الوعي العربي والإسلامي بوصفها تعبيرا عن صراع يتجاوز حدود الأرض المحتلة، ليطال شكل النظام الإقليمي وموازين القوى فيه.
كما يناقش موقع إيران ضمن هذه المعادلة، معتبرا أن استهدافها لا يرتبط فقط بموقفها من فلسطين، رغم أهميته، بل أساسا بخروجها الجزئي عن منظومة الاندماج الكامل في النظام الغربي بعد الثورة الإسلامية. ويلفت النظر في الوقت ذاته إلى التناقض القائم في الخطابات العربية والإسلامية العابرة للحدود، ومحددات الدولة القومية والقطرية ومصالحها.
ويرى أن تراجع مراكز الثقل العربية خلال العقود الماضية، أسهم في إنتاج فراغ إقليمي أعاد توزيع النفوذ بين قوى إقليمية مختلفة، وحوّل فلسطين من مركز منتج للسياسة إلى ساحة تتقاطع فوقها سياسات الآخرين.
ويخلص إلى أن أي أفق للتحرر الإقليمي يظل مشروطا بمسارين متلازمين: إعادة بناء الذات السياسية الفلسطينية بوصفها فاعلا مستقلا، والعمل على بلورة فضاء حضاري إقليمي أكثر توازنا، يتجاوز منطق التوظيف السياسي لفلسطين، ويعيد الاعتبار لها بوصفها قضية تحرر جمعي، ومركزا لإعادة بناء التوازنات الإقليمية، بل وما يتصل بها من تحولات في النظام الدولي.
المقال الكامل
فلسطين كعقدة بنيوية في النظام الإقليمي: قراءة في الفجوة بين الخطاب السياسي ومنطق التفاوض
أولا: فجوة الخطاب والسياسة: من نقد الحالة الإيرانية إلى بنيوية الإقليم
ينطلق هذا التحليل من مفارقة لافتة في المشهد السياسي العربي والإقليمي: كثافة حضور فلسطين في اللغة والشعارات التعبوية، مقابل تراجعها التدريجي في لحظات التفاوض الواقعي وحسابات الدولة (الأمن، الاقتصاد، والتسويات). هذا التباين ليس مجرد سلوك براغماتي عابر أملته ضرورات البقاء، بل هو ظاهرة بنيوية متكررة تستدعي التفكيك.
وقد التقط الدكتور وليد عبد الحي بدقه هذه الفجوة في مقاله "نداء إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية" (29/5/2026)، مستشكلاً التناقض بين مركزية فلسطين في الخطاب الإيراني وغيابها الملحوظ في سياقات التفاوض.
ولا تكمن أهمية هذا الطرح في مضمونه السياسي المباشر فحسب، بل في طبيعة المساحة الفكرية التي يحاول فتحها داخل مشهد عربي وإقليمي ودولي بات شديد الاستقطاب والانغلاق.
المهم أنه لا يكتب من موقع الخصومة مع إيران، ولا من موقع الاصطفاف الدعائي معها، بل يحاول أن يمارس ما نفتقده كثيرا في المجال الفكري الفلسطيني والعربي: مساءلة “الحليف” من داخل مرجعية أخلاقية منحازة لفلسطين. وهذه بحد ذاتها نقطة تستحق التوقف عندها.
فالخطاب الفلسطيني والعربي المعاصر تجاه إيران ومحور المقاومة ينقسم غالبا بين نموذجين متقابلين:
إما تمجيد كامل يرى في إيران تجسيدا مطلقا للمقاومة،
أو شيطنة كاملة تختزل كل ما يجري في “مشروع فارسي” أو “توسع مذهبي”.
وبعض القراءات الجيوسياسية الشائعة تحاول تفسير السلوك الإيراني بوصفه انعكاساً لـ "برغماتية الدولة" تحت الحصار.
غير أن رفض الوقوف عند هذا التفسير التبريري لا ينتقص من الدور البطولي لإيران الدولة والشعب في الوقوف بوجه الطغيان والجبروت الأمريكي الصهيوني، الذي تطال تداعياته شعوب ودول المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة وجنوب العالم خصوصا، بل وشعوب العالم، بما في ذلك مواطني الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، المدافعين عن الإنسان وحقه المتساوي في الحياة والحرية والكرامة وتقرير المصير.
الإشكال لا يقتصر على الحالة الإيرانية، بل يعرّي انفصاما أخلاقيا وسياسيا عاما داخل النظام الإقليمي والدولي بأكمله - يشمل الدول العربية وتركيا وروسيا والصين على حد سواء. هذا الانفصام يحوّل عدالة القضية الفلسطينية إلى "رافعة تعبوية" زمن التصعيد، و"ملف مؤجل" زمن التسويات والصفقات، ما يسقط الهالة الأخلاقية عن الخطاب المبدئي، ويفرغ تضحيات الشعوب من معناها السياسي لحسابات آنية ضيقة، لا تؤمّن النجاة، بل تؤجّل المواجهة وترفع كلفتها المستقبلية.
وهنا تبدأ الأهمية الحقيقية لطرح عبد الحي من النقطة التي تستدعي تجاوزه. فالتحليل البراغماتي السائد يفترض ضمنا أن فلسطين هي مجرد "سبب" مركزي للصراع الإقليمي والدولي، بينما يتطلب الفهم الأعمق رؤيتها كـ "عقدة بنيوية" كاشفة لطبيعة النظام الدولي الحديث، وهو ما ينقلنا من نقد السلوك السياسي التكتيكي إلى تفكيك البنية الحضارية.
ثانيا: فلسطين بين السبب والمركز في البنية الحضارية
هل فلسطين هي “سبب” الصراع فعلا؟ أم أنها تقع في “مركزه” بوصفها عقدة جيوسياسية وحضارية تكشف بنية صراع أعمق وأوسع؟
هنا تبدو الحاجة إلى توسيع إطار التحليل. فالاشتباك الغربي مع إيران لا يمكن فهمه فقط من خلال موقفها من فلسطين، رغم مركزية هذا العامل، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة النظام الحضاري الغربي الحديث نفسه.
فالحضارات السابقة، رغم صراعاتها الطويلة، لم تقم غالبا على فكرة محو الحضارات الأخرى وإعادة تشكيل العالم وفق نموذج واحد شامل.
فيما الحداثة الغربية حوّلت النزعة الإمبراطورية إلى مشروع كوني شامل، يعتبر النموذج الغربي المادي معيارا أعلى للتاريخ والمعرفة، والإنسان، والتنظيم السياسي، والاجتماعي.
ومن هنا لم يكن الاستعمار الغربي مجرد توسع جغرافي، بل مشروعا لإعادة تشكيل العالم: ثقافيا، وديموغرافيا، وسياسيا، واقتصاديا. واجتماعيا.
ولذلك ارتبطت الحداثة الغربية، منذ بداياتها، بأشكال متعددة من: الاستعمار الاستيطاني، والإحلال السكاني، وإخضاع الشعوب، وتفكيك البنى الحضارية المنافسة.
وفي هذا السياق تصبح فلسطين أكثر من مجرد “قضية عادلة” أو ملف سياسي، إذ تتحول إلى نقطة ارتكاز مركزية في بنية الصراع الحضاري نفسه.
ففلسطين تقع في القلب الجغرافي للحضارة العربية الإسلامية، وتشكل نقطة وصل وفصل بين أقاليمها الكبرى. ولذلك لم يكن المشروع الصهيوني، مجرد مشروع استيطاني يهودي قائم بذاته، ولا استجابة لحل المسألة اليهودية الأوروربية بفعل العنصرية التي تأسست عليها القومية الحداثية في أوروبا، بل جزءا من مشروع غربي صهيوني أشمل لإعادة تشكيل المنطقة - التي تقع في مركز العالم، وتلعب السيطرة عليها دورا محوريا في ترجيح موازين القوى العالمية - وضبطها جيوسياسيا.
ولعل هذا ما يفسر أن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية بقرون، وأن فكرة إعادة توطين اليهود في فلسطين ظهرت مبكرا في الفكر البروتستانتي الأوروبي، قبل تأسيس الحركة الصهيونية اليهودية الحديثة بوقت طويل.
ثم جاء القرن التاسع عشر ليحوّل هذه التصورات إلى مشروع سياسي منظم، تبلور تدريجيا في ظل التوسع الاستعماري الأوروبي، بدأه نابليون بونوبارت عام 1798 في حملته الإمبراطورية لاحتلال المشرق، وتم بلورته في مؤتمر لندن عام 1840 في إطار التصدي لمشروع محمد علي والي مصر لإعادة تشكيل مركز القوة في دولة الخلافة الإسلامية في ظل تراجع المركز العثماني، قبل أن تأخذ الحركة الصهيونية اليهودية شكلها المؤسسي الحديث في مؤتمر بازل عام 1897.
ضمن هذا السياق، تبدو فلسطين مركزا للصراع، وليست سببه الوحيد.
ثالثا: إيران بين الاندماج والانفصال البنيوي
لم تصبح إيران مستهدفة غربيا فقط بسبب موقفها من فلسطين، رغم أهمية ذلك، بل لأنها خرجت - ولو جزئيا - من بنية الاندماج الكامل في النظام الغربي بعد الثورة الإسلامية عام 1979.
فالدولة البهلوية، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تكن تُعامل بوصفها تهديدا وجوديا، لأنها كانت جزءا من المنظومة الإقليمية الغربية.
لكن الثورة الإسلامية نقلت إيران من موقع “الحليف الوظيفي” إلى موقع الدولة التي تطرح، ولو بصورة ملتبسة وغير مكتملة، نموذجا سياسيا وثقافيا مختلفا.
ومن هنا يمكن فهم مركزية فلسطين في الوعي الإيراني وعموم الوعي الإسلامي، ليس فقط باعتبارها قضية أخلاقية، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية تكشف طبيعة الصراع مع الغرب الاستعماري.
لكن هذا لا يعني أن إيران تمثل مشروعا حضاريا مكتملا أو جامعا. وهنا تظهر إحدى أكثر الإشكاليات تعقيدا في المنطقة: التناقض البنيوي بين الأفق الإسلامي العام للثورة، وبين المحددات القومية والمذهبية للدولة الإيرانية.
هذا التناقض - المستمر منذ تفكك المنطقة وسقوط دولة الخلافة - يعيد إنتاج المعضلة ذاتها التي ناقشناها في القسم الأول: حيث تتحول فلسطين بفعل هواجس الأمن القومي وميراث الدولة القطرية، من "مركز حضاري مشترك" إلى "أداة وظيفية" لخدمة محاور سياسية ضيقة واصطفافات إقليمية (عربية، وفارسية، وتركية وكردية).
إن اختزال فلسطين إلى مصدّ صدمات جيوسياسي يحمي المراكز على حساب الأطراف، هو الجدار الحقيقي الذي يمنع تشكّل فضاء حضاري إقليمي وازن، ويمكّن القوى الطامعة من النفاذ عبر هذه الصدوع التاريخية.
رابعا: هندسة الفراغ الإقليمي وتوازنات القوى
في هذا السياق، استغل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية حالة التشظي العربي والإسلامي غير المسبوق، التي تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الاشتراكي وانتقال النظام الدولي إلى مرحلة الأحادية القطبية، لتثبيت هيمنة استراتيجية أعادت صياغة موازين القوة العالمية والإقليمية.
غير أن النظر إلى هذه التحولات بوصفها مجرد استغلال لفراغ قائم يبقى قاصرا عن تفسير عمق المسألة. فالتشظي العربي والإقليمي لم يكن مجرد ظرف تاريخي طارئ أو نتيجة عرضية لتحولات دولية كبرى، بل أصبح جزءا من آلية إعادة تشكيل الإقليم نفسه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو فلسطين ضحية فراغ استراتيجي فحسب، بل إحدى الساحات التي جرى عبرها إنتاج هذا الفراغ وإدارته وإعادة تنظيم موازين القوى داخله. فكلما تراجعت قدرة الفلسطينيين ومحيطهم العربي على التحول إلى مركز مستقل للقرار والفعل، ازداد انفتاح المجال الإقليمي أمام التدخلات الخارجية، والتنافس بين القوى الإقليمية الصاعدة.
وقد ارتبطت هذه العملية بسلسلة من التحولات البنيوية التي أصابت مراكز الثقل العربي الرئيسية، بدءا من إخراج مصر من دائرة الصراع العربي ـ الصهيوني بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. مرورا بالحروب والحصارات التي أضعفت العراق، ثم الاحتلال الأمريكي الذي أعاد تشكيل بنيته السياسي. وصولا إلى تدمير سوريا واستنزاف مقدراتها خلال سنوات الصراع الطويلة.
وقد أفضت هذه التحولات مجتمعة إلى تآكل القدرة العربية على إنتاج توازن إقليمي مستقل، وإلى نشوء فراغ استراتيجي عميق في قلب المنطقة.
وفي ظل هذا الفراغ، أعيد توزيع مراكز الفاعلية الإقليمية على نحو جعل المجال العربي، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، مفتوحا أمام تنافس قوى غير عربية أو عابرة للحدود على أدوار كانت ترتبط تاريخيا بمركز الثقل العربي.
ومن هنا برزت إسرائيل وإيران وتركيا بوصفها أبرز القوى القادرة على التأثير في معادلات الإقليم وإعادة تشكيلها، وإن بدرجات مختلفة، ومن منطلقات متباينة.
فإسرائيل تحركت بوصفها الامتداد الأكثر التصاقا بالبنية الاستراتيجية الغربية في المنطقة، فيما سعت إيران إلى توسيع حضورها الإقليمي من خلال الجمع بين اعتبارات الأمن القومي وشعارات المقاومة، بينما حاولت تركيا استعادة أدوار إقليمية أوسع مستفيدة من التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة.
لكن أهمية هذا الفراغ لا تكمن فقط في إعادة توزيع موازين القوة بين الدول، بل في إعادة تعريف موقع فلسطين نفسها داخل الإقليم. فبعد أن كانت تمثل، بدرجات متفاوتة، نقطة ارتكاز للهوية السياسية العربية ومجالا لتشكيل الاصطفافات الكبرى، أصبحت في كثير من الأحيان موضوعا للتنافس والتوظيف من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين. ولم يعد التنافس يدور حول فلسطين باعتبارها قضية تحرر وطني فحسب، بل حول من يمتلك حق تمثيلها والتحدث باسمها وتوظيف رمزيتها في معادلات الشرعية والنفوذ الإقليمي.
وهكذا تحولت فلسطين تدريجيا من مركز منتج للسياسة، إلى ساحة تتقاطع فوقها سياسات الآخرين. ولم يكن هذا التحول تعبيرا عن مركزية فلسطين فقط، بل أحد الآليات التي أعادت إنتاج الفراغ الإقليمي نفسه، عبر إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها مصدرا للشرعية والحشد والاصطفاف، وغائبة بوصفها مشروعا سياسيا مستقلا قادرا على إعادة بناء التوازنات من موقعه الخاص. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة الصراع الإقليمي ذاتها: أين يقف الفلسطيني نفسه داخل هذه المعادلة؟
خامسا: فلسطين بين الرمز والفاعل
من هنا ربما يصبح نقد إيران أكثر تعقيدا من مجرد اتهامها بالتخلي عن فلسطين في التفاوض. فالدول المحاصرة والمهددة لا تتحرك فقط وفق المبادئ الأخلاقية وحدها، بل وفق ضرورات البقاء، والأمن، والاقتصاد واحتياجات المجتمع الأساسية.
ولهذا فإن التفاوض، بحد ذاته، لا يعني بالضرورة التخلي عن فلسطين، بقدر ما يكشف حدود قدرة أي دولة منفردة، مهما بلغت قوتها، على خوض صراع مفتوح مع النظام الغربي الصهيوني المهيمن.
لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية، وربما غاب عن كثير من النقاشات العربية والإقليمية: أين الفلسطيني نفسه داخل كل هذه الصراعات؟
فحتى الخطابات الأكثر دفاعا عن فلسطين كثيرا ما تُبقي الفلسطيني حاضرا بوصفه: رمزا، أو قضية أخلاقية، أو ساحة اشتباك، وليس بوصفه فاعلا سياسيا يمتلك مشروعه الوطني التحرري. وهنا تكمن إحدى أعمق أزمات اللحظة الفلسطينية الراهنة.
فالفلسطيني الذي استطاع، عبر “طوفان الأقصى” وما تلاه، أن يعيد تفجير تناقضات النظام الإقليمي والدولي، ما يزال يواجه تحدي تحويل هذه القدرة التفجيرية إلى مشروع سياسي وتاريخي متكامل. وهذا ما يجعل فلسطين إشكالية شديدة الحضور، وشديدة الغياب في الوقت نفسه: حاضرة بوصفها مركزا أخلاقيا ورمزيا للصراع، وغائبة بوصفها ذاتا سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل الإقليم من موقعها الخاص.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن فقط فيما يقال عن إيران،
بل في الأسئلة التي يفتحها عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة والدولة، وبين القومية والحضارة، وبين مركزية فلسطين الرمزية ومكانتها الفعلية في حسابات القوى الإقليمية.
وهي أسئلة لا تخص إيران وحدها، بل تخص الفلسطينيين والعرب والمكونات الأصيلة في المنطقة بأسرها، في لحظة تاريخية يبدو فيها النظام الدولي نفسه داخلا طورا جديدا من إعادة التشكل والصراع.
سادسا: أفق التحرر الإقليمي
بناء على هذا التفكيك، فإن الخروج من "العقدة البنيوية" لفلسطين يتطلب الانتقال من سياق التساؤل إلى مسارين عمليين يمثلان أفقا للمستقبل:
أ. استعادة الذات السياسية الفلسطينية وعقبات الداخل:
إن تحول الفلسطيني من خانة "الرمز" أو "الملف المؤجل" إلى خانة "الفاعل الاستراتيجي"، يفرض بالضرورة بناء مرجعية قيادية وطنية جامعة قادرة على صهر التضحيات والمقاومة في مشروع سياسي وتاريخي متكامل.
غير أن هذا الاستحقاق لا ينطلق من فراغ، بل يصطدم بكوابح داخلية بنيوية حادة تتطلب التفكيك، وفي مقدمتها: الإرث الثقيل لاتفاق أوسلو الذي قيد العمل الوطني، بانتزاع سلطة بلا سيادة، وحالة الانقسام المؤسسي والجغرافي المزمن، فضلا عن شيخوخة وتكلس المؤسسات الرسمية وجهازها البيروقراطي، الذي بات عاجزا عن استيعاب حيوية الشارع وتجاوز منطق "الوكالة الأمنية أو الخدمية".
ومن ثم، فإن استعادة الذات لا تبدأ من الشعارات، بل من اجتراح "كتلة تاريخية فلسطينية من داخل الوطن والشتات " تتجاوز هذا الميراث المأزوم، وتنتزع تمثيلا حقيقيا جامعا يتحدث باسم فلسطين كمركز مستقل، يرفض التوظيف أو التبعية لأي محور إقليمي أو دولي.
ب. بناء فضاء حضاري إقليمي مشترك:
إن مواجهة المنظومة الاستعمارية تقتضي الانتقال من "منطق المحاور البراغماتية" التي تحمي مراكزها القومية والقطرية، إلى "كتلة حضارية إقليمية" تتجاوز الاستقطاب القومي (العربي-الإيراني-التركي - الكردي). كتلة تدرك فيها القوى الأصيلة أن أمنها وحريتها واستقلالها لا يتحققان عبر التنافس أو التمدد في الفراغ العربي، بل عبر الالتفاف حول فلسطين باعتبارها قاعدة التحرر المشترك.
غير أن الحديث عن “كتلة حضارية إقليمية” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تصورا رومانسيا لتجاوز التناقضات دفعة واحدة، فالإقليم ما يزال محكوما بشبكة كثيفة من الانقسامات البنيوية: الذاكرة التاريخية للصراعات القومية والقطرية والمذهبية، وتفاوت موازين القوة، وارتهان الاقتصادات الإقليمية للنظام العالمي، إضافة إلى غياب مركز عربي قادر على إنتاج توازن مستقر.
كما أن القوى الإقليمية نفسها - العربية والفارسية والتركية والكردية - لا تتحرك فقط ضمن أفق تحرري مشترك، بل ضمن هواجس الأمن القومي، وميراث الدولة القومية والقطرية، والتنافس على المجال الحيوي، وهو ما يجعل فلسطين عرضة باستمرار لإعادة التوظيف داخل صراعات المحاور.
ولذلك فإن تشكل فضاء إقليمي مختلف، لا يبدو ممكنا في المدى القريب بوصفه “تحالفا سياسيا جاهزا”، بل قد يبدأ تدريجيا من إدراك سلبي مشترك:
أن استمرار التشظي الحالي لا ينتج انتصارا حاسما لأي طرف، بقدر ما يعيد إنتاج التبعية الفردية والجماعية للنظام الدولي المهيمن.
ومن هنا، فإن أي أفق لتحول تاريخي في الإقليم سيظل مشروطا بثلاثة عناصر متداخلة:
· إعادة بناء الذات السياسية الفلسطينية بوصفها مركزا مستقلا،
· وتراجع منطق الهيمنة المتبادلة بين القوى الإقليمية،
· وظهور مصالح استراتيجية مشتركة تدفع باتجاه أشكال جديدة من التوازن والتكامل، لا منطق التوسع في الفراغ العربي.
في النهاية، تبدو فلسطين كاشفة للجميع، فلن يُبنى مشروع حضاري حقيقي في المنطقة طالما بقيت قضيتها شعارا يُرفع في زمن الحشد التعبوي، ويُترك خلف الستار على طاولات المساومات الإقليمية والدولية.
ينطلق هذا المقال من ملاحظة فجوة متكررة في السياسة العربية والإقليمية والدولية: الحضور الكثيف لفلسطين في الخطاب السياسي والشعارات التعبوية، مقابل تراجعها في لحظات التفاوض الواقعي وحسابات الدولة المرتبطة بالأمن والاقتصاد والتسويات. ويجادل بأن هذه الظاهرة لا تقتصر على الحالة الإيرانية، كما يقال حاليا، بل تعكس نمطا بنيويا أوسع يشمل مختلف الفاعلين العرب والإقليميين والدوليين.
وينطلق التحليل من النقاش الذي أثاره الدكتور وليد عبد الحي حول التناقض بين مركزية فلسطين في الخطاب الإيراني وغيابها النسبي في سياقات التفاوض. لكنه يتجاوز هذا الإطار ليطرح سؤالا أعمق: هل تمثل فلسطين مجرد سبب للصراع في المنطقة، أم أنها تقع في مركز بنية الصراع نفسها؟
يذهب المقال إلى أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية أو أخلاقية، بل عقدة جيوسياسية وحضارية تكشف طبيعة النظام الإقليمي والدولي الحديث. فمن موقعها الجغرافي والرمزي، تحولت إلى نقطة ارتكاز تتقاطع عندها مشاريع الهيمنة والاستعمار وإعادة تشكيل المنطقة. وفي هذا السياق، تُفهم مركزية فلسطين في الوعي العربي والإسلامي بوصفها تعبيرا عن صراع يتجاوز حدود الأرض المحتلة، ليطال شكل النظام الإقليمي وموازين القوى فيه.
كما يناقش موقع إيران ضمن هذه المعادلة، معتبرا أن استهدافها لا يرتبط فقط بموقفها من فلسطين، رغم أهميته، بل أساسا بخروجها الجزئي عن منظومة الاندماج الكامل في النظام الغربي بعد الثورة الإسلامية. ويلفت النظر في الوقت ذاته إلى التناقض القائم في الخطابات العربية والإسلامية العابرة للحدود، ومحددات الدولة القومية والقطرية ومصالحها.
ويرى أن تراجع مراكز الثقل العربية خلال العقود الماضية، أسهم في إنتاج فراغ إقليمي أعاد توزيع النفوذ بين قوى إقليمية مختلفة، وحوّل فلسطين من مركز منتج للسياسة إلى ساحة تتقاطع فوقها سياسات الآخرين.
ويخلص إلى أن أي أفق للتحرر الإقليمي يظل مشروطا بمسارين متلازمين: إعادة بناء الذات السياسية الفلسطينية بوصفها فاعلا مستقلا، والعمل على بلورة فضاء حضاري إقليمي أكثر توازنا، يتجاوز منطق التوظيف السياسي لفلسطين، ويعيد الاعتبار لها بوصفها قضية تحرر جمعي، ومركزا لإعادة بناء التوازنات الإقليمية، بل وما يتصل بها من تحولات في النظام الدولي.
المقال الكامل
فلسطين كعقدة بنيوية في النظام الإقليمي: قراءة في الفجوة بين الخطاب السياسي ومنطق التفاوض
أولا: فجوة الخطاب والسياسة: من نقد الحالة الإيرانية إلى بنيوية الإقليم
ينطلق هذا التحليل من مفارقة لافتة في المشهد السياسي العربي والإقليمي: كثافة حضور فلسطين في اللغة والشعارات التعبوية، مقابل تراجعها التدريجي في لحظات التفاوض الواقعي وحسابات الدولة (الأمن، الاقتصاد، والتسويات). هذا التباين ليس مجرد سلوك براغماتي عابر أملته ضرورات البقاء، بل هو ظاهرة بنيوية متكررة تستدعي التفكيك.
وقد التقط الدكتور وليد عبد الحي بدقه هذه الفجوة في مقاله "نداء إلى المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية" (29/5/2026)، مستشكلاً التناقض بين مركزية فلسطين في الخطاب الإيراني وغيابها الملحوظ في سياقات التفاوض.
ولا تكمن أهمية هذا الطرح في مضمونه السياسي المباشر فحسب، بل في طبيعة المساحة الفكرية التي يحاول فتحها داخل مشهد عربي وإقليمي ودولي بات شديد الاستقطاب والانغلاق.
المهم أنه لا يكتب من موقع الخصومة مع إيران، ولا من موقع الاصطفاف الدعائي معها، بل يحاول أن يمارس ما نفتقده كثيرا في المجال الفكري الفلسطيني والعربي: مساءلة “الحليف” من داخل مرجعية أخلاقية منحازة لفلسطين. وهذه بحد ذاتها نقطة تستحق التوقف عندها.
فالخطاب الفلسطيني والعربي المعاصر تجاه إيران ومحور المقاومة ينقسم غالبا بين نموذجين متقابلين:
إما تمجيد كامل يرى في إيران تجسيدا مطلقا للمقاومة،
أو شيطنة كاملة تختزل كل ما يجري في “مشروع فارسي” أو “توسع مذهبي”.
وبعض القراءات الجيوسياسية الشائعة تحاول تفسير السلوك الإيراني بوصفه انعكاساً لـ "برغماتية الدولة" تحت الحصار.
غير أن رفض الوقوف عند هذا التفسير التبريري لا ينتقص من الدور البطولي لإيران الدولة والشعب في الوقوف بوجه الطغيان والجبروت الأمريكي الصهيوني، الذي تطال تداعياته شعوب ودول المنطقة العربية - الإسلامية الممتدة وجنوب العالم خصوصا، بل وشعوب العالم، بما في ذلك مواطني الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، المدافعين عن الإنسان وحقه المتساوي في الحياة والحرية والكرامة وتقرير المصير.
الإشكال لا يقتصر على الحالة الإيرانية، بل يعرّي انفصاما أخلاقيا وسياسيا عاما داخل النظام الإقليمي والدولي بأكمله - يشمل الدول العربية وتركيا وروسيا والصين على حد سواء. هذا الانفصام يحوّل عدالة القضية الفلسطينية إلى "رافعة تعبوية" زمن التصعيد، و"ملف مؤجل" زمن التسويات والصفقات، ما يسقط الهالة الأخلاقية عن الخطاب المبدئي، ويفرغ تضحيات الشعوب من معناها السياسي لحسابات آنية ضيقة، لا تؤمّن النجاة، بل تؤجّل المواجهة وترفع كلفتها المستقبلية.
وهنا تبدأ الأهمية الحقيقية لطرح عبد الحي من النقطة التي تستدعي تجاوزه. فالتحليل البراغماتي السائد يفترض ضمنا أن فلسطين هي مجرد "سبب" مركزي للصراع الإقليمي والدولي، بينما يتطلب الفهم الأعمق رؤيتها كـ "عقدة بنيوية" كاشفة لطبيعة النظام الدولي الحديث، وهو ما ينقلنا من نقد السلوك السياسي التكتيكي إلى تفكيك البنية الحضارية.
ثانيا: فلسطين بين السبب والمركز في البنية الحضارية
هل فلسطين هي “سبب” الصراع فعلا؟ أم أنها تقع في “مركزه” بوصفها عقدة جيوسياسية وحضارية تكشف بنية صراع أعمق وأوسع؟
هنا تبدو الحاجة إلى توسيع إطار التحليل. فالاشتباك الغربي مع إيران لا يمكن فهمه فقط من خلال موقفها من فلسطين، رغم مركزية هذا العامل، بل ينبغي وضعه ضمن سياق أوسع يتعلق بطبيعة النظام الحضاري الغربي الحديث نفسه.
فالحضارات السابقة، رغم صراعاتها الطويلة، لم تقم غالبا على فكرة محو الحضارات الأخرى وإعادة تشكيل العالم وفق نموذج واحد شامل.
فيما الحداثة الغربية حوّلت النزعة الإمبراطورية إلى مشروع كوني شامل، يعتبر النموذج الغربي المادي معيارا أعلى للتاريخ والمعرفة، والإنسان، والتنظيم السياسي، والاجتماعي.
ومن هنا لم يكن الاستعمار الغربي مجرد توسع جغرافي، بل مشروعا لإعادة تشكيل العالم: ثقافيا، وديموغرافيا، وسياسيا، واقتصاديا. واجتماعيا.
ولذلك ارتبطت الحداثة الغربية، منذ بداياتها، بأشكال متعددة من: الاستعمار الاستيطاني، والإحلال السكاني، وإخضاع الشعوب، وتفكيك البنى الحضارية المنافسة.
وفي هذا السياق تصبح فلسطين أكثر من مجرد “قضية عادلة” أو ملف سياسي، إذ تتحول إلى نقطة ارتكاز مركزية في بنية الصراع الحضاري نفسه.
ففلسطين تقع في القلب الجغرافي للحضارة العربية الإسلامية، وتشكل نقطة وصل وفصل بين أقاليمها الكبرى. ولذلك لم يكن المشروع الصهيوني، مجرد مشروع استيطاني يهودي قائم بذاته، ولا استجابة لحل المسألة اليهودية الأوروربية بفعل العنصرية التي تأسست عليها القومية الحداثية في أوروبا، بل جزءا من مشروع غربي صهيوني أشمل لإعادة تشكيل المنطقة - التي تقع في مركز العالم، وتلعب السيطرة عليها دورا محوريا في ترجيح موازين القوى العالمية - وضبطها جيوسياسيا.
ولعل هذا ما يفسر أن الصهيونية المسيحية سبقت الصهيونية اليهودية بقرون، وأن فكرة إعادة توطين اليهود في فلسطين ظهرت مبكرا في الفكر البروتستانتي الأوروبي، قبل تأسيس الحركة الصهيونية اليهودية الحديثة بوقت طويل.
ثم جاء القرن التاسع عشر ليحوّل هذه التصورات إلى مشروع سياسي منظم، تبلور تدريجيا في ظل التوسع الاستعماري الأوروبي، بدأه نابليون بونوبارت عام 1798 في حملته الإمبراطورية لاحتلال المشرق، وتم بلورته في مؤتمر لندن عام 1840 في إطار التصدي لمشروع محمد علي والي مصر لإعادة تشكيل مركز القوة في دولة الخلافة الإسلامية في ظل تراجع المركز العثماني، قبل أن تأخذ الحركة الصهيونية اليهودية شكلها المؤسسي الحديث في مؤتمر بازل عام 1897.
ضمن هذا السياق، تبدو فلسطين مركزا للصراع، وليست سببه الوحيد.
ثالثا: إيران بين الاندماج والانفصال البنيوي
لم تصبح إيران مستهدفة غربيا فقط بسبب موقفها من فلسطين، رغم أهمية ذلك، بل لأنها خرجت - ولو جزئيا - من بنية الاندماج الكامل في النظام الغربي بعد الثورة الإسلامية عام 1979.
فالدولة البهلوية، رغم أهميتها الاستراتيجية، لم تكن تُعامل بوصفها تهديدا وجوديا، لأنها كانت جزءا من المنظومة الإقليمية الغربية.
لكن الثورة الإسلامية نقلت إيران من موقع “الحليف الوظيفي” إلى موقع الدولة التي تطرح، ولو بصورة ملتبسة وغير مكتملة، نموذجا سياسيا وثقافيا مختلفا.
ومن هنا يمكن فهم مركزية فلسطين في الوعي الإيراني وعموم الوعي الإسلامي، ليس فقط باعتبارها قضية أخلاقية، بل باعتبارها عقدة جيوسياسية تكشف طبيعة الصراع مع الغرب الاستعماري.
لكن هذا لا يعني أن إيران تمثل مشروعا حضاريا مكتملا أو جامعا. وهنا تظهر إحدى أكثر الإشكاليات تعقيدا في المنطقة: التناقض البنيوي بين الأفق الإسلامي العام للثورة، وبين المحددات القومية والمذهبية للدولة الإيرانية.
هذا التناقض - المستمر منذ تفكك المنطقة وسقوط دولة الخلافة - يعيد إنتاج المعضلة ذاتها التي ناقشناها في القسم الأول: حيث تتحول فلسطين بفعل هواجس الأمن القومي وميراث الدولة القطرية، من "مركز حضاري مشترك" إلى "أداة وظيفية" لخدمة محاور سياسية ضيقة واصطفافات إقليمية (عربية، وفارسية، وتركية وكردية).
إن اختزال فلسطين إلى مصدّ صدمات جيوسياسي يحمي المراكز على حساب الأطراف، هو الجدار الحقيقي الذي يمنع تشكّل فضاء حضاري إقليمي وازن، ويمكّن القوى الطامعة من النفاذ عبر هذه الصدوع التاريخية.
رابعا: هندسة الفراغ الإقليمي وتوازنات القوى
في هذا السياق، استغل الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية والقوى الغربية حالة التشظي العربي والإسلامي غير المسبوق، التي تزامنت مع انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الاشتراكي وانتقال النظام الدولي إلى مرحلة الأحادية القطبية، لتثبيت هيمنة استراتيجية أعادت صياغة موازين القوة العالمية والإقليمية.
غير أن النظر إلى هذه التحولات بوصفها مجرد استغلال لفراغ قائم يبقى قاصرا عن تفسير عمق المسألة. فالتشظي العربي والإقليمي لم يكن مجرد ظرف تاريخي طارئ أو نتيجة عرضية لتحولات دولية كبرى، بل أصبح جزءا من آلية إعادة تشكيل الإقليم نفسه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو فلسطين ضحية فراغ استراتيجي فحسب، بل إحدى الساحات التي جرى عبرها إنتاج هذا الفراغ وإدارته وإعادة تنظيم موازين القوى داخله. فكلما تراجعت قدرة الفلسطينيين ومحيطهم العربي على التحول إلى مركز مستقل للقرار والفعل، ازداد انفتاح المجال الإقليمي أمام التدخلات الخارجية، والتنافس بين القوى الإقليمية الصاعدة.
وقد ارتبطت هذه العملية بسلسلة من التحولات البنيوية التي أصابت مراكز الثقل العربي الرئيسية، بدءا من إخراج مصر من دائرة الصراع العربي ـ الصهيوني بعد اتفاقية كامب ديفيد عام 1979. مرورا بالحروب والحصارات التي أضعفت العراق، ثم الاحتلال الأمريكي الذي أعاد تشكيل بنيته السياسي. وصولا إلى تدمير سوريا واستنزاف مقدراتها خلال سنوات الصراع الطويلة.
وقد أفضت هذه التحولات مجتمعة إلى تآكل القدرة العربية على إنتاج توازن إقليمي مستقل، وإلى نشوء فراغ استراتيجي عميق في قلب المنطقة.
وفي ظل هذا الفراغ، أعيد توزيع مراكز الفاعلية الإقليمية على نحو جعل المجال العربي، للمرة الأولى منذ عقود طويلة، مفتوحا أمام تنافس قوى غير عربية أو عابرة للحدود على أدوار كانت ترتبط تاريخيا بمركز الثقل العربي.
ومن هنا برزت إسرائيل وإيران وتركيا بوصفها أبرز القوى القادرة على التأثير في معادلات الإقليم وإعادة تشكيلها، وإن بدرجات مختلفة، ومن منطلقات متباينة.
فإسرائيل تحركت بوصفها الامتداد الأكثر التصاقا بالبنية الاستراتيجية الغربية في المنطقة، فيما سعت إيران إلى توسيع حضورها الإقليمي من خلال الجمع بين اعتبارات الأمن القومي وشعارات المقاومة، بينما حاولت تركيا استعادة أدوار إقليمية أوسع مستفيدة من التحولات التي شهدها الإقليم خلال العقود الأخيرة.
لكن أهمية هذا الفراغ لا تكمن فقط في إعادة توزيع موازين القوة بين الدول، بل في إعادة تعريف موقع فلسطين نفسها داخل الإقليم. فبعد أن كانت تمثل، بدرجات متفاوتة، نقطة ارتكاز للهوية السياسية العربية ومجالا لتشكيل الاصطفافات الكبرى، أصبحت في كثير من الأحيان موضوعا للتنافس والتوظيف من قبل الفاعلين الإقليميين والدوليين. ولم يعد التنافس يدور حول فلسطين باعتبارها قضية تحرر وطني فحسب، بل حول من يمتلك حق تمثيلها والتحدث باسمها وتوظيف رمزيتها في معادلات الشرعية والنفوذ الإقليمي.
وهكذا تحولت فلسطين تدريجيا من مركز منتج للسياسة، إلى ساحة تتقاطع فوقها سياسات الآخرين. ولم يكن هذا التحول تعبيرا عن مركزية فلسطين فقط، بل أحد الآليات التي أعادت إنتاج الفراغ الإقليمي نفسه، عبر إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة بوصفها مصدرا للشرعية والحشد والاصطفاف، وغائبة بوصفها مشروعا سياسيا مستقلا قادرا على إعادة بناء التوازنات من موقعه الخاص. وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن أسئلة الصراع الإقليمي ذاتها: أين يقف الفلسطيني نفسه داخل هذه المعادلة؟
خامسا: فلسطين بين الرمز والفاعل
من هنا ربما يصبح نقد إيران أكثر تعقيدا من مجرد اتهامها بالتخلي عن فلسطين في التفاوض. فالدول المحاصرة والمهددة لا تتحرك فقط وفق المبادئ الأخلاقية وحدها، بل وفق ضرورات البقاء، والأمن، والاقتصاد واحتياجات المجتمع الأساسية.
ولهذا فإن التفاوض، بحد ذاته، لا يعني بالضرورة التخلي عن فلسطين، بقدر ما يكشف حدود قدرة أي دولة منفردة، مهما بلغت قوتها، على خوض صراع مفتوح مع النظام الغربي الصهيوني المهيمن.
لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية، وربما غاب عن كثير من النقاشات العربية والإقليمية: أين الفلسطيني نفسه داخل كل هذه الصراعات؟
فحتى الخطابات الأكثر دفاعا عن فلسطين كثيرا ما تُبقي الفلسطيني حاضرا بوصفه: رمزا، أو قضية أخلاقية، أو ساحة اشتباك، وليس بوصفه فاعلا سياسيا يمتلك مشروعه الوطني التحرري. وهنا تكمن إحدى أعمق أزمات اللحظة الفلسطينية الراهنة.
فالفلسطيني الذي استطاع، عبر “طوفان الأقصى” وما تلاه، أن يعيد تفجير تناقضات النظام الإقليمي والدولي، ما يزال يواجه تحدي تحويل هذه القدرة التفجيرية إلى مشروع سياسي وتاريخي متكامل. وهذا ما يجعل فلسطين إشكالية شديدة الحضور، وشديدة الغياب في الوقت نفسه: حاضرة بوصفها مركزا أخلاقيا ورمزيا للصراع، وغائبة بوصفها ذاتا سياسية مستقلة قادرة على إعادة تشكيل الإقليم من موقعها الخاص.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا النقاش لا تكمن فقط فيما يقال عن إيران،
بل في الأسئلة التي يفتحها عن العلاقة بين الأخلاق والسياسة، وبين العقيدة والدولة، وبين القومية والحضارة، وبين مركزية فلسطين الرمزية ومكانتها الفعلية في حسابات القوى الإقليمية.
وهي أسئلة لا تخص إيران وحدها، بل تخص الفلسطينيين والعرب والمكونات الأصيلة في المنطقة بأسرها، في لحظة تاريخية يبدو فيها النظام الدولي نفسه داخلا طورا جديدا من إعادة التشكل والصراع.
سادسا: أفق التحرر الإقليمي
بناء على هذا التفكيك، فإن الخروج من "العقدة البنيوية" لفلسطين يتطلب الانتقال من سياق التساؤل إلى مسارين عمليين يمثلان أفقا للمستقبل:
أ. استعادة الذات السياسية الفلسطينية وعقبات الداخل:
إن تحول الفلسطيني من خانة "الرمز" أو "الملف المؤجل" إلى خانة "الفاعل الاستراتيجي"، يفرض بالضرورة بناء مرجعية قيادية وطنية جامعة قادرة على صهر التضحيات والمقاومة في مشروع سياسي وتاريخي متكامل.
غير أن هذا الاستحقاق لا ينطلق من فراغ، بل يصطدم بكوابح داخلية بنيوية حادة تتطلب التفكيك، وفي مقدمتها: الإرث الثقيل لاتفاق أوسلو الذي قيد العمل الوطني، بانتزاع سلطة بلا سيادة، وحالة الانقسام المؤسسي والجغرافي المزمن، فضلا عن شيخوخة وتكلس المؤسسات الرسمية وجهازها البيروقراطي، الذي بات عاجزا عن استيعاب حيوية الشارع وتجاوز منطق "الوكالة الأمنية أو الخدمية".
ومن ثم، فإن استعادة الذات لا تبدأ من الشعارات، بل من اجتراح "كتلة تاريخية فلسطينية من داخل الوطن والشتات " تتجاوز هذا الميراث المأزوم، وتنتزع تمثيلا حقيقيا جامعا يتحدث باسم فلسطين كمركز مستقل، يرفض التوظيف أو التبعية لأي محور إقليمي أو دولي.
ب. بناء فضاء حضاري إقليمي مشترك:
إن مواجهة المنظومة الاستعمارية تقتضي الانتقال من "منطق المحاور البراغماتية" التي تحمي مراكزها القومية والقطرية، إلى "كتلة حضارية إقليمية" تتجاوز الاستقطاب القومي (العربي-الإيراني-التركي - الكردي). كتلة تدرك فيها القوى الأصيلة أن أمنها وحريتها واستقلالها لا يتحققان عبر التنافس أو التمدد في الفراغ العربي، بل عبر الالتفاف حول فلسطين باعتبارها قاعدة التحرر المشترك.
غير أن الحديث عن “كتلة حضارية إقليمية” لا ينبغي أن يُفهم بوصفه تصورا رومانسيا لتجاوز التناقضات دفعة واحدة، فالإقليم ما يزال محكوما بشبكة كثيفة من الانقسامات البنيوية: الذاكرة التاريخية للصراعات القومية والقطرية والمذهبية، وتفاوت موازين القوة، وارتهان الاقتصادات الإقليمية للنظام العالمي، إضافة إلى غياب مركز عربي قادر على إنتاج توازن مستقر.
كما أن القوى الإقليمية نفسها - العربية والفارسية والتركية والكردية - لا تتحرك فقط ضمن أفق تحرري مشترك، بل ضمن هواجس الأمن القومي، وميراث الدولة القومية والقطرية، والتنافس على المجال الحيوي، وهو ما يجعل فلسطين عرضة باستمرار لإعادة التوظيف داخل صراعات المحاور.
ولذلك فإن تشكل فضاء إقليمي مختلف، لا يبدو ممكنا في المدى القريب بوصفه “تحالفا سياسيا جاهزا”، بل قد يبدأ تدريجيا من إدراك سلبي مشترك:
أن استمرار التشظي الحالي لا ينتج انتصارا حاسما لأي طرف، بقدر ما يعيد إنتاج التبعية الفردية والجماعية للنظام الدولي المهيمن.
ومن هنا، فإن أي أفق لتحول تاريخي في الإقليم سيظل مشروطا بثلاثة عناصر متداخلة:
· إعادة بناء الذات السياسية الفلسطينية بوصفها مركزا مستقلا،
· وتراجع منطق الهيمنة المتبادلة بين القوى الإقليمية،
· وظهور مصالح استراتيجية مشتركة تدفع باتجاه أشكال جديدة من التوازن والتكامل، لا منطق التوسع في الفراغ العربي.
في النهاية، تبدو فلسطين كاشفة للجميع، فلن يُبنى مشروع حضاري حقيقي في المنطقة طالما بقيت قضيتها شعارا يُرفع في زمن الحشد التعبوي، ويُترك خلف الستار على طاولات المساومات الإقليمية والدولية.